موزة مرميّة.. تحوّلت إلى نجمة مباراة ودية
4/10/2022 - عبد الباقي بن مسعود
سجّل ريتشارليسون هدف منتخب بلاده الثاني في مباراة فوز البرازيل على تونس بخمسة أهداف لهدف
الخط
ما أثار عديد الجرائد والمواقع الغربية بعد مباراة منتخبي تونس والبرازيل، يوم 27 سبتمبر في حديقة الأمراء بباريس، والتي انتهت بفوز البرازيليين بخمسة أهداف لهدف، لم يكن فنّيات نيمار ولا تمريرات كاسيميرو ولا مراوغات فينيسيوس، ولا استبسال المنتخب التونسي في الشوط الثاني الذي لعبه منقوصاً، ما أثارها هو لقطة حصلت في الدقيقة 19، حين اتّجه نجم توتنهام، ريتشارليسون، نحو خط التماس للاحتفال بالهدف الثاني الذي سجله في مرمى منتخب تونس. عندها حلّقت موزة من المدرج باتجاهه وحطّت عند قدميه.
من رمى هذه الموزة؟ الله أعلم.. وكاميرات الملعب لا تريد أن تعلم! أو ربما لم يريدوا لها أن تعلم! أو ربما هي علمت وقامت بواجبها، لكنهم أخفوا الصورة وطمسوا معها الحقيقة!
المهم بالنسبة للصحافة الغربية، أن تستثمر قدر الإمكان هذه الواقعة من أجل تشويه صورة العرب، من خلال تلميحات وتصريحات بأن رامي هذه القذيفة تونسي، وأن التونسيين يمارسون العنصرية، وأنهم، شأنهم شأن كل العرب، همجيون وغير متحضرين، وبطبيعة الحال، إرهابيون يزعجون العالم الإنساني المتحضر الذي لا نجده إلا عندهم.
الصحافة الغربية تُقدّم مرة أخرى نموذجاً في فن المغالطة والتحريض، والعنصرية بأعمق معانيها. أولاً، لأن مثل هذه المشاهد وُلدت وترعرعت ونمت في ملاعب الغرب، حيث تعرّض اللاعبون الأفارقة في عشرات المرات إلى ردود فعل بلغت أعلى مستوى من العنصرية. ورمي الموز على اللاعبين، هي عادة من عادات مدرجات الملاعب في البلدان الغربية، التي تكاد تستورد الموز من البلدان الإفريقية والأميركية الجنوبية من أجل ممارسة هذه العادة المحبذة لدى فئة عريضة منهم، فتُدخل على نفوسهم طرباً وتسلية لا يعرف سرّها إلا من تعوّد على التصرفات من أمثالهم.
كيف عرفوا أن رامي الموزة تونسي أو عربي، ومدرجات حديقة الأمراء استقبلت يومها جماهير مختلطة ومن مختلف الجنسيات، جاء أكثرهم للاستمتاع برؤية نجوم منتخب البرازيل؟
تُرى هل أنهم كلّموا الموزة، نجمة الحدث، فأجابتهم بالعربية أنها كانت على ملك عربي؟
لكن كيف لعربي أن يستهزئ بمواطن هو شبيه له شكلاً؟ أي فرق بين العرب والبرازيليين حتى يستهزؤوا بأشكال بعضهم البعض؟ ولنفترض أصلاً أن من قام بالفعلة، وهي مرفوضة بشكلها ومضمونها، هو عربي، وبالتحديد تونسي، فهل يكفي هذا التصرف الفردي المشين حتى نُعمّمه على الجميع ونصنع منه قضية سخيفة تفضح عورة الإعلام الغربي الذي لا يُفوّت أية فرصة يعترضها للإساءة للعرب؟
ماذا تريدون منا؟ فقط خيراتنا وثرواتنا وجمال بلادنا تستمتعون بها ولا تكافؤون حتى بكلمة طيبة؟ بل إنكم، فوق هذا، تغمروننا بوابل من الاتهامات والانتهاكات والإساءة كُلّما وجدتم نصف فرصة لذلك؟
حسناً، دعونا من هذه اللقطة، ولنفترض أن من قام بها تونسي، أو عربي ما دمتم تعشقون التعميم في هذه المسائل، ولنفترض أننا عنصريون همجيون إرهابيون.. لماذا لم تتناولوا في صحفكم لقطة ثانية حدثت في اليوم عينه، وفي الملعب عينه، وفي المدرجات عينها، لقطة اعتداء سافر لرجل من رجال التنظيم على مواطن تونسي، عرفنا أنه تونسي من خلال لهجته، كانت "جريمته" أنه يحمل بين يديه علم فلسطين المفدى؟ هل كانت هذه اللقطة عادية يا إعلام التزييف والمغالطة؟ ألم نشاهد في جلّ مقابلاتكم، وفي حديقة الأمراء بالذات، في عشرات المناسبات علم "إسرائيل" يغزو المدرجات وأنتم ترحبون؟
مؤسفة هذه الادعاءات وهذه الأباطيل والأراجيف تحدث بضع أيام قبل ضربة بداية مونديال التاريخ الذي تحتضنه قطر، والذي سيكون حقاً صفعة على خدود كل محترفي التزييف، ليستفيقوا ويدركوا أن أمة العرب هي أمة ثقافة وعلم وحضارة، وأنها سبّاقة في هذه المجالات. مونديال قطر اختاروا له شعار "وعد 2022"، وسيتحقق الوعد فعلاً. وسترتفع هامات العرب من الأقصى إلى الأقصى، وسيُدرك العالم أن الأرض العربية هي أرض لقاء وود وتآخ واحتفال، وأن العرب مبدعون وقادرون على تحقيق أكبر النجاحات في أصعب الامتحانات، رغم سموم أفكار ما زالت تُروّج إلى الانشقاق بين مخلوقات لا يُفرّقهم عند الخالق لا لون ولا جنس ولا أصل، فقط يتفرّقون عنده، جل جلاله، بما جاء في قرآنه الكريم: "يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير". نحن نؤمن بهذا.. وقطر ستُجسّم هذا في مونديالها التاريخي.. فهلا آمنتم به؟