اليوم لقاء البرازيل.. وخلافات على طاولة التحليل والتأويل
27/09/2022 - عبد الباقي بن مسعود
يتطلّع الجمهور التونسي إلى رؤية لاعبيه يستبسلون من أجل رسم صورة جميلة في مواجهة استثنائية وتاريخية
الخط
بعد 49 عاماً من الانتظار، يتجدد اليوم لقاء المنتخب التونسي بالمنتخب البرازيلي، في ملعب حديقة الأمراء بعاصمة الأنوار باريس. لقاءٌ يختلف عن سابقه. ففي عام 1973، كان المنتخب البرازيلي متأهلاً لنهائيات مونديال ألمانيا 1974، واختار أن يواجه منتخب تونس باعتبار أنه منتخب إفريقي، وهو الذي سيواجه في المونديال المذكور منتخب زائير (الكونغو الديمقراطية اليوم) الذي وضعته القرعة معه في المجموعة الثانية آنذاك، في حين كان المنتخب التونسي غير معني بهذا الرهان. أما هذه المرة، فإن كليهما متأهل لنهائيات كأس العالم 2022، وبالتالي فإن طابع المباراة سيتحوّل بالنسبة للمنتخب التونسي من الاستعراضي إلى الجدي. بل إن البعض بلغ حد اعتبار هذه المباراة هي أولى مباريات المونديال بالنسبة لمنتخب تونس، لأن نتيجتها، مهما آلت إليه، ستكون ذات تأثير، خاصة من الناحية المعنوية. فإما أن تكون نتيجة ترفع درجة الثقة بالنفس قبل خوض معمعة قطر، أو إنها ستكون نتيجة تنزل بالمعنويات إلى الحضيض، قبل خوض مغامرة أهم مونديال في تاريخ كرة القدم العربية بأكملها.
ولعل هذا الحساب هو الذي دفع بالناخب الوطني، جلال القادري، والمكتب التنفيذي للاتحاد التونسي لكرة القدم، للبحث عن إجراء مباراة تسبق مباراة البرازيل لتكون بمثابة المباراة الإعدادية لها. وهذه المباراة تمت يوم الثلاثاء الماضي، وفاز فيها المنتخب التونسي على منتخب جزر القمر بهدف نظيف، في ملعب "أومنيسبور كرواسي" بأحد ضواحي باريس، وهو ملعب مخصص للتمارين، ولم تُنقل تلفزياً، بما جعل الجميع يشعر بأنها كانت مباراة تطبيقية أو تمرينية أكثر منها مباراة دولية ودية.
مسألة غياب النقل التلفزي لمباراة جزر القمر، فتح مجدداً جدلاً كبيراً وتأويلات كثيرة، وأعطت إشارة انطلاق "حرب" جديدة من التصريحات والتصريحات المضادة، ومن البيانات والبيانات المضادة بين المكتب التنفيذي لاتحاد كرة القدم وإدارة التلفزة الرسمية. كما أن البعض من المحللين اعتبروا أن عدم نقل المباراة، وأن إجراءها في ملعب مخصص للتمارين ودون حضور جمهور، هو فضيحة مسيئة جداً للمنتخب التونسي ولسمعة كرة القدم التونسية، التي تُسجّل حضورها في المونديال للمرة السادسة، وهو رقم لم تحققه حتى بعض المنتخبات الأوروبية العريقة.
اقرأ أيضاً: مسابقة تتيح للفائز حضور جميع مباريات مونديال قطر 2022
وظهر رئيس الاتحاد التونسي لكرة القدم، وديع الجريء، في حوار على قناة "فرانس 24"، ليتهم القناة الرسمية التونسية بالتقصير والتخلي عن واجبها الوطني في تغطية نشاط المنتخب، في حين أن إدارة التلفزة أوضحت أنها بادرت بمراسلة الاتحاد لإبرام اتفاق معه لنقل المباراة لكنها لم تتلق إجابة، وأكدت أن الأمر تكرر في ما يتعلق بنقل مباراة اليوم ضد البرازيل، لنعلم بعدها أن الشركة الحائزة على حقوق بث هذه المباراة قد باعتها لقنوات بي إن سبورتس.
وبين اتهامات هذا وتبريرات ذاك، بقي جمهور المنتخب التونسي لكرة القدم تائهاً لا يعرف له مسلكاً واضحاً يُمكّنه من مواكبة نشاط منتخب بلاده، وهو الذي يتشوّق لذلك وينتظر بشغف مواعيد عودته للنشاط وخوض المباريات، سواء كانت رسمية أو ودية. مما فتح المجال واسعاً لتأويلات عادت بالذاكرة إلى ملف حقوق بث مباريات الدوري التونسي، التي حصل فيها خلاف بين الطرفين، كانت نتيجته قضاء الموسم الماضي دون بث تلفزي لمنافسات البطولة، وقبلها حرمان جمهور المنتخب التونسي من مشاهدة مباريات تصفيات التأهل للمونديال على القناة الرسمية، باستثناء المباراة الأخيرة ضد منتخب مالي. وفي إطار هذه التأويلات، يرى البعض أن الاتحاد التونسي لكرة القدم اختار انتهاج مسلك تصعيدي مع إدارة التلفزة، ليجعلها في مواجهة مباشرة مع المواطن التونسي الذي يطالب بحقه في المعلومة، صورة وصوتاً ونصاً، حول كل ما يخص شؤون البلاد بما في ذلك الشأن الرياضي، وهذا المنهج يستهدف فيه اتحاد كرة القدم المديرة العامة للتلفزة الوطنية، التي كانت خلف قرار إيقاف التعاقد القديم الذي وُقّع قبل توليها مهمة قيادة إدارة التلفزة، وكان يربط مؤسستها باتحاد كرة القدم، بحجة أن هذا التعاقد لا يخضع للأعراف القانونية المُتَعَامل بها في إبرام العقود، وبحجة أن العقد المُوقّع يُصنّف في خانة عقود الإذعان، التي تضع مؤسسة التلفزة وحدها تحت طائلة الشروط، وتجعل من الاتحاد مصدراً للأوامر ومستفيداً وحده من المحاصيل.
جمهور المنتخب الذي ملّ من متابعة أطوار هذه النزاعات، يتطلّع اليوم إلى ما هو أهم: رؤية المساكني والفرجاني ساسي ومنتصر الطالبي والبقية يستبسلون من أجل رسم صورة جميلة للمنتخب التونسي في مواجهة استثنائية وتاريخية، ربما لن تتكرر إلا بعد انتظار آخر قد يطول ويطول، والأمل يحدو الجميع في أن يكون الأداء في مستوى الحدث، والنتيجة حافظة للشرف، ولِمَ لا تكون المفاجأة؟
هكذا هم التونسيون، الأمل ساكن في كيانهم، يعيشون به حتى وإن كان مجرد بصيص..