حلم نسور قرطاج بقطر تحت التهديد

الخط

أصبح التونسيون ينظرون إلى مستقبل منتخبهم  لكرة القدم بكثير من التشاؤم، بعد النهاية الفوضوية لمشاركته في نهائيات أمم إفريقيا، التي أسدل عليها الستار السبت الفائت.

 

هي نهاية فوضوية بما في الكلمة من معنى باعتبار أنها جاءت إثر الإقصاء من دور الثمانية على يدي منتخب بوركينا فاسو. هذا الإقصاء توّجه الاتحاد التونسي لكرة القدم بقرار غريب في شكله قبل أن نخوض في مضمونه. هذا القرار تمثل بإقالة مدرب المنتخب المنذر الكبيّر، دقائق بعد وصوله إلى مطار قرطاج عائداً من الكاميرون، وقبل أن يصل من المطار إلى بيته في مدينة بنزرت، التي تبعد مسافة خمسين دقيقة عن موقع المطار بالعاصمة تونس. وكأن هذا التعجيل بإعلان خبر الإقالة كان سيعيد المنتخب إلى الكاميرون لخوض الدور النهائي من المنافسة ويُتوج باللقب!

 

وقد أجمع كل الملاحظين والنقاد والمتابعين بمن فيهم "أعداء" الكبيّر أن القرار في شكله كان خالياً من الذوق ومتميزاً بكثير من قلة الاحترام. وفسّر الملاحظون أن هذه الحركة ليست إلا محاولة من الاتحاد لتعليق نتيجة المشاركة في نهائيات البطولة على شمّاعة المدرب، وتركه وحيداً في مواجهة مع الرأي العام.

 

القرار اتُخذ دون أي تقييم للمشاركة الإفريقية ودون تحضير للبدائل المعقولة التي تكفل مواصلة المنتخب لنشاطه في أجواء بعيدة عن التشنج. وكان الحلّ الأسهل للاتحاد التونسي هو تعيين مساعد الكبيّر، جلال القادري، في منصب مدرب أول ليكون هو المشرف على إعداد المنتخب لمباراة مالي التي ستحسم أمر الترشح إلى مونديال قطر، والتي ستجري ذهاباً في باماكو يوم 23 مارس وإياباً في تونس يوم 29 من الشهر عينه.

 

منتخب مالي ليس بالصيد السهل ولقد تمكّن من الفوز على منتخب تونس في المباراة الأولى لدور المجموعات في الكاميرون، ولاح من خلال المباراة أنه يمتلك مجموعة من المحترفين يصعب ترويضها. كما أنه سيعود إلى ملعبه في مدينة باماكو، بعد أن صادقت "الفيفا" مؤخراً على صلاحيته، إثر الأشغال التي أقيمت فيه لإعادة تأهيله بعد قرار إغلاقه لعدم الصلاحية، وهو ما جعل منتخب مالي يُجري مبارياته في تصفيات المونديال خارج بلاده ومن سوء حظ منتخب تونس أن منافسه استعاد حق استعمال ملعبه بمناسبة المباراة الفاصلة.

 

تواتر هذه الأحداث جعل الكثير من التونسيين يعيشون تحت وطأة التشاؤم والخوف الشديد من إضاعة فرصة المشاركة في المونديال الحلم، مونديال قطر، خاصة بعد الأجواء الرائعة التي عاشوا على إيقاعها خلال مونديال العرب الذي احتضنته قطر، والتي تمتّع فيها التونسيون بمشاهدة مباريات رائقة في إطار تنظيمي عالمي عانق الامتياز. ولا ننسى أن في قطر جالية تونسية يقارب عددها الأربعين ألفاً تُمنّي النفس بتجديد اللقاء مع "نسور قرطاج" في البيت والثمامة و974 والمدينة التعليمية وكل الملاعب أو التحف الثمينة التي احتضنت كأس العرب وقدمته إلى العالم في حلة أبهرت الجميع وجعلتهم يبرمجون من الآن لشد الرحال إلى الدوحة مع نهاية هذا العام لمواكبة أكبر تظاهرة رياضية في نسخة ينتظرها الجميع تاريخية.

 

الإشكال أن مباراة منتخب تونس ضد المنتخب المالي لن تكون مسبوقة بأية مباراة إعدادية، وأن المدرب الجديد لن يكون أمامه أكثر من خمسة أيام قبل لقاء الذهاب لتجميع اللاعبين والسفر إلى مالي. أكثر لاعبي منتخب تونس ينشطون خارج البلاد واللوائح الدولية لا تسمح بفرض قدومهم قبل خمسة أيام من موعد مباراة رسمية.

 

ولئن يعول البعض على معرفة المدرب التونسي الجديد جلال القادري باللاعبين، باعتبار أنه كان مساعداً للمدرب المقال، فإن البعض الآخر يعتبر هذا غير كاف لضمان دخول مطمئن للمنافسة مع منتخب مالي الذي يواصل العمل مع نفس الإطار الفني منذ 2017، وهو عامل من العوامل التي ساعدته على بناء منتخب قوي تمكّن بعد محاولات سابقة فاشلة من بلوغ الدور الحاسم للتأهل للمونديال، الذي سيكون الأول له في تاريخه لو تحقق لا قدر الله.

 

أصحاب هذا الرأي يعتقدون أن إقالة الكبيّر غير مبررة وغير منطقية وليست في وقتها، ذلك أن النتيجة التي بلغها في أمم إفريقيا تعتبر عادية بالنسبة للمنتخب التونسي، الذي لا توجد في تقاليده عادة بلوغ أكثر من دور الثمانية، بل إنه لم يحقق ذلك منذ عاد إلى هذه المنافسة بانتظام سنة 1994 إلا في مرات تُعدّ على أصابع اليد الواحدة، في 1996 و2000 و2004 و2019، أما في باقي الدورات فلم يتمكن من ذلك، بل بلغ الأمر به حد الإقصاء من دور المجموعات في نسختي 2002 و2010. هذه الاعتبارات تجعل ما حققه الكبيّر مع المنتخب التونسي أمراً عادياً لم ينقص من قيمة المنتخب التونسي، بل يُعدّ أمراً خارقاً، إذا ما أخذنا بالاعتبار أن عشرين لاعباً من منتخب تونس تداولوا خلال الدورة على الإصابة بفيروس كورونا، مما جعل المدرب غير قادر على تجميع كل لاعبيه في كل المباريات التي خاضها، هذا فضلاً عن عدم وجود الوقت الكافي للاعبين لاستعادة إمكانياتهم بعد الإصابة، لذلك قلنا إن ما تحقق في الكاميرون يُعتبر أمراً خارقاً، إن أردنا فعلاً تحليل الأمور بالعقل، بعيداً عن العواطف والتشنج. ثم إن منتخب تونس أقصي من قبل منتخب صعب المراس، وهو منتخب بوركينا فاسو، الذي رأينا كيف أحرج منتخب الكاميرون في المباراة الترتيبية، وكيف أحرج منتخب الجزائر في الجزائر بالذات في آخر مباراة بتصفيات المونديال، وكاد يفتكّ منه الترشح إلى المباراة الفاصلة، كما أن هذا المنتخب سبق له إقصاء المنتخب التونسي في النهائيات الإفريقية في دور الثمانية أيضاً عامي 1998 و2017. لذلك، فإن الهزيمة ضده ليست فضيحة، مثلما حاول المبررون والمتجنون إقناعنا به، خاصة إذا أضفنا إليها أن هدف الفوز كان مسبوقاً بلمسة يد تغافل عنها "الفار"، وأن الحكم أصرّعلى حرمان منتخب تونس من ضربة جزاء رغم إقرار "الفار" بوجودها، وهذا أكده خبيرا التحكيم جمال الشريف وجمال الغندور في شهادات موثقة.

 

لست بصدد تبرير الإقصاء، لكنني فقط أُعدد الاعتبارات التي تؤكد أن الكبيّر آخر من يمكن لومه على الاكتفاء بدور الثمانية، وأن قرار إقالته تناسى كل النجاحات التي حققها منذ قدم إلى المنتخب منذ عامين ونصف حقق خلالها كل الأهداف التي تم الإتفاق عليها معه، ومن بينها دور الثمانية كحد أدنى في المشاركة الإفريقية.

 

فما الذي يدفع الاتحاد التونسي إلى إقالة مدرب حقق كل الأهداف التي طلبت منه وفسح المجال للقرارات الفوضوية؟

 

إنها إرادة السماسرة الحاكمة بأمرها في مصير الكرة التونسية. السماسرة الذين وجدوا الأبواب موصدة مع مدرب يمتاز بمستوى تعليمي جامعي وتكوين دولي راق يجعله يرفض التعامل معهم، والدخول في صفقات البيع والشراء.. يمتاز بعدله مع لاعبيه.. يمتاز بجديته في العمل وإخلاصه فيه ويمتاز بأخلاق عالية وسلوك مثالي..

 

هو بشر يخطئ ويصيب.. لكن المؤكد أنه لم يُقصّر ولم يُخطئ في الحفاظ على المبادئ، فجنى ثمن التزامه. هذه هي الحقيقة. وفي انتظار أن نُجدّد الموعد لنأتي على هذه المسألة بالتفاصيل، لا يسعني في النهاية إلا أن أدعو الله أن لا يحرمنا من مونديال قطر وأن يفتح لنا أبوابه برغم القرارات المتسرعة، بل الفوضوية كما قلنا في أول الكلام.. مونديال هو أمنية لكل التونسيين وأولهم الكبيّر الذي صرح بعد إقالته: "أنا الآن في صفوف المناصرين لمنتخب بلادي، وسأكون أسعد السعداء بترشّحه إلى المونديال"..

 

وينتهى الحديث بعد هذا التصريح..

للكاتب أيضاً