منتخب تونس بين المشاكل والأقاويل وبطولة جسمها عليل
22/02/2022 - عبد الباقي بن مسعود
الخط
إلى حدود الأسبوع الماضي، عاش الرأي العام الرياضي في تونس على إيقاع مخلفات بطولة أمم إفريقيا، والتي انتهت بالإقصاء من دور الثمانية، وهو ما تم اعتباره نتيجة مخيبة، رغم أنها بلغة الإحصاء والتاريخ والواقع نتيجة لا تفوق نتائج أكثر الدورات السابقة، وبالتحديد منذ سنة 1994، تاريخ عودة منتخب تونس إلى هذه المنافسة، إلى حد اليوم بحيث لم يتجاوز المنتخب التونسي دور الثمانية إلا في أربع مناسبات من 15 دورة، منها واحدة فاز فيها باللقب وكان ذلك في دورة تونس 2004.
وبعد إقالة المدرب الأول المنذر الكبيّر، وتعيين مساعده جلال القادري خلفاً له، والتعاقد مع سليم بن عاشور وعلي بو منيجل لتولي مهمة مساعد، انتظر الشارع الرياضي عودة البطولة المحلية إلى نشاطها العادي والعودة إلى العمل الجدي وتمهيد الطريق للإطار الفني الجديد للمنتخب كي يقف على استعدادات اللاعبين وتحديد الجديرين منهم بالالتحاق بالمنتخب والمشاركة في موقعة مالي، التي ستحسم أمر الفوز بمقعد في مونديال قطر 2022.
تاريخ هذه الموقعة في حد ذاته كان محل أخذ ورد وتردد، حيث أنه تم في البداية إعلان يوم 23 آذار/مارس موعداً لمباراة الذهاب في مالي، ويوم 29 منه موعداً لمباراة الإياب في تونس. لكن بعد الاطمئنان لهذه التواريخ جاءت مراسلة "الفيفا" لتُعلم الاتحاد التونسي بتواريخ جديدة للمقابلتين، وحددت يوم 24 من الشهر عينه موعداً لمباراة الذهاب في مالي، ويوم 27 منه موعداً لمباراة الإياب في تونس. هذا الخبر الذي أكدته المصادر الرسمية يوم 15 شباط/فبراير الماضي، نزل نزول الصاعقة على الجميع، باعتبار أن الفترة الفاصلة بين المباراتين لا تكفي حتى لاستعادة الأنفاس من تعب رحلة السفر خاصة للمنتخب التونسي الذي سيلعب مباراة الإياب بعد رحلة ذهاب وإياب إلى ومن مالي، بينما يخوضها المنتخب المالي بعد رحلة ذهاب فقط إلى تونس من مالي، وهو ما يعطيه أولوية مهمة من حيث الاستعداد البدني، إذا ما عرفنا مدى تأثير الرحلات الجوية على الجاهزية البدنية للاعبين وضرورة الخضوع لتمارين خاصة لتفادي تأثيرها.
الاتحاد التونسي لكرة القدم تحرك في الإبان، على أمل التوصل إلى حل مع "الفيفا"، وبعد ثلاثة أيام جاء الخبر السعيد بتحديد موعدين جديدين للمواجهتين، وبناءً عليه، تم تحديد يوم 25 آذار/مارس موعداً لمباراة الذهاب في مالي، ويوم 29 منه موعداً لمباراة الإياب في تونس. أي أنه تم إضافة يوم للفترة الفاصلة بين المباراتين، وهو قدر زمني مهم جداً لاستعادة الأنفاس، حسب تأكيدات المختصين في الطب الرياضي والإعداد البدني.
خلال هذه الأيام العصيبة من الأخذ والرد والانتظار، كان من المفروض أن تكون منافسات البطولة المحلية قد عادت منذ يوم 11 شباط/فبراير، لكن ذلك لم يحصل بحيث تعطلت العودة ولم تتم إلا يوم 19 من الشهر عينه، أي بتأخير ثمانية أيام مهمة كان يمكن خلالها إجراء جولتين يستعيد بهما اللاعبون النسق ويعودون إلى أجواء الميادين، وهو أمر كان مدرب المنتخب الجديد يتطلع إليه بكل شغف لكن.. هيهات.. ما الذي حصل؟
مباشرة بعد عودة المنتخب من مشاركته في بطولة أمم إفريقيا، في الكاميرون، اجتمع رؤساء الأندية الـ16 الذين يشاركون في البطولة الأولى لتدارس الأوضاع المالية المتأزمة لأنديتهم، وانتهوا إلى قرار بالإضراب عن النشاط، ما لم تتدخل وزارة الشباب والرياضة لتمكنهم من المنح، ولتجد لهم حلاً مع صندوق التأمين الذي بلغت قيمة ديون الأندية لفائدته مبلغاً قديماً يُقدر بحوالي 14 مليون دولار مرشحاً ليتضاعف باحتساب ديون الفترة الموالية لتحديد الرقم المذكور.
رؤساء الأندية وجدوا المساندة من قبل الاتحاد التونسي لكرة القدم، الذي أعلن عن تأجيل موعد عودة البطولة، في انتظار الانتهاء إلى حل يُقنع كل الأطراف، وتم تأجيل البت في الملف، وعادت البطولة، لكن المشاكل المطروحة لم تجد طريقاً إلى حل، وصار الوضع مرشحاً إلى مزيد من التعقيدات. وتزداد الأمور تعقيداً إذا أضفنا لهذا ملف الخلاف بين الاتحاد ومؤسسة التلفزة الوطنية بسبب حقوق البث، وبسبب هذا الخلاف عادت البطولة دون نقل أي مباراة من مبارياتها تلفزيونياً، وخابت آمال المواطن المولع بكرة القدم، والذي اعتقد أن الأمر سيُفرج، بعد أن انقضت مباريات سبع جولات سابقة، ومن قبل البطولة العربية في قطر، دون نقل تلفزيوني.
سبب الخلاف بين الطرفين مالي أيضاً، فالاتحاد يطالب باستخلاص ما تبقى من مستحقات الموسم الماضي قبل السماح للتلفزة بنقل المباريات، وإدارة التلفزة تطالب بمراجعة المعاليم الخاصة بنقل مباريات الموسم الماضي والموسم الحالي قبل دفع أي مليم.. وبين هذا وذاك، تستمر نكبة المواطن المولع بكرة القدم بسبب حرمانه من مواكبة بطولة بلاده.
وحتى القرار الذي بشّرت به وزارة الشباب والرياضة يوم 16شباط/فبراير، القاضي بالسماح بعودة الجمهور إلى المدرجات بعد أن كان ممنوعاً من ذلك بسبب كورونا، لم يكن كافياً لبث الفرحة في النفوس، باعتبار أن نسبة الحضور محددة وطاقة استيعاب المدرجات في ملاعب البطولة محددة والجمهور المتطلع لمواكبة المباريات يعد بعشرات أضعاف العدد المسموح له بالحضور في مدرجات الملاعب.
"مأساة" يبدو أنها لن تفرج في القريب العاجل، خاصة أن لغة الحوار والاتفاق تكاد تكون منعدمة بين مختلف الأطراف المعنية بهذه الملفات، ليبقى المواطن الضحية متابعاً مشدوهاً لما يحدث ومتوجعاً لما يحصل من اعتداء على حقه في مواكبة كرة بلاده، دون أن يكون له ناقة أو جمل في ما يجري من خلافات.
يحصل كل هذا والأندية الممثلة لتونس في المسابقة القارية تعاني من مأساة أخرى لم يتحرك أي طرف لإيجاد حل لها.
الترجي الرياضي التونسي والنجم الرياضي الساحلي يشاركان في مسابقة رابطة الأبطال الإفريقية، والنادي الرياضي الصفاقسي يشارك في مسابقة كأس الاتحاد الإفريقي، ولا يوجد الآن في تونس سوى ملعب واحد معتمد من قبل الكونفيدرالية الإفريقية لاحتضان مباريات مسابقاتها وهو الملعب الأولمبي حمادي العربي في رادس. هذا الوضع يُحتّم على النجم الساحلي استقبال منافسيه الأفارقة في ملعب رادس الذي يبعد مسافة ساعة ونصف عن مدينة سوسة، بما يمثل مشقة للجماهير وغربة للاعبين الذين يستقبلون منافسيهم خارج ملعبهم المتعودين عليه.
الأمر عينه يعيشه النادي الصفاقسي الذي يقطع مسافة ثلاث ساعات مع جماهيره للوصول إلى رادس، قادماً من مدينة صفاقس، ليستقبل منافسيه بعيداً عن ملعبه. وملعب رادس تجري على ميدانه ثلاث مباريات في ثلاثة أيام متتالية!
نعم، هذا هو الوضع في تونس اليوم، فالملاعب مهترئة، والبطولة تتعطل، والهياكل المسؤولة متضاربة في مواقفها، والمنتخب الوطني مقدم على مباراة العمر بعد بضعة أسابيع.. ففي أي أجواء سيستعد؟
الأمر لم يكن واقفاً عند هذا الحد، فقد كانت الأيادي على القلوب خوفاً من ألا توافق "الفيفا" على اعتماد ملعب رادس لإجراء مباراة الإياب ضد مالي، وراج حديث حول إمكانية التنسيق مع الاتحاد القطري لكرة القدم للاتفاق معه على احتضان هذه المباراة في قطر، خاصة أن المنتخب التونسي سيجد هناك جمهوراً غفيراً قدّم لوحات تشجيع رائعة خلال البطولة العربية، لكن وزارة الشباب والرياضة أعلنت يوم 18 شباط/فبراير عن جاهزية ملعب رادس وتوفر المواصفات المعتمدة من "الفيفا" في هذا الملعب بما يؤهله لاحتضان مباريات الترشح للمونديال، ما يعني أن مباراة الإياب بين تونس ومالي ستجري بملعب رادس، على أمل أن يتم فيها الاحتفال بالترشح إلى مونديال الحلم في قطر، وتكون صفحة جديدة بيضاء لعهد جديد للكرة التونسية تتجاوز فيها كل العوائق والمشاكل الموجودة والتي تكاد تُفقدها شرف ما حققته من إنجازات سابقة خطتها بأحرف ذهب في سجل الرياضة التونسية خاصة والعربية عامة.