بشارة من مالي.. وقناة الكاس تعيد الأنفاس

الخط

لم يبق لموعد المباراة المصيرية بين منتخبي تونس ومالي إلا أسبوعين وبضعة أيام، وبدأت القلوب تخفق لهذا الموعد، الذي سيتحدد على إثره اسم واحد من المنتخبات الخمسة التي ستمثل إفريقيا في مونديال قطر 2022. المونديال الذي يعتبره الجميع فرصة لا يمكن التفريط فيها، خاصة المنتخبات العربية، باعتباره أول مونديال يقام في بلد عربي وقد لا تتجدد هذه الفرصة إلا بعد عقود، فضلاً عن المؤشرات الأولى وشهادات أكبر الخبراء الدوليين الذين أقروا بأنه سيكون مونديالاً لم تره عين ولم تسمع به أذن سابقاً.

 

أخبار سارة من مالي

في الأثناء تصل إلى تونس أخبار سارة عن أزمة هزّت أركان المنتخب المالي، بعد تصريح صحافي لمدربه محمد ماغاسوبا، رداً على المنتقدين بعد خروج مالي من دور الـ16 لنهائيات أمم إفريقيا الأخيرة، جاء فيه: "هؤلاء هم الأشخاص ذوي النوايا السيئة الذين يجرّوننا في الوحل".

 

هذه التصريحات أثارت ردود أفعال ثائرة لدى الرأي العام الرياضي المالي، حيث علّق النجم الدولي السابق إبراهيم تيام بأنه يأسف لاختيار مدرب المنتخب قناة أجنبية (فرنسية) ليُدلي بمثل هذه التصريحات، معتبراً ذلك إهانة للشعب المالي وخوفاً من مواجهة الصحافة المالية الغاضبة، متّهماً إياه بالافتقار للشجاعة.

 

الاتحاد المالي لكرة القدم لم يرحب بتصريحات مدربه، ووجّه له رسالة كتابية شديدة اللهجة، عاتبه فيها ودعاه إلى ضبط النفس وعدم التسبب بالإخلال بالهدوء، الذي يجب أن يخيّم على أجواء المنتخب، الذي يجد نفسه لأول مرة على مسافة مباراتين من المونديال، وهي فرصة لا تأتي دائماً، نظراً لشدة المنافسة في القارة الإفريقية.

 

ولئن انتظر الشارع الرياضي التونسي خبر إقالة هذا المدرب، فإن ذلك لم يحصل، ويبدو أن الاتحاد المالي حسبها حساباً دقيقاً، باعتبار أن إقالته ستترك فراغاً صعب التعويض، مهما كان اسم وقيمة من يخلفه، وذلك لعدة عوامل، أولها وجوده على رأس المنتخب منذ ما لا يقل عن خمس سنوات تكبد خلالها مشقة إعادة بنائه ونجح بالمهمة بشكل لافت، وحاز احترام مجموعة من اللاعبين الماليين المحترفين في أوروبا تنظر إليه بعين كبيرة وتوليه الاحترام التام ولا تساوم على وجوده على رأس المجموعة، إضافة إلى ذلك، فإن الأيام المتبقية لموعد المباراة مع تونس تجعل من تغيير المدرب ضرباً من الجنون، فالوقت الفاصل لا يكفي حتى للتعرف على اللاعبين، كما أن ماغاسوبا يعرف جيداً منتخب تونس، وهو الذي واجهه منذ شهر وهزمه في الجولة الأولى من منافسات المجموعات في أمم إفريقيا، بعد مباراة كانت فيها السيطرة الميدانية مالية، ومهّد الانتصار فيها الطريق كي ينهي منافسات المجموعة في المرتبة الأولى، لكن الحظ أدار له ظهره في الدور الثاني ليغادر مبكراً.

 

ولئن لم يأت خبر إقالة ماغاسوبا، فإن مجرد السماع بوجود اهتزاز في علاقته مع الشارع الرياضي في مالي أمر يسعد التونسيون، الذين يعتبرونه عاملاً يخدم مصالحهم، خاصة إذا نجح المنتخب في صد الهجوم المالي في بداية المباراة الأولى في باماكو، حيث أن ذلك قد يكون حافزاً للجمهور لينقلب على منتخبه، وهذا أمر مألوف في مباريات أدغال إفريقيا، حيث تتحول المدرجات في بلد شعبه ممحون بالكرة، مثل مالي، إلى جحيم لا يطاق.

 

ظروف عمل صعبة للقادري

التونسيون يعولون على مثل هذه التفاصيل لمساعدتهم على مواجهة صعوبة مثل هذه المباريات، خاصة وأنه لا يوجد فرصة أمام المنتخب لجمع الشمل وتمكين المدرب الجديد جلال القادري من الوقت الكافي لاختبار اللاعبين وإعدادهم للمواجهة، وهم في حاجة أكيدة لذلك بعد رحيل المدرب السابق المنذر الكبيّر، وبعد انتداب مساعدين جديدين لم يسبق لهم التعامل معهما.

 

المانع من إجراء معسكر إعدادي هو أن أكثر من ثلثي لاعبي المنتخب ينشطون خارج البلاد، ولوائح الاتحاد الدولي تعطي أنديتهم أحقية عدم تسريحهم للالتحاق بمنتخب بلادهم قبل خمسة أيام من مواعيد المنافسات الدولية.

 

وحتى عودة البطولة المحلية إلى نشاطها لن تضيف للمدرب الوطني الكثير، باعتبار أنه لن يكون هناك عدد كبير من اللاعبين المحليين الذين سيعول عليهم، فضلاً عن ذلك، فإن المنافسة عادت بوتيرة ثقيلة، حتى كدنا لا نشعر بأنها موجودة لأسباب لعل أهمها ناتج عن تقسيم فرق البطولة إلى مجموعتين، يترشح على إثر ذلك ثلاثي من كل مجموعة للعب المباريات الحاسمة، التي يشتد فيها التنافس وتتقارب المستويات ويعلو فيها النسق  ويتطور فيها أداء اللاعبين، وهذه المرحلة لن تبدأ إلا بعد انتهاء المواجهة المصيرية ضد مالي.

 

وما زاد الطين بلة، وجعل أجواء منافسة البطولة رتيبة مملة، هو أن المباريات لا تُنقل على التلفزيون المحلي، فكُتب لها أن تجري من وراء حجاب بسبب الخلاف بين الاتحاد التونسي والتلفزيون التونسي حول ملف النقل التلفزي، وهذا أمر كنا قد أشرنا إليه سابقاً، ولم يجد بعد طريقه إلى الحل، كما أن عدد الجمهور المسموح له بالحضور محدود، باعتبار إجراءات كورونا، وإذا علمنا بأن طاقة استيعاب الملاعب المؤهلة في الوقت الحالي هي بدورها محدودة جداً، فإننا نصبح في حديث عن منافسات بطولة دون مواكبة.

 

الملاذ عبر قناة الكاس

ومن حسن الحظ أن جزءاً من الجماهير وجد الملاذ في قناة الكاس القطرية، التي اختارت أهم المباريات لنقلها للعموم، وقد تميزت هذه القناة بتغطية المباريات من كل الزوايا التي تروي ضمأ المشاهد، مع توفير استوديو تحليلي ينشطه بإدراك لكل الخفايا والمعلومات الزميل هيكل الشعري. وقد نجح الأخير وفريقه في تعويض ما تكبده، ولو جزء من جماهير الكرة، من حرمان جعل البطولة وأهلها من متابعين يستعيدون بعض الأنفاس، التي كادت تتبدد، ليُصابوا باختناق لا حول ولا قوة لهم أمامه.

 

هكذا فتحت هذه القناة، مشكورة، أبواب الفرج لجانب من جمهور الكرة في تونس، في انتظار الانفراج الكامل بوضع حد نهائي للخلاف القائم بين الاتحاد والتلفزيون قبل انطلاق المرحلة الحاسمة من البطولة، والتي تتناسب مع شهر رمضان. شهر يقضي التونسي خلاله نصف يومه في بيته، وما أحوجه إلى أنيس في تلك الفترة!!!

 

مشكلة ملعب العقربي

بقي إشكال أخير ومهم على علاقة بمباراة مالي المقبلة، إنه إشكال الملعب. فبعد الاطمئنان على تمكين ملعب حمادي العقربي، برادس، من التأهيل لاحتضان المباريات الدولية، فإن ضغط المباريات المتتالية التي تجري فيه أثّر تأثيراً واضحاً على أرضية الميدان، وسيزداد الأمر سوءاً بتواصل استعماله، وقد لا يكون في موعد مباراة مالي في الحالة التي نتمناها.

 

وتزداد الأمور تعقيداً حين ندرك أن لا وقت للصيانة والرعاية. مشكل بلا حل. ومنتخب ينتظره موعد تاريخي وحاسم، في إطار تسيطر عليه الخلافات والمشاكل والصعوبات، بما يجعلنا خائفين على ضياع حلم قطر 2022.

 

اللهم ادفع بأسبابك حتى لا نُحرم من تحقيق هذا الحلم...

للكاتب أيضاً