"وزيرة السعادة" تُنعش الآمال قبل مغامرة المونديال

أطلّت جابر من شرفة المسرح في شارع الحبيب بورقيبة، وتوجّهت إلى الجمهور الحاضر بكلمة ختمتها بشعار: "نعم، نستطيع".

الخط

ما زال الجمهور التونسي يعيش على إيقاع الإنجاز التاريخي الذي حققته البطلة العالمية في التنس، التونسية أنس جابر، أو "وزيرة السعادة" كما سمّاها التونسيون، بوصولها إلى نهائي ويمبلدون، لتصبح أول عربية وإفريقية تُحقق هذه النتيجة.

 

أنس جابر استُقبلت شعبياً في المطار لدى وصولها عائدة إلى تونس، وتم توسيمها من قبل رئيس الجمهورية، الذي استقبلها في قصر قرطاج، مُثمّناً نجاحها وإسهامها في رفع الراية التونسية على مستوى عالمي، كما تم، مساء الخميس الماضي، تقديم أنس جابر في حفل افتتاح مهرجان قرطاج الدولي كضيفة شرف، بحضور وزيرة الثقافة ووزير الشباب والرياضة، وتوجّهت بكلمة إلى الجمهور، الذي تغنّى باسمها وببطولاتها، ويوم الجمعة أطلّت أنس جابر، بمعية طاقمها وإطارات الرياضة، من شرفة المسرح في شارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة، حيث كانت آلاف مؤلفة من الجماهير في انتظار طلعتها، وتوجّهت إليهم بكلمات الشكر والثناء على التشجيع الذي حظيت به، وختمت كلامها برفع شعار: "نعم، نستطيع".


هذا الشعار سرى في نفوس التونسيين، لينتقل بهم إلى أحلام انتعشت معها الآمال، وهم يتطلعون إلى مشاركة تاريخية أيضاً في مونديال قطر 2022.


فعلتها أنس وتحدّت قمم العالم في التنس، فلم لا يفعلها "النسور" في المونديال، حتى وإن كان في طريقهم منتخبا فرنسا والدنمارك؟ كلامٌ صار يتردد بكثرة بين الرياضيين في تونس هذه الأيام، كلامٌ يستند إلى قواعد مُتّفق عليها، منها أن النتائج في الرياضة لا تُحسم مسبقاً، ومنها أن الميدان هو الفيصل، ومنها أن العمل والمثابرة هما طريق النجاح، ومنها أن الثقة بالنفس هي سلاح فتاك في المواجهة، ومنها أن الطموح والتحدي والرغبة الجامحة في النجاح يمكن أن يقودوا إلى تجاوز عائق محدودية الإمكانات، وخاصة المادية واللوجستية منها.


وجاءت أنس جابر، التي سبق لها عام 2011 أن تُوّجت بدورة رولان غاروس الفرنسية للشباب، لتؤكد جدوى هذه القواعد. فهذه البطلة انطلقت من الصفر وبإمكانات تُعادل الصفر، وفي بلد يشكو نقصاً فظيعاً على مستوى التجهيزات والفضاءات المخصصة لممارسة رياضة التنس، لكنها حلمت وآمنت بأن الحلم يمكن أن يتحقق، وانكبّت على العمل والاجتهاد، بإشراف مدرب تونسي ومعدٍّ بدني تونسي هو زوجها في الوقت عينه، وحقّقت إلى حد الآن مسيرة جلبت احترام العالم لها ولبلادها.


صارت أنس جابر، بفضل هذه النتائج، ملهمة الرياضيين في تونس، حيث حرّكت في أذهانهم ومشاعرهم الإيمان بأنه لا مستحيل في الرياضة، وصار التونسيون يتحدثون بمنطق أن هزم منتخب فرنسا ومنتخب الدنمارك في مونديال قطر المقبل ليس مستحيلاً.


وبعيداً عن أنس جابر وما فعلته في ويمبلدون، عادت بنا الذاكرة إلى ما فعلته عديد المنتخبات الإفريقية والعربية في دورات المونديال السابقة. عادت بنا الذاكرة إلى فوز منتخب الجزائر على منتخب ألمانيا في مونديال 1982، قبل أن يُحقّق منتخب تونس ضد المنافس عينه تعادلاً ذهبياً في مونديال 1978، وإلى فوز منتخب المغرب على منتخب البرتغال في مونديال 1986، وإلى فوز منتخب الكاميرون على منتخب الأرجنتين في مونديال 1990، وإلى فوز منتخب نيجيريا على منتخب إسبانيا في مونديال 1998، وإلى فوز منتخب السنغال على منتخب فرنسا في مونديال 2002، وإلى الأشواط المتقدمة التي حقّقتها منتخبات المغرب والكاميرون ونيجيريا والسنغال وغانا في نسخ سابقة من هذه التظاهرة العالمية. فلم لا ينسج "نسور قرطاج" على هذا المنوال في مونديال الحلم العربي الذي تحتضنه قطر؟


قطر، التي بفضل الانتصار الذي تُبشّر به في تنظيم هذه الدورة، تفتح الآفاق لكل المنتخبات العربية كي تحقق الانتصارات في الميدان أيضاً، في فرصة لن تتكرر إلا بعد عشرات السنين، إن تكررت، ونعني فرصة اللعب على أرض عربية وأمام جماهير عربية. أنس جابر حققت انتصاراتها خارج حدود الوطن وفي غياب جمهور الوطن، بل إنها نجحت في استمالة الجماهير إلى صفّها في إسبانيا وفي ألمانيا وفي إنكلترا، بفضل أدائها الممتع والمقنع، وبفضل سلوكها الرائع وخطابها الفصيح عميق المعاني بعد كل مباراة. كل هذا مكّن أنس، وهي في الغربة، من أن تكسب لنفسها ولبلادها كل هذا الاحترام وكل هذه المكانة، وما على "نسور قرطاج" إلا التشبُّع بمعاني هذا الدرس الجميل، حتى يكونوا في الموعد خلال مونديال قطر. مونديالٌ يخوضونه في وطن هو جزء من أمة ينتمون إليها، فلا يعيشون الغربة التي عاشتها أنس وتحدّتها. مونديالٌ سيكون فيه عشرات الآلاف من بني الوطن، يُشجّعون ويهتفون على إيقاع لحن أبدعته "وزيرة السعادة". لحنٌ يُدغدغ المشاعر ويُرشد كل من يحفظه طريق الانتصار والتحدي..


 

للكاتب أيضاً