تونس: الوزير ورئيس الاتحاد على طاولة بوتين

الخط

ما زالت الخلافات أو ما يمكن أن نسميه بالحرب الباردة متواصلة بين وزير الشباب والرياضة التونسي كمال دقيش ورئيس الاتحاد التونسي لكرة القدم وديع الجريء.

 

منذ أن عاد كمال دقيش إلى كرسي الوزارة منذ أربعة أشهر خلت، توقّع العديد من الملاحظين أن حبل التواصل بينه وبين رئيس الاتحاد سيكون مقطوعاً، خاصة وأن المتابعين للأحداث يؤكدون أن إقالة الوزير سابقاً من منصبه لعب فيها وديع الجريء دوراً، باعتبار امتداد علاقاته السياسية وخاصة مع رئيس الحكومة السابق. وراج أن الجريء بادر إلى ذلك بسبب العلاقات القوية التي تجمع دقيش برئيس اللجنة الوطنية الأولمبية محرز بو صيان، الذي هو على خلافات عميقة مع الجريء انطلقت منذ سنوات، وتحديداً حين بادر اتحاد كرة القدم في جمعية عامة إلى سحب أحقية اللجنة الوطنية للتحكيم الرياضي، المنضوية تحت لواء اللجنة الوطنية الأولمبية، في إصدار الأحكام الباتة في النزاعات المتعلقة بكرة القدم، والتي صارت موضوعاً يُفصل فيه لدى هيئة التحكيم الدولية.

 

خلافات على أشدّها

منذ ذلك الوقت، أي منذ أكثر من خمس سنوات، والخلافات على أشدها بين اتحاد كرة القدم واللجنة الأولمبية، التي كان كمال دقيش عضواً فيها ومركز لقائه وعلاقته مع بوصيان.

 

كمال دقيش أكّد في حواراته وتصريحاته أنه لا يدير الوزارة بمنطق الخلافات الشخصية، وأن لا خلاف شخصي بينه وبين وديع الجريء، وأن كل ما يستند إليه في قراراته هو القانون الذي يبقى الفيصل في حسم الاختلافات، خاصة وأنه في الأصل أستاذ قانون ومختصّ في القانون الرياضي.

 

هذا الكلام لم يعف الوزير من الاتهام، ولو تلميحاً، بالعمل على تعطيل عجلة الاتحاد، وهو استنتاج تكشفه عديد البلاغات والبيانات التي صدرت عنه، والتي تشير إلى عدم تفاعل الوزارة مع الطلبات المطروحة لدفع  نشاط كرة القدم.

 

وتصاعدت وتيرة الخلاف في شهر نوفمبر، قبل لقاء منتخب تونس مع منتخب زامبيا في التصفيات المؤهلة للمونديال، حين أعلن الاتحاد أن المباراة ستكون دون حضور الجمهور بسبب عدم تفاعل الوزارة مع الاتحاد وتمكينه من الوثيقة التي تطلبها الكونفيدرالية الإفريقية حول كورونا في تونس ومدى تلاؤم الوضع الصحي مع إمكانية وجود جمهور في الملعب.

 

الوزارة ردّت بأنه بإمكان الجمهور الحضور والدخول مجاناً، باعتبار البلاغ الذي أصدرته قبل أسابيع، والذي يُخوّل ذلك، لكن الاتحاد اعتبر هذا غير كاف، وأن الوثيقة المطلوبة ضرورية، وأنه لم يتم ختمها لتُوجّه إلى الكونفيدرالية التي اتخذت قراراً بعدم حضور الجمهور بعد فوات آجال تقديم ما يفيد بأن الوضع الصحي في تونس سليم. وردّت الوزارة بأن ختم هذه الوثيقة ليس من صلاحياتها، بل من صلاحية وزارة الصحة التي كان على اتحاد كرة القدم التوجه إليها والتأكيد على الحصول على تلك الوثيقة، وذكرت الوزارة أنها حرصت كل الحرص على التدخل لتقديم كل التسهيلات المطلوبة لتجري المباراة مع زامبيا في الظروف المشجعة لتمكين المنتخب من الفوز، مستشهدة بتدخّلها لدى المصالح المختصة لتسهيل عملية مرور طاقم تحكيم المباراة، القادم من بوروندي إلى تونس، برغم عدم استظهاره بوثائق التحاليل التي تؤكد سلامته من كورونا، وذلك بطلب من رئيسة اللجنة الطبية للاتحاد التونسي لكرة القدم سعيدة عياش.

 

مرت هذه الأحداث وتخللتها "حرب" بلاغات، وجرت المباراة دون حضور جمهور، وفاز المنتخب، وترشح في المرتبة الأولى لمجموعته لإجراء المباراة الفاصلة المؤهلة للمونديال.

 

وتيرة أخرى من التصعيد

بعدها تحوّل بعدها المنتخب إلى قطر للمشاركة في البطولة العربية، لتشهد العلاقة بين الطرفين وتيرة أخرى من التصعيد.

 

بعد فوز المنتخب التونسي على مصر وترشحه للنهائي، تلقى المدرب المنذر الكبيّر مكالمة هاتفية تشجيعية من رئيس الجمهورية، وهو ما فتح أبواب التساؤل: لماذا المدرب وليس رئيس الاتحاد؟

 

واتصل الوزير برئيس الوفد التونسي في قطر، وعضو الاتحاد، هشام بن عمران، وأبلغه التهاني وكلمات التشجيع، وأعلمه بأنه قادم إلى الدوحة لحضور النهائي. واستغل بن عمران الفرصة ليطلب من الوزير أن يتحدث إلى رئيس الاتحاد، ولم يرفض الوزير ذلك، لكن بن عمران عاد ليُعلمه بأن رئيس الاتحاد ليس بجانبه وأنه سيتصل به لاحقاً، وهو ما اعتبره الوزير تهرّباً حتى لا نقول شيئاً آخر..

 

جاء موعد مباراة النهائي وكان الوزير في الموعد بالدوحة، لكن لم يتم أي اتصال بينه وبين رئيس الاتحاد حتى في المنصة الرسمية، حيث لم تكن تفصلهما إلا بضعة أمتار. وانهزم المنتخب التونسي في النهائي، وعلّق البعض من حاشية الاتحاد بأن حضور الوزير كان طالع نحس على المنتخب!!!

 

عاد المنتخب إلى تونس، ولم تكن تفصلنا سوى أيام معدودات عن موعد السفر إلى الكاميرون للمشاركة في كأس أمم إفريقيا، وقبل السفر استقبلت رئيسة الحكومة لاعبي المنتخب والمدرب وكان رئيس الاتحاد أبرز متغيب عن هذا الاستقبال.

 

هل تغيب أم تم تغييبه؟ سؤال لم تكشف إجابته إلى حد اليوم.

 

الكبيّر ضحية؟

بعدها تم إثارة جدل جديد حول رفض الوزارة الاستجابة لطلب الاتحاد تمكينه من إعفاء جبائي لإخراج كمية من الأثاث الخاص بالمنتخب، قادمة من المستشهر الرسمي، حُجزت في مصالح الديوانة لعدم الخلاص. الوزارة علّلت ذلك بأن مثل هذه الإعفاءات هي غير قانونية، وأنه على الاتحاد دفع ما عليه، والاتحاد أكّد أنه تعود على العمل بهذا الإعفاء وجواب الوزارة كان بأن مثل هذه التجاوزات التي حصلت سابقاً لا مجال لها اليوم.

 

سافر المنتخب إلى الكاميرون، وراج أنه لم يحمل معه التجهيزات الضرورية لمواجهة متطلبات الدورة، وتضاربت المواقف في الإعلام وعلى شبكات التواصل حول هذا الموضوع، الذي، والحق يقال، لم نلاحظ له أثراً خلال وجود المنتخب في دورة أمم إفريقيا.

 

في الكاميرون، وإثر الفوز في مباراة ربع النهائي ضد نيجيريا، تلقى الوفد التونسي مكالمة هاتفية من الوزير قدّم فيها تهانيه وتشجيعاته، وأصدر الاتحاد بلاغاً أكد فيه أن الاتصال قد حصل، واعتقدنا أنها بداية لصفحة جديدة.

 

يوم عودة المنتخب إلى تونس، والذي لم يكن فيه مصحوباً برئيس الاتحاد الذي بقي في الكاميرون، توجّه الوزير إلى المطار وكان في استقبال الوفد، والتقى بالمدرب وشكره والتقط معه صوراً تذكارية يبدو أنها أفاضت الكأس لدى الاتحاد، بحيث صدر بعد هذا الاستقبال خبر إقالة المدرب قبل أن يصل إلى منزله!!!! وعدنا إلى نقطة الصفر...

 

ردّ عنيف.. واتهامات بالفساد

رئيس الاتحاد بقي بعيداً عن تونس لأيام، وهو ما أتاح الفرصة لبث حديث حول هروبه بسبب ملفات عالقة متهم فيها بتجاوزات. تهم ردّ عليها رداً عنيفاً على صفحته الخاصة على فايسبوك، قبل أن يعود إلى تونس مؤخراً ليعقد اجتماعاً عادياً بأعضاء مكتبه حول ترتيبات تواصل البطولة. وكانت النقطة المفاجئة لمحتوى هذا الاجتماع هي توجيه رسالة إلى الوزارة لعقد لقاء حول دعم ترشح تونس لاحتضان بطولة أمم إفريقيا دون 23 عاماً، والتي ستجري آخر عام 2023. نقطة أعادت طرح السؤال مرة أخرى: هل هي بداية صفحة جديدة بين الاتحاد والوزارة؟

 

أية إجابة يمكن أن نجد لهذا السؤال، خاصة بعد أن ردّ الوزير، في لقاء تلفزي منذ أيام، على سؤال حول إن كانت هناك ملفات فساد متعلقة باتحاد كرة القدم وُجّهت إلى القضاء، بالقول إنه توجد فعلاً شبهات فساد، وأن الملفات موجودة في المحكمة، وهي المؤهلة الوحيدة للتأكيد أو التفنيد...

 

إجابة تجعلنا غير آملين في أن يحصل اللقاء المرتقب بين الطرفين المتخالفين: الوزير كمال دقيش ورئيس الاتحاد وديع الجري، وتجعلنا غير آملين في أن يحصل التقارب. وإذا ما فرضت الظروف اجتماعهما، فلن نستبعد أن يجلسا حول طاولة بوتين التي واجه فيها ماكرون، فقط لضرورة التباعد الاجتماعي والاحتياط الصحي في زمن كورونا!!!

للكاتب أيضاً