إحباط الدابة السوداء من أجل مونديال الاستثناء

الخط

الجمعة 24 مارس في باماكو عاصمة مالي والثلاثاء 29 مارس في تونس عاصمة الجمهورية التونسية. في هذين التاريخين سيتحدد مصير المنتخب التونسي في رهان الترشح لمونديال قطر 2022.

 

عشرة أيام فقط تفصلنا عن المواجهة الأولى والتي سيتنقل فيها "نسور قرطاج" إلى مالي دون إجراء معسكر تحضيري، وسيجد المدرب جلال القادري نفسه مكتفياً بتجمع يسبق المباراة ببضعة أيام نتمناها كافية ليُحدد خلالها التشكيل والتكتيك اللذين سيعتمدهما للعودة إلى تونس بنتيجة تفتح أبواب الحلم على مصراعيها، وتمهد لإكمال الإنجاز في مباراة العودة التي تقرر أن تُفتح فيها الأبواب للجماهير دون تحديد للعدد. للتذكير فإن ملعب حمادي العقربي برادس يستوعب ما لا يقل عن 60 ألف متفرج.


القائمة المنتظرة لمنتخب تونس لن تختلف عن تلك التي شاركت مؤخراً في نهائيات أمم إفريقيا، وقد تشهد فقط تعزيزها ببعض اللاعبين الذين تغيبوا عن تلك النهائيات لأسباب صحية.

 

الدابة السوداء
ولئن يمتاز المنتخب التونسي على منافسه من حيث التصنيف العالمي للـ"فيفا" ومن حيث المشاركات في المونديال والنتائج في نهائيات كأس القارة، فإنه كان "الدابة السوداء" التي بددت أحلام "نسور قرطاج" في أكثر من مناسبة رسمية، لعل أهمها مباراة الافتتاح لنهائيات أمم إفريقيا 1994، في تونس بالذات، حيث فاز منتخب مالي المتواضع جداً آنذاك على منتخب تونس القوي وقتها بهدفين لصفر، في مفاجأة ما زال دويها يصم الآذان التونسية إلى اليوم، خاصة وأن تلك النتيجة تسببت في إقصاء تونس منذ الدور الأول، ليكتفي التونسيون بدور المتفرج في دورة تجري في بلادهم بعد أن كانوا مرشحين للتتويج.


وأعاد الماليون الكرّة مع المنتخب التونسي في ربع نهائي أمم إفريقيا للمحليين عام 2016، حين فازوا بهدفين لهدف، رغم أن المنتخب التونسي، وبشهادة الجميع، كان المرشح الأقوى للتتويج بالدورة، لكن ذلك الأمل تبدد أيضاً، مُخلّفاً حسرة على لقب آخر ضاع بسبب مالي.


وجاءت المواجهة الأخيرة بين المنتخبين في نهائيات أمم إفريقيا بالكاميرون، ليحقق الماليون انتصاراً آخر على "نسور قرطاج" أهلهم لتصدر المجموعة ودفع بمنتخب تونس إلى معاناة لانتزاع بطاقة الترشح إلى الدور الثاني.

 

مواجهة مونديالية أولى
هذه المواجهات بقيت راسخة في الأذهان، ومحفوظة في الذاكرة، لأنها مثّلت خيبات أمل مؤثرة، وقد لا يتذكر التونسيون سواها من المواجهات مع هذا المنتخب، رغم أن الإحصاء العام يعطي الأسبقية لمنتخب تونس الذي فاز على مالي في ست مباريات من 12 وانهزم في خمس وتعادل في مباراة واحدة، مسجلاً 13 هدفاً وقابلاً 10. ولم يسبق للمنتخب التونسي أن وجد منتخب مالي في طريقه في الخمس مناسبات التي ترشح فيها إلى المونديال سنوات 1978 و1998 و2002 و2006 و2018، وكانت كل المواجهات التي جمعتهما مندرجة في إطار منافسات أمم إفريقيا أو في إطار ودي. كما أن المنتخب المالي لم يسبق له المراهنة بحظوظ كبيرة من أجل الترشح للمونديال، وهذه هي المرة الأولى التي يجد فيها نفسه على بعد خطوة من عرس الكرة العالمية.


هذه الفرصة التي انتظرها الماليون منذ عقود قد تكون محفزاً إضافياً لهم، وهو ما يزيد من صعوبة المواجهة مع منافس أصبح مسلحاً بمجموعة هامة من اللاعبين المحترفين الناشطين في بطولات وأندية أوروبية لها شأن.

أسلحة فك العقدة
هذه المعطيات لا تعني أن حظوظ منتخب تونس للترشح أقل من حظوظ منافسه. ولعلها تكون الفرصة السانحة لـ"نسور قرطاج" لوضع حد للكوابيس المتكررة كلما وجدوا أنفسهم في مواجهة هذه الدابة السوداء. ولمنتخب تونس عديد نقاط القوة التي يمكنه الارتكاز عليها للخروج غانماً من الموقعة، أولها خبرته بالمنافسة المونديالية التي نجح فيها في خمس مناسبات، وهو رقم لا يتفوق عليه فيه سوى منتخبي الكاميرون، المشارك في سبع مناسبات ومنتخب نيجيريا المشارك في ست مناسبات، ويُعادله فيه منتخب المغرب، في حين شارك منتخب الجزائر في أربع مناسبات ومنتخب مصر في ثلاث مع جنوب إفريقيا وساحل العاج وغانا، ليأتي بعدها منتخب السنغال بمشاركتين، ثم الكونغو الديمقراطية (بمسمى الزائير سنة 1974) ومعه أنغولا وتوغو بمشاركة واحدة.


هذا من الناحية التاريخية والخبرة بالتظاهرة العالمية التي هي مفقودة لدى المنتخب المالي، أما النقطة الثانية التي يمكن للمنتخب التونسي التعويل عليها فتتمثّل في روح المجموعة السائد بين لاعبين جمعهم المدرب السابق المنذر الكبيّر منذ عامين و نصف، ونجح بتشكيل فريق منسجم يعمل بهدوء وبإيمان شديد بالواجب نحو تونس، رغم أن أغلب العناصر تنشط خارج البلاد، وما زال اللاعبون يثنون على هذا المدرب ويعترفون بفضله في بناء منتخب نجح في تحقيق كل الأهداف التي رسمها في العامين الأخيرين، وكان قادراً على أفضل مما خطط له لولا ظروف طارئة وأحكام أرادتها الكرة وأدارت فيها الظهر للـ"نسور".

 

أما النقطة الأخيرة التي يمكن أن تكون مصدر قوة للمنتخب التونسي، فتتمثّل في وجود لاعبين محترفين لهم من رباطة الجأش وقوة الشخصية والقدرة على التأثير ما يؤهلهم لقيادة المجموعة إلى بر الأمان، على غرار  إلياس السخيري ويوسف المساكني وعلي معلول ووهبي الخزري وغيلان الشعلالي، فضلاً عن وجود لاعبين يمتازون بطموحهم ورغبتهم الجامحة في عدم تفويت فرصة المشاركة في المونديال مثل المدافع المتألق منتصر الطالبي ومحمد علي بن رمضان والعيدوني وبن وناس وكشريدة وغيرهم ممن أكدوا علو الكعب والرغبة في فرض الذات والتألق.

 

مصدر القلق الوحيد
وتبقى النقطة الوحيدة التي تسبب مخاوف لدى الرأي العام الرياضي التونسي متعلقة بحراسة المرمى، رغم أن حراس المرمى الثلاثة الذين يُنتظر دعوتهم من قبل المدرب جلال القادري، وهم البشير بن سعيد ابن اتحاد المنستير وعلي الجمل ابن النجم الساحلي وأيمن دحمان ابن النادي الصفاقسي، تنقصهم الخبرة بمثل هذه المعامع وخاصة مباراة الذهاب في مالي التي سبق أن قلنا إن أجواء الملعب خلالها تتحول إلى جحيم. ولئن مرت مشاركة الحارس بن سعيد في أمم إفريقيا الأخيرة بسلام، رغم أنها كانت مشاركته الأولى مع المنتخب، فإنه لم يواجه في المباريات الخمس التي لعبها مواقف ووضعيات صعبة تُمكننا من الحكم عليه، باعتبار أن الدفاع التونسي كان متماسكاً فيها ومتألقاً ولم يقبل المنتخب سوى ثلاثة أهداف، أولها جاء عن طريق ضربة جزاء ضد مالي بالذات. أما الجمل ودحمان، فلم يسبق لهما المشاركة في أي مباراة رسمية مع المنتخب.


موضوع حراسة المرمى يبقى مؤرقاً وشغلاً شاغلاً للمدرب، الذي قد لا نستغرب أن يواجهه بمراجعة تمس الاختيارات المنتظرة التي ذكرناها، والتي يجمع عليها الملاحظون والمحللون. مراجعةٌ قد تأتي بدعوة حارس محنك وخبير بمثل هذه المواجهات على غرار ابن الترجي معز بن شريفية أو ابن النجم الساحلي أيمن البلبولي.


حلم تونسي بظهور في مونديال استثنائي
على إيقاع هذه المواجهة المنتظرة يعيش الشارع الرياضي في تونس، وكل الأمل قائم من أجل لقاء بعد أشهر بمنتخب "النسور" القرطاجية في الدوحة خلال المونديال المقبل حيث سيكون العرس استثنائياً، ملاعب استثنائية، تنظيم استثنائي، أجواء استثنائية، في بلد حقق الاستثناء حين أقدم بشجاعة على الترشح لاستضافة المونديال، ليعلن للعالم كله أن العرب قادرون على الإبداع والإبهار، وإنهم لفاعلون، بفضل هذا الإصرار القطري الفريد على كسب التحدي، والذي شهد بتفرده نجوم وأساطير اللعبة الذين بشروا بأن المونديال المقبل سيكون أفضل مما سبق وأصعب على القادمين من أن يأتوا بمثله.


كل تونسي لا يحلم اليوم إلا بنجاح "نسور قرطاج" في وضع حد لنهاية حكاية الدابة السوداء بالفوز على مالي والترشح إلى مونديال التحدي العربي. لاعبو منتخب تونس وعدوا بذلك. في انتظار أن يتحقق الوعد ليسجلوا حضورهم ومشاركتهم في إنجاز وعد 2022.
 

للكاتب أيضاً