هل يُحرم منتخب تونس من مونديال قطر؟

هل يدفع المنتخب التونسي ثمن الخلاف بين الجريء ودقيش؟

الخط

السؤال الوارد في العنوان طُرح في الأيام الأخيرة في الصحافة الأجنبية وتناقلته الصحافة المحلية في تونس. مجلة "أونز" الفرنسية، وفي إطار متابعتها لأخبار المنتخبات المنافسة لمنتخب فرنسا في مونديال قطر 2022، نقلت هذه الفرضية عن موقع "سبور نيوز أفريكا"، الذي أشار إلى أن الفرضية أصبحت مطروحة بشدة بسبب تهديد وزارة الشباب والرياضة بحلّ مكتب الاتحاد التونسي لكرة القدم، المسمى بـ"الجامعة التونسية لكرة القدم". وحتى نفهم المشكلة من جذورها، لا بُدّ لنا أن نعود إلى البداية لسرد أهم محطات توتر العلاقة بين الطرفين.

 

تهديدات وإصرار
منذ تولى وديع الجريء رئاسة الجامعة التونسية لكرة القدم، في مارس 2012، تسلّح بالمادتين 13 و17 من القانون الأساسي للاتحاد الدولي لكرة القدم، الذي ينصّ على ضرورة تمتُع الاتحادات المحلية وأعضائها بالاستقلالية، ورفض أي تدخل من أي طرف في شؤونها. هذا الموقف جعل عدم الاتفاق بين الجريء وبعض الوزراء، الذين تناوبوا على المهمة، يتطوّر إلى صدام وأحياناً إلى معارك بيانات وبلاغات وحتى مواجهات على أمواج الإذاعات وشاشات التلفزة قدمت مشهداً يُصرّ فيه رئيس الجامعة على موقفه ويلجأ فيه الوزراء إلى التهديد.


وقد وجّه الوزير السابق طارق ذياب، عام 2013، رسالة إلى "الفيفا" لكسب مساندتها بقرار حل المكتب الجامعي بتهمة ارتكابه تجاوزات مالية وإدارية، لكن جواب "الفيفا" كان بإرسال مكتوب إلى المكتب الجامعي، يُحذّر فيه من مغبة ترك المجال للوزارة بالتدخل، وهذا المكتوب كان بمثابة صفعة للوزير، وبمثابة الفيتامين الذي دعم قوة الجريء في المواجهة. وتكرر السيناريو مع الوزيرة ماجدولين الشارني، التي تولّت المهمة عام 2016، والتي انطلقت علاقتها بالجامعة التونسية لكرة القدم بالودّ، لتنتهي بصدام بعد أن لجأت هي أيضاً إلى "الفيفا"، في محاولة لحلّ المكتب الجامعي، لكنها اصطدمت بنفس الصدمة التي لقيها سلفها ذياب، والتي زادت رئيس الجامعة قوة، بل إن الأمر انتهى بعزل هذه الوزيرة وتعويضها بالسيدة سنية بالشيخ، وكان رئيس الحكومة وقتها يوسف الشاهد في صف صديقه الذي يثق به، ونعني الجريء.

 

المواجهة مع كمال دقيش
الوزير الحالي للشباب والرياضة، كمال دقيش، هو رجل قانون ورياضي وعضو سابق باللجنة الوطنية الأولمبية وصديق مقرب من رئيسها محرز بوصيان، الذي يقال إنه كان وراء اقتراحه على رئيس الحكومة السابق هشام المشيشي. هذا الاقتراح لم يكن مرحباً به من طرف الجريء، باعتبار علاقته المتأزمة مع رئيس اللجنة الوطنية الأولمبية، لذلك، ومنذ الانطلاق، لم تكن الأمور على القدر المطلوب من الانسجام بين رئيس الجامعة والوزير الجديد، الذي عُزل بعد بضعة أشهر وقال بوضوح في حوارات عديدة إن سوء علاقته بالجريء كانت وراء عزله من منصبه وتعويضه وقتياً بكاتبة الدولة للوزارة، وهي من أقرب أصدقاء الجريء. ولعل أكبر صدام حصل بين دقيش والجريء في تلك الفترة، كان بسبب قرار اتخذه المكتب الجامعي بإنزال فريق هلال الشابة إلى القسم الثاني لأسباب برّرها أنها إدارية تم فيها تجاوز القانون. هذا القرار أشعل مدينة الشابة التي خرج أهاليها للاحتجاج، الذي بلغ حد العنف، ما دفع الوزير إلى طرح الأمر على البرلمان، موضحاً أن قرار المكتب الجامعي غير قانوني وأنه، أكثر من ذلك، يُهدّد السلم الاجتماعي. وردت "الفيفا" الفعل حين علمت بتحركات الوزير، محذرة من تدخُّل الوزارة، وسجل الجريء نقطة جديدة لمصلحته، لكنه خسرها بعد أشهر حين كسب فريق هلال الشابة المعركة قضائياً، بعد أن حكمت محكمة التحكيم الرياضي الدولية لمصلحته، وأنصفته بالعودة إلى قسم النخبة بعد أن قضى موسماً دون نشاط.


ابتعاد دقيش عن الوزارة لم يدم طويلاً، حيث عاد إثر تطورات 25 يونيو 2021 التي شهدتها تونس، وكان على الجريء أن يستعدّ لجولة جديدة من المواجهات التي بدأت حين صرّح الوزير، في حوار تلفزيوني، مُتوجّهاً بكلامه إلى الجريء، قائلاً: "لقد انتهت فترة الاستراحة"، ثم ظهر مرة أخرى، في لقاء آخر، ليؤكد أن هناك ملفات لتجاوزات تُدين المكتب الجامعي أحيلت إلى القضاء. وبان جلياً أن الخلاف يتصاعد خلال البطولة العربية الأخيرة في الدوحة، وشاهد الجميع كيف أن الوزير ورئيس الجامعة تجاهلا بعضهما البعض في المنصة الشرفية الرسمية يوم النهائي، ولم يتبادلا السلام، كما أن الوزير لم يزُر وقتها وفد المنتخب في مقر إقامته بقطر، واكتفى بمهاتفة المدرب وأحد المسؤولين.

 

هدوء ما بعد العاصفة
جاء اللقاء المهم المُرشِّح لنهائيات مونديال قطر آخر شهر مارس الماضي، لتشهد العلاقة بين الوزارة والجامعة تطورات أنبأت بعاصفة قد تنتهي بخيبة للجميع، حيث اشتعلت حرب بلاغات جديدة، تمّ فيها تبادل التهم بالتقصير في موضوع السماح للجمهور بحضور مباراة الإياب ورفع الحظر عنها بسبب كورونا. الجامعة اتهمت الوزارة بعدم التعاون لإعداد الملف الواجب إرساله إلى الاتحاد الأفريقي لكرة القدم كي يسمح بحضور الجمهور، وهو ملف كان يُفترض أن يكون مُدعّماً ببيانات من وزارة الصحة، ووزارة الرياضة اعتبرت أنها قامت بواجبها حين أبلغت رسمياً قبل ذلك بأسابيع أنه صار مسموحاً للجمهور بدخول الملاعب بعد تحسن الوضع الصحي في البلاد، وأن أي إجراء أو ملف آخر في هذا الموضوع هو من مسؤوليات الجامعة، وهي التي تعمدت التلكؤ في إعداده.


من حسن حظ الجميع أن المباراة انتهت بتأهل المنتخب التونسي، وكانت الفرحة عارمة، وشاهدنا بعدها العناق وتبادل التهاني بين دقيش والجريء وبوصيان. وتمنى الجميع أن تكون تلك اللقطة إعلاناً للهدوء النهائي بعد جملة العواصف الساحقة التي هبّت على علاقة هذه الأطراف بعضها ببعض. وفعلاً، هدأت الأمور أسابيع منذ ذلك الوقت، لكنها عادت لتستعر مرة أخرى، وعاد الوضع إلى نقطة الصفر.

 


عودة إلى التهديد
نعود إلى النقطة التي بدأنا بها المقال، باحثين عن جواب للسؤال: هل يُحرم منتخب تونس من مونديال قطر؟


الإجابة تفرض علينا سرد أسباب طرح السؤال، والأحداث الأخيرة كفيلة بالتوضيح.


انتهت في الأسبوع قبل الماضي منافسات تفادي الهبوط إلى الدرجة الثانية، والتي شارك فيها فرق الأولمبي الباجي وأمل حمام سوسة ونجم المتلوي وترجي جرجيس. هذه المنافسات انتهت بنتائج تُبقي الفريقين الأول والثاني في قسم النخبة، مقابل هبوط الفريقين الآخرين إلى الدرجة الثانية.


الجولة الأخيرة من المنافسات شهدت وجود لقطات مشبوهة، تُوحي بأن هناك تلاعب بالنتائج، وأحيل الملف إلى لجنة الأخلاقيات، التي أحالته بدورها، بعد درسه، إلى لجنة التأديب، التي قضت، يوم الجمعة قبل الماضي، بإجراء مباراة تعويضية بين أمل حمام سوسة ونجم المتلوي لتحديد من سيبقى رفقة الأولمبي الباجي في قسم النخبة، ومن سينزل مع ترجي جرجيس إلى الدرجة الثانية. هذا القرار رفضته واحتجّت عليه كل الأندية، باستثناء الأولمبي الباجي الذي ضمن به بقاءه في النخبة.


اتّجهت الأندية المُحتجّة إلى الوزارة طالبة إنصافها، واستقبلها الوزير وأنصت وتابع ودرس الملفات ومستندات القرار المتخذ، قبل أن يأذن بعقد ندوة صحافية، التأمت يوم الخميس الماضي، خرج فيها الناطق الرسمي باسم وزارة الشباب والرياضة، شكري بن حمدة، بتصريح قال فيه إن القرارات المُتّخذة معدومة، ولا تنتج عن أي أثر قانوني، مضيفاً أن الوزارة راسلت الجامعة لتكون على بيّنة، وستتخذ القرار المناسب، بعد أن مثّلت هذه القرارات غير القانونية تهديداً للسلم الاجتماعي، باعتبار الاحتجاجات التي قام بها أهالي المناطق التي تنتمي إليها الأندية المعنية، بما اعتُبروه ظلماً. ولمّح بن حمدة إلى أن الوزارة قد تجد نفسها ملزمة بتطبيق المادة 21 إن لزم الأمر.

 

هل تفعلها الوزارة؟
الجملة الأخيرة أعلاه هي التي أشعلت الخلاف مرة أخرى، وحتى نفهم السبب، إليكم نص المادة 21 من القانون الأساسي عدد 11 المؤرخ في 6 فبراير 1995: "يُمكن للوزير المُكلّف بالرياضة وضع حد لنشاط عضو أو أكثر من المكتب الجامعي، أو جميع أعضاء المكتب الجامعي، بقرار مُعلّل في حالات التقصير أو سوء التصرف. وعند وضع حد لنشاط نصف أعضاء المكتب الجامعي على الأقل، يُعيّن الوزير المُكلّف بالرياضة مكتباً وقتياً يكون من بين مهامه دعوة الجلسة العامة للانعقاد في أجل لا يتجاوز ثلاثة أشهر من تاريخ القرار".


هذا يعني أن إشارة الناطق الرسمي للوزارة، تُوحي بإمكانية حل المكتب الجامعي! وإذا ما أقدمت الوزارة على هذا فعلاً، فإن المآل سيكون حتماً تجميد مشاركات المنتخبات والأندية التونسي في كل التظاهرات الإقليمية والقارية والدولية، لأن الاتحاد الدولي لكرة القدم لا يعترف بهذا القانون غير المحين، والذي كان من المفروض تنقيحه في تونس منذ سنوات حتى يتلاءم مع اللوائح التي تعتمدها "الفيفا"، والتي لا تعترف إلا بالعقوبات الصادرة عن القضاء الرياضي المنضوي تحت لواء الاتحادات، سواء محلية أو قارية أو دولية. وبهذا، إذا ما لجأ الوزير فعلاً إلى المادة 21، فإنه قطعاً سيجد نفسه مهزوماً بالمادتين 13 و17 للاتحاد الدولي، وهو يُدرك محتواهما وعواقبهما جيداً باعتبار أنه رجل قانون بالأساس.


هذه قناعتنا التي تجعلنا متفائلين بحضور تونس في مونديال قطر 2022، لكنها لا تمنعنا من التساؤل: من سرّب هذا الخبر إلى وسيلة إعلام أجنبية؟ وما مصلحته من ذلك؟ ولماذا هلّلت وسائل الإعلام في مالي به وأصبحت تتحدث عن تعويض منتخبها للمنتخب التونسي في المونديال؟ كُلّها أسئلة تبحث عن إجابة، لاسيّما أن الناطق الرسمي للوزارة لم يُشِر إلى اتخاذ أي قرار قبل المونديال. لكن هل يتجرأ الوزير ويرمي بكل المآلات عرض الحائط؟


شخصياً، لا أعتقد، الوزير يعرف جيداً ما فعلته "الفيفا" في السنوات الأخيرة مع اتحادات الكويت (في 2007 و2015) وأثيوبيا (2010) وتشاد وباكستان (2021) وزمبابوي وكينيا (2022)، وكيف أنها لم تتردد لحظة في اتخاذ عقوبات التجميد ضدهم بسبب عدم ضمان الاستقلالية.


 

للكاتب أيضاً