منتخب تونس: أفراح ومسرّات.. وغنيمة من الدولارات
21/06/2022 - عبد الباقي بن مسعود
حصل المنتخب التونسي على جائزة قدرها 250 ألف دولار بعد تتويجه بلقب بطولة "كيرين"
الخط
لو سألت أي تونسي قبل 10 يونيو: ماذا تطلب من منتخب تونس في مشاركته في دورة "كيرين" الدولية في اليابان؟ فإن الإجابة سيكتفي فيها بطلب تعادلين في أقصى تقدير، أو حتى هزيمتين بنتيجتين غير عريضتين.
ليس في الأمر استنقاص من المنتخب التونسي، فالواقع كان يدفع إلى مثل هذه الإجابة لعدة اعتبارات، أولها، قيمة المنتخبات المشاركة، وخاصة منتخب اليابان ومنتخب تشيلي، وثانيها أن منتخب اليابان يستضيف الدورة على أرضه وأمام جمهوره، وثالثها أن المنتخب التونسي خرج قبل هذه الدورة ببعض أيام منهكاً، خاصة من الناحية المعنوية إثر تعادل غير منتظر في تصفيات أمم إفريقيا ضد منتخب بوتسوانا، رابعاً أن لاعبي المنتخب خاضوا الدورة في توقيت كان يُفترض أن يكون توقيت راحتهم السنوية، وهو أمر جعل بعض عناصره المهمة تتغيّب، على غرار المهاجم وهبي الخزري ومتوسط الميدان إلياس السخيري، ومازاد الطين بلة، هو طول الرحلات الجوية قبل الوصول إلى طوكيو، بحيث قطعوا مسافة تونس-بوتسوانا ذهاباً وإياباً، ثم تونس-طوكيو، مع الخضوع إلى فارق زمني بثماني ساعات كاملة لها تأثير كبير على التأهيل البدني للرياضي بصفة عامة وتستوجب وقتاً كافياً لاستعادة النسق والأنفاس.
كل هذه العوامل كانت تلعب ضد منتخب تونس وتجعل المطالب من مشاركته في دورة "كيرين" معقولة تُراعي المصاعب التى وُجد فيها. ولم يكن من المعقول بتاتاً مطالبة "نسور قرطاج" بالعودة بكأس هذه الدورة، التي تأخذ صدى عالمياً مهماً من سنة إلى أخرى. لكنهم فعلوها، انتصروا على تشيلي بهدفين لصفر، وكنا نظن أن الملحمة ستقف عند هذا الحد، خاصة أن المنافس الموالي الذي سيواجه منتخب تونس في النهائي هو منتخب اليابان على أرضه وأمام جمهوره، هذا المنتخب الذي زعزع مرمى منتخب غانا في نصف النهائي بأربعة أهداف بالتمام والكمال. لكن النسور كذّبوا كل التكهنات وكل الاحتمالات التي أعطت الأسبقية لليابان بنسبة 100%.
فاز المنتخب التونسي بثلاثية سجّلها الشاب الموهوب المُلاحق من طرف الأهلي المصري الراغب في انتدابه، لاعب الترجي الرياضي التونسي، محمد علي بن رمضان، وضاعف، لاعب الدحيل القطري الفرجاني ساسي، النتيجة، قبل أن يُثلّثها لاعب أودنسه الدنماركي، عصام الجبالي، بهدف غاية في الروعة بصاروخ وجّهه من خارج منطقة الجزاء.
هذا الانتصار فتح باب التحاليل الغارقة في التفاؤل، وأصبح أكثر المتشائمين بالأمس يرى اليوم أن منتخب تونس قادر في مونديال قطر 2022 على المرور إلى الدور الثاني، حتى وإن كان في طريقه منتخبات مثل فرنسا والدنمارك.
وبعد الانتقادات التي تعرض لها، في شبه حملة، المدرب الوطني، جلال القادري، عقب التعادل أمام بوتسوانا، أصبح هذا المدرب، في شبه إجماع، هو الأفضل وهو الأنسب لمستقبل الـ"نسور"، وصار يحظى بدعم جماهيري كبير، وتحوّلت الحملة التي كانت ضده إلى مسيرة مساندة ودعم له، خاصة على مواقع التواصل الإجتماعي، بعد أن راج أن الاتحاد التونسي لكرة القدم صار بعد مباراة بوتسوانا يُفكّر في انتداب مدرب أجنبي للمنتخب.
عديدة هي الفوائد التي حصلت بعد مشاركة منتخب تونس في هذه الدورة الدولية باليابان. هناك فوائد معنوية تمثّلت في استعادة اللاعبين للثقة في أنفسهم بعد حملة تشكيك الحمد لله أنها لم تدم طويلاً، وهناك فوائد هيكلية تمثّلت في الاتفاق على تثبيت المدرب الوطني (مبدئياً على الأقل) في مكانه، وهو أمر ضامن للاستمرارية التي لا يُنكر أحد أهميتها وتأثيرها الإيجابي في بناء ودفع أي فريق نحو الأفضل، وهناك فوائد فنية تمثّلت في اكتشاف لاعبين أثبتوا قدرتهم على إفادة المنتخب، على غرار الظهير الأيسر، علي العابدي، الذي انتزع في هذه الدورة مكان علي معلول، وعصام الجبالي، الذي سجل هدفين في الحيز الزمني القصير الذي لعبه في المباراتين، وحارس المرمى، أيمن دحمان الذي يبدو أنه قد افتك المركز الأساسي من الحارس البشير بن سعيد، وهذه كلها مؤشرات أولية تنتظر التأكيد من هنا إلى موعد مونديال قطر.
وهناك أيضاً فوائد مادية غنمها الاتحاد التونسي لكرة القدم من خلال هذه المشاركة، فبالإضافة إلى تكفّل الاتحاد الياباني بكل تكاليف السفر والإقامة، غنم الإتحاد جائزة بطل الدورة وقيمتها 250 ألف دولار، فضلاً عن مبلغ مليون دولار كنصيب من عائدات الإشهار التي غنمتها اللجنة المنظمة للدورة. هذه الغنائم أسعدت الاتحاد التونسي لكرة القدم، وجعلت رئيسه وديع الجريء يُصرّح لدى وصول وفد المنتخب عائداً من طوكيو إلى مطار تونس قرطاج ظهر الجمعة الماضي قائلاً، إن "المنتخب التونسي لم يعد مطلوباً للمشاركة في الدورات والمباريات الودية فقط، بل أصبح أيضاً مطلوباً للمشاركة، وبمقابل محترم وهذه من صفات المنتخبات الرائدة عالمياً" حسب تفسيره.
التفاؤل يحدو الجميع، والفرحة تسود أجواء المنتخب، لكنها لا تُخفي التعكر الذي يسود أجواء المنافسة المحلية، والتي نشطت الخلاف القائم منذ مدة بين الاتحاد التونسي لكرة القدم ووزارة الشباب والرياضة، بعد فتح ملفات وإصدار قرارات متعلقة بشبهات تلاعب بنتائج بعض المباريات في الدوري. ملفات لا تليق حقاً ببطولة يستعدّ منتخبها لتمثيل البلاد في أكبر محفل عالمي لكرة القدم..