قطر تكسر الصورة النمطية... وتغيّر المفاهيم الخاطئة
16/12/2022 - Super1
الخط
خلا لمباراة بلجيكا والمكسيك في كأس العالم 1986، والتي أجريت على الأرض المكسيكية، بدأت صيحات الجماهير تتعالى في شكل لافت، ولم يكن هناك هدف أو فرصة خطرة حتى.
لكن كان هناك حركة كبيرة متناغمة بين الجماهير التي تجاوز عددها الـ100 ألف متفرّج يومها، وكأنها موجة كبيرة بشريّة كانت تتنقّل بسرعة كبيرة جدا ًوبشكل جذّاب للغاية، وظهرت تلك الحركة مرّات عدة في تلك المباراة. ومنذ ذلك الوقت،أضحت هذه الظاهرة تُعرف بالأمواج المكسيكية، حتى أنها أصبحت من ضمن قاموس أكسفورد للغة الإنكليزيّة، وصارت ظاهرة تقوم بها الجماهير في مختلف البطولات خصوصاً في كأس العالم.
بعدها بأربعة وعشرين عاماً، وتحديدا في العام 2010، لم يكن هناك صوت أعلى من صوت الـ"فوفوزيلا" وذلك خلال مونديال جنوب أفريقيا، ومن المؤكد بأن اللاعبين كما الجماهير يتذكرون الآن هذا الصّوت، خصوصاً وأنّهم اشتكوا من الإزعاج المستمر في أرض الملعب.
وفي الحالتين، باتت "الأمواج المكسيكيّة" والـ"فوفوزيلا" عنوانين يطبعان الصّورة الذهنيّة للنّاس، إذ شكلا "الاستدامة" التي تركتها تلك المونديالات في عقول المشجّعين والمتابعين لأكثر لعبة شعبيّة في العالم.
لا للأفكار المسبقة
بحسب الكاتب الأميريكي اللبناني الأصل، جاك شاهين الأستاذ في قسم الإعلام في جامعةSouthern Illinois))في كتابة "المخادعون" العرب في وسائل الإعلام الغربية،وبعد دراسة تحليليّة لأكثر من 900 فيلم سينمائي أميركي، توصّل الباحث إلى استنتاج أن العرب يصوَّرون تبعاً لأكثر التصنيفات خشونة وسلبية، هم شيوخ مترفون ذوو كوفيات وقمصان، تظهر جلياً عليهم علامات التّرف والبذخ، وانتفاخ البطن والسّمنة المُفرطة.
لربما كانت هذه الصورة هي المسيطرة على مشجعي الدول الغربيّة عن العرب،إلى أن حلّوا ضيوفاً على قطرفي مونديالها العالمي، واكتشفوا عكس ذلك تماماً على أرض الواقع.
كرواتيّون يابانيّون أميركيون...
يومياً وخلال النقل المباشر للمباريات، كانت الكاميرا "تنغمس" بين المدرجات علّها تلتقط "أفشة" أو "سكوب" من هنا ومن هناك، ويقينا لم يكن أحد منا يتوقّع يوماً ما أن يرى يابانيّاً أو كوريّاً أو "كرواتيّاً أو حتى "أميركيّاً يرتدي"الغترة والعقال"،لا بل أكثر من ذلك، فإن بعضهم ذهبإلى إرتدائهما مزيّنين بعلم بلاده، والأجمل هو أن ذلك لم يقتصر على حضور المباريات فقط، بل واظب على إرتدائهما حتى خلال ترحاله وتجواله في الفعاليّات الموندياليّة كلها، وهذا إن دلّ على شيء فهو يدلّ على ارتباطهوتعلّقه بهذا الّلباس.

"العطور الشرقيّة" و"العود" فعلت فعلها أيضاً
من صميم التّراث القطري، تأتي العطور العربيّة التي بدورها،لاقت رواجاً كبيراً وعظيماً بين المشجّعين على إختلاف جنسياتهم ومستوياتهم الإجتماعيّة، والمعتادة على أنواع من العطور العالميّة التي تنتقيها من المتاجر الأوروبيّة الفاخرة، الا أنّ شهرة قطر في إنتاج العطور العربيّة جعلت من هؤلاء "زبائن" ومستهلكين جدداً لتلك العطور،ويقيناً لولا أنّها لا تضاهي من ناحية الجودة نظيراتها العالميّة، لما كان هذا الإقبال على شراء العطور الشرقية وحتى "البخّور" و"العود" التي تستخدم في البيوت،والتي لفتت أنظار السياح الرياضييّن بشدة وشغف.
تمر الخليج رمز للأصالة العربية
إذا ماكان للتّمور العربيّة من منازل وبيوت، فهي دول الخليج العربي، ومن بينها قطر التي تشتهر أيضاً بزراعة أفخر أنواع التّمور وإنتاجها،والتي شدّت إنتباه المشجّعين وأثارت فضولهم ليتعرّفوا على هذا "الموروث الثقافي" عند العرب.
فكان سوق التّمر أيضاً مقصداً للمشجّعين، حيث اعتادوا على زيارته في شكل لافت، والتبضّع من متاجره المنتشرة أفخر الأنواع. وبالطبع، بعد عودتهم إلى ديارهمسيبحثون فيها عن المتاجر التي تبيع مثل هذه الأنواع من التّمور اللذيذة.
"سوق واقف" وجهة تراثيّة وتجربة ممتعة
قبل أن تحصل قطر على استضافة المونديال، كانتلـ"سوق واقف" شعبيّة محليّة وعربيّة كبيرة جداً، نظراً لما يكتنزه هذا السّوق من متاجر ومطاعم ومحال لبيع القطع التراثيّة القطرية والعربيّة على حد سواء.
وأثناء المونديال، كان لسوق واقف النصيب الكبير، حيث تحوّلت شهرته من المحليّة والعربيّةإلى الدوليّة،لا سيما سوق الأحجار الكريمة و"اللولو" المصنّع، والّذي تهافت عدد كبير من المشجّعين على شراء تلك الأنواع، كذكرى جميلة من دولة قطر.
المطعم الشرقي و"متعة المأكولات الفريدة"
من المعلوم بأنك اذا ما قرّرت زيارة أي دولة حول العالم، فإن أوّل سؤال قد يخطر على بالك هو "المطبخ"في تلك الدولة، وفي ما إذا كان يحتوي على مأكولاتقريبة من مطبخ بلادك. وماكان لافتاً في مونديال قطر هو أنّ المشجعين الغربيين لا يعرفون الكثير عن المطبخ العربي عموماً، باستثناء"صحن الحمّص" الّذي يبدو أن شهرته ضربت الآفاق حول العالم.
الا أنّ ما فعلته قطر هو تلك "التوليفة" الجميلة في أعدادالمطابخ وأنواعها، حيث حضر المطبخ الغربي، ولكن إلى جانبه المطابخ اللبنانيّة والإيرانيّة والشاميّة والخليجيّة والتركيّة، والّتي لاقت رواجاً غير مسبوق من قبل تلك الجماهير، وتحديداً بعض المأكولات الشهيرة "كالكبسة بالأرز، و"المجبوس".
كما كان لافتاً أن المقبّلات العربيّة "كالسّلطات، وغيرها، شدّت الجماهير في شكل لافت، حيث فاقت أعداد زوّار تلك المطاعم المذكورة، أعداد زوّار مطاعم المأكولات السّريعة ذات العلامات التجاريّة العالميّة، والمنتشرة في أرجاء الكرة الأرضيّة.
حسن الضّيافة وكرم "أهل البيت"
من الأمور التي حرص المنظّمون عليها حرصا ًشديداً، وإهتمّوا بأدقّ تفاصيل تفاصيلها، مسألة حسن الضّيافة والإبتسام الدّائم، وإظهار الكرم العربي من خلال الفعاليّات المرافقة للمونديال، وحتى في محطّات المترو، حيث لمس المشجعون تلك "الطّيبة" والجو الودود جداً، حتى أن عمّال المترو باتوا من "مشاهير المونديال" وراح عدد كبير من المشجّعين يقلّدوهم، في إشارة إلى أنهم طُبعوا في ذاكرتهم.
ولم تقتصر مظاهر حسن الضّيافة والكرم على ذلك فقط،بل تعدّته الى ما هو أبعد، حيث قام المواطنون والمقيمون وأثناء اقامة احدى المباريات فياستاد "البيت"،بالوقوف في الشّارع لتقديم الحلويات والتّمور والمياه للمشجّعين، والابتسامة مرسومة على الوجوه.
حتى أنّك إذا ما دخلت إلى أحد المتاجر في "سوق واقف"،وسواء إشتريت أم لم تشترِ،لا بدّأن يقدّم لك صاحب المتجر فنجاناً من القهوة عربون ترحيب ومحبّة وصداقة،إضافة الى التّمور.
التاريخ إذا نطق
خلاصة الموضوع وعود على بدء، وتحديداً في ما ذكرناه عن الصورة النمطية التي كانت مرسومة في أذهان الغرب عن العرب ومنطقة الشرق الأوسط تحديداً، فإن قطر بمونديالها قد نجحت في قلب تلك الصّورة حتماً وهذا لن تظهر النتائج فوراً، بل ستأتي تدريجياً،وسيتلمّسها عرب حتماًخلال سفرهم وترحالهم في أرجاء المعمورة،فالمنطق فرض نفسه في نهاية الأمر. فدولة قطرتستطيع أن تنشىء الملاعب ومحطّات المترو، والمطارات، وتدير المواصلات، لكنها لا تستطيع أن تكسب قلوب المشجّعين الّذين أتوا من شتى أنحاء المعمورة ليشاهدوا مونديالاً لن يكون كغيره من المونديالات على الاطلاق. فهذه المهمّة تولّتها شرائح المجتمع القطري بمختلف أطيافه، من أبناء البلد، والمقيمين، والعاملين خلف السّتارة، ممّن وقفوا خارج الاستادات الثمانية يقولون للمشجعين الخارجين: "شكراً لقدومكم".
"قطر أصدق من هوليوود"
كل ذلك ساهم في خلق تلك الصورة الايجابيّة التي كسرت كما سبق وذكرنا الصورة النمطيّة المسيطرة، لتحلّ محلّها صورة أخرى ستعجز شركات إنتاج الأفلام العالمية في "هوليوود" الأميركيّة عن كسرها، لأنّها باتت سراباً بعد حين، لا بل ستساعد ربّما الكاتب الأميركي اللبناني الأصل جاك شاهين في إعادة صوغ كتابه "المخادعون" العرب في وسائل الإعلام الغربيّة،واعتماد عنوان جديد له هو:"قطر أصدق من هوليوود"، يعكس واقع الحال الحقيقي.

