15/12/2022 - عبد الباقي بن مسعود
مونديال قطر كان استثنائياً
الخط
أتساءل أحياناً وشمس مونديال قطر تتأهب للغياب، وبعد أن عشنا للمرة الأولى في التاريخ مونديالاً يجمع المشاركين جميعم في مكان تتقارب فيه المسافات... بعد أن عشنا مونديالاً يمكنك فيه أن تشاهد أربع مقابلات في أربعة استادات مختلفة في يوم واحد... بعد أن عشنا مونديالاً تحتضن مبارياته ملاعب هي عبارة عن متاحف في بنائها وفي جمالها وفي روعة هندستها وفي الخدمات المتوافرة فيها، والتي فاقت ماهو موجود في أعرق بلدان كرة القدم...
بعد أن عشنا مونديالاً حوّل الدوحة كلها إلى مسرح مهرجان دائم على امتداد أيام المنافسة حتى صارت الشوارع والفضاءات كلها تنبض بحياة وحركية ليس لهما مثيل، وعّمت فيها الإحتفالات فغمرت هذه الجحافل التي جاءت من كل أنحاء العالم لتنعم بالسياحة والترفيه والأنشطة المتنوّعة فضلاً عن كرة القدم، في جو تميّزبالأبعاد الإنسانية السامية التي جسّدها ترحاب العربي بالضيف وتعامل أخوي شمل الجميع على رغم اختلافاتهم الإنتمائية والثقافية والدينية، حتى رأينا كيف أن جماهير المنتخبات المختلفة تتوحّد لتناصر وتشجع شيئاً واحداً، هو كرة القدم...
بعد أن عشنا مونديالاً أجمع الخبراء على أنه الأفضل على مستوى الأداء الذي قدّمته الفرق المتنافسة على الميدان، بسبب أن موعده تناسب للمرة الأولى في التاريخ مع الوقت الذي يكون فيه اللاعب في قمة العطاء... بعد أن عشنا مونديالاً ذكّت رائحته مفاجآت في بعض النتائج فإذا بالمنافسة تتحوّل إلى ألذّ الأطباق الفائحة بأطيب البهارات... بعد أن عشنا مونديالاً اصطدمت فيه التوقعات المنتظرة بما لم يكن متوقعاً ليزداد التشويق ويتضاعف التعلّق بمتابعة باقي التفاصيل بأدقّ جزئياتها ... بعد أن عشنا مونديالاً رأيناه في الأحلام وكنا نعتقد أن تحقيقه سيكون من سابع المستحيلات ليتّضح للجميع أن قطر لم تكن تعترف بالمستحيل... أتساءل في حيرة: بأية حال ستعود لنا أيها المونديال؟
مونديال قطر لمّ الشمل... والمونديال القادم سيفرّقه إلى ثلاثة إرب متناثرة... شيء في أميركا وشيء في كندا وشيء في المكسيك... لن نرى جماهير المنتخبات كلها تلتقي في فضاء واحد يجمع شملها مثلما حصل في الدوحة... لن يحصل ذاك التقارب والتلاقي اللذان هما من الأهداف السامية للرياضة... لن نفوز بفرصة مواكبة أكثر من مباراة في يوم واحد... ولا أرى أننا سنجد تلك الخدمات التي وفّرتها قطر لزائريها خصوصاً في ما يتعلّق بالنقل الذي كان دائماً الشغل الشاغل للجماهير المواكبة للمونديالات السابقة.
أشعر أن المونديال سيفقد نكهته الطيبة التي أضفتها عليه نسخة قطر الفريدة المتفرّدة ... بل إنني أسلّم من الآن بأن المونديال وبداية من نسخته المقبلة سيكون بلا طعم ولا رائحة، سيكون متعباً كئيباً ... ولا نعتقد أنه سيقدر على جمع جماهيره في إطار الترحاب والحفاوة والخدمات الميسّرة التي توافرت تنفيذاً لوعد 2022.
هذه الهواجس كلها جعلتني أتمنّى أن يتواصل المونديال في الدوحة إلى ما لا نهاية ... أمنية أجاهر بها بهامة مرفوعة بعد أن أهدت قطر للعربهذا الإنجاز الذي يحاكي الإعجاز، وبعد أن اعترف القاصي والداني بأن مونديال 2022 حقق للعرب جميعاً ما يمكن أن يدعم ثقتهم بأنفسهم ليحصلوا على مكانة تفرض احترام باقي العالم وإجلاله... وازداد التألق والفخر والإعتزاز للعرب بما حقّقه المنتخب المغربي على الميدان حين أخضع الجبابرة ملوّحاً براية كتب عليها: "العرب قادمون "...
ولعلّ أمنيتي هذه هي ذاتها أمنية كل من عاش في قطر في الفترة بين 18 تشرين الثاني/نوفمبر و18 كانون الأول/ ديسمبر... هنا في الدوحة أرض تلاقي الحضارات ورمز الإنجاز والإتقان وعنوان التحدّي والنجاح... هنا في قطر وُلد المونديال من جديد بطلعته البهية الجميلة التي لن توازيها طلعة أخرى على امتداد أجيال قادمة... هذا كلام أقوله الآن... ليست نبوءة... بل حقيقة تؤكّدها المؤشرات كلها المطروحة أمامنا والتي "تبشّرنا" بأن القادم لن يكون في روعة هذه اللوحة الجميلة التي أبدعتها قطر، والتي ستُحفظ في ذاكرة الإنسانية أنموذجاً يفرض الإحتذاء... موعدنا إن شاء الله سنة 2026 لنحاسب على هذا الكلام...