في العش نسرٌ جديد.. وآراء بين الرفض والتأييد

يحمل رامي كعيّب الجنسية السويدية إلى جانب اللبنانية والتونسية

الخط


كنا قد تحدثنا سابقاً عن مواصلة الاتحاد التونسي لكرة القدم جهد البحث عن لاعبين يحملون الجنسية التونسية، وينشطون في بطولات أوروبية، من أجل استقطابهم والاستفادة من خبرتهم لتدعيم المنتخب، وهو يستعد لمونديال قطر 2022. وكنا قد أشرنا أيضاً إلى أن الآراء والمواقف تباينت حول هذا التوجُّه، بين مؤيد للفكرة، ومعترض يرفع شعار "لا" لكل من رفض المنتخب سابقاً، وصار اليوم يبحث عن مكان فيه بعد أن ترشّح للمونديال.


أعلن الاتحاد التونسي وسط الأسبوع الماضي أنه "نجح" في توقيع وثائق الاتفاق مع لاعب هيرنفين الهولندي، صاحب المركز الثامن بالدوري هذا الموسم، رامي كعيّب، من أجل الانضمام إلى المنتخب التونسي، أو إلى عش "نسور قرطاج"، بعد مفاوضات مع رئيس الاتحاد، وديع الجريء، الذي بدا سعيداً من خلال الصورة التي التقطها مع هذا اللاعب بعد الاتفاق.

 

رامي كعيّب هو شاب من أب تونسي وأم لبنانية، ولد ونشأ في السويد ويحمل الجنسية السويدية، إلى جانب جنسيتي والديه. تدرّج في كرة القدم بالسويد، وبرز مع فريق إيلفسبورغ، الذي انتقل منه في عام 2021 إلى هيرنفين الهولندي مقابل 400 ألف يورو، وارتفعت قيمته السوقية بعد عامه في البطولة الهولندية إلى 650 ألف يورو. وقد سبق لكعيّب، الذي يشغل مركز الظهير الأيسر، أن انضم إلى منتخب السويد دون 20 عاماً. كما اعتذر في عام 2018 عن الانضمام إلى المنتخب التونسي، باعتبار أنه كان يحمل آمالاً للانضمام إلى المنتخب السويدي الأول وهو ما لم يحصل، ولو حصل، لما كان ممكناً انضمامه اليوم إلى منتخب تونس. ومن هنا، يبدأ الجدل حول مسألة "إهدائه" فرصة المشاركة في المونديال.


الرأي الأول يقول إن جلب هذا اللاعب يعتبر أمراً إيجابياً، خاصة وأن المنتخب يحتاج إلى ظهير أيسر أمام تعدد إصابات علي معلول، والوجه غير المقنع الذي قدمه معوضاه أسامة الحدادي وعلي العابدي، حين نالا فرصة تعويضه خلال أمم إفريقيا الأخيرة في الكاميرون. كما أن أصحاب هذا الرأي يعتقدون أن العثور على ظهير أيسر محنّك في هذا الظرف بالذات، أصبح ضرورة، خاصة وأن "النسور" يلعبون في 2 يونيو مباراة رسمية ضد غينيا الاستوائية، ضمن تصفيات أمم إفريقيا 2023، ثم يسافرون بعدها مباشرة إلى بوتسوانا لإجراء لقاء ثان في الإطار عينه، وسيكون من الصعب جداً التعويل على علي معلول، على الأقل في المباراة الأولى، باعتبار أنه يخوض يوم 30 مايو مباراة نهائي دوري أبطال إفريقيا مع فريقه الأهلي المصري ضد وداد الدار البيضاء.


الرأي الثاني يقول إن المسألة مبدئية بالأساس، وأمام المبدأ لا مجال للتنازل حتى وإن ضاعت فرصة، ولا أخفي هنا أنني من أصحاب هذا الرأي، فأن ترفض المنتخب حين كان بحاجة إليك، وهو يتكبّد مشقة مباريات صعبة في أدغال إفريقيا من أجل ضمان مكان في المونديال، آملاً الانضمام إلى منتخب بلد آخر، ثم بعد أن يتأهل إلى المونديال وتفقد الأمل في الانضمام إلى المنتخب الذي كنت تحلم بتمثيله، تأتي وتوافق على طلبي السابق وأقبل بك، هذا تنازل كبير مني عن المبدأ، وقبول مني لموقفك الذي فضّلت به الآخر عليّ أنا، وهدية مني لا تستحقها لترويج اسمك، والرفع من قيمتك على حسابي، وحتى على حساب لاعبين آخرين لم يترددوا في تلبية النداء واعتبروه واجباً، وقدموا كل التضحيات المطلوبة من أجل الدفاع عن راية يؤمنون بها. ثم إن هذا اللاعب، رامي كعيّب، ومهما كانت قيمته، ليس من المضمون له أن يندمج مع المجموعة وينسجم مع الأفكار التي يطرحها المدرب الوطني، جلال القادري، كما أن سجلّه ليس بسجلّ اللاعب الكبير الذي يتعذّر العثور على مثيل له ممن هم متحمسين لأداء واجب، كم قلنا إنه مقدّس، وهو واجب أحسّ به لاعب مثل إلياس السخيري، الناشط في الدرجة الأولى الألمانية، والذي تبلغ قيمته السوقية اليوم 6 ملايين يورو، أي عشر مرات قيمة كعيّب السوقية، وأحسّ به الشاب حنبعل المجبري، الذي تبلغ قيمته السوقية أكثر من 10 ملايين يورو، وما زال دون العشرين من عمره، ورغم ذلك فضّل المنتخب التونسي على أمل في تمثيل المنتخب الإنكليزي أو الفرنسي.


في اعتقادي، كان من الأجدى والأعدل أن يُفتح باب المفاوضات ثانية مع رامي كعيّب بعد نهاية المونديال، وقتها حين يتراجع عن موقفه الأول ويأتي، نُرحّب به في بلاده، مكابداً أعباء السعي إلى التأهل إلى مونديال 2026، وحين يتأهل، بعد أن يكون قد ساهم المساهمة المطلوبة منه في التأهل، نضعه على العين والرأس ونُثمّن وجوده  في عش "النسور".


لكن لا مجال اليوم لمزيد الجدل في الموضوع، فالأمر قد حُسم، وليس لنا سوى أن ندعو بأن يكون الاختيار موفقاً، لعلنا نضمن منه المصلحة، فلا يتكرر لنا سيناريو اللاعب دافيد الجمالي، الذي نال الحضوة عينها وضمّه المدرب الوطني، الفرنسي آنذاك، روجي لومير، إلى عش "النسور"، وعوض أن يساعدهم في قنص الصيد السمين، خطف من عشهم ما قنصوا قبل قدومه، وطار به إلى حيث لم نعثر له بعدها على أثر. فعل ذلك رغم أنه لم يبذل قطرة عرق ليساهم في ترشح "النسور". كان هذا ذات مونديال من عام 2006..


 

للكاتب أيضاً