درس في المدينة التعليمية قدّمه الجمهور... و"النسور"

الخط

هناك بطولة عالمية داخل المونديال يحق للتونسيين أن يطمحوا للفوز بها. إنها بطولة الجمهور. فالجمهور التونسي، إضافة إلى الأجواء المميزة التي حوّل بها شوارع الدوحة ومناطق الأحباء وأنهج سوق واقف إلى فضاءات مهرجان دائم وقاعات أفراح ولقاء واحتفال، صنع الحدث في ملعب "المدينة التعليمية" يوم الثلاثاء الماضي بمناسبة لقاء "نسور قرطاج" مع منتخب الدنمارك  ... من حيث العدد غطّى الحضور الجماهيري التونسي كامل المدرّجات التي تأوي أكثر من 40 ألف نفر، ولم نسجل من الدنمارك سوى حضور بضع مئات من المشجعين. هذا الجمهور كان وبشهادة لاعبي المنتخب التونسي في تصريحاتهم بعد المباراة، الحافز الأهم الذي جعلهم يظهرون بذاك الإستبسال وتلك الروح التي مهّدت لهم الطريق ليوقفوا "ماكينة" الدنمارك التي حصدت النجاح تلو الآخر في السنوات الأخيرة، ما أهّلها لاحتلال مكان ضمن العشرة الأوائل في التصنيف العالمي. ولم يكتفِ النسور بذلك بل إندفعوا إلى الأمام بحثاً عن مباغتة هذا الخصم العنيد خصوصاً في الشوط الأول.


حصل هذا وجمهور المنتخب التونسي لا يتوقّف عن الهتاف والتشجيع والتحفيز وبث الثقة في نفوس اللاعبين الذين حققوا في آخر الأمر نتيجة. والحقيقة تقال، لم يكن أحد ينتظرها، وقدّموا أداء محترماً جداً حتى أنّ المتابعين للمنتخب التونسي صاروا، بعد أن شهدوا سيناريو المباراة، يتحسّرون على ضياع إنتصار كان ممكناً. وهكذا كبرت الطموحات، وليس لها سوى أن تكبر حين يكون وراءك جمهور مثل الذي رأيناه يوم الثلاثاء الماضي في ملعب "المدينة التعليمية".


تألّق الجمهور التونسي لم يقف عند حدّ توقيت نهاية المباراة، بل تواصل إلى ما بعد الصافرة النهائية لحكم اللقاء. بحيث بادرت مجموعات متفرّقة في مختلف مدرّجات الملعب إلى إلتقاط النفايات التي تركها بعضهم وراءه، وتجميعها في أكياس بلاستيكية، وتحويلها إلى مكبّات الفضلات المخصصة لذلك، في صورة رائعة تعكس حرصاً شديداً على إكرام المستضيف بأن تُخلي له المكان نظيفاً كما وجدته. صورة لاقت تفاعلات إيجابية على مواقع التواصل الإجتماعي وساهمت في مزيد الرفع من مقام الجمهور التونسي، الذي قدّم الإنطباع  اللائق بأهل بلاده. وقد تناولته مختلف البرامج الرياضية في الإذاعات ومحطات التلفزة التونسية وفي بعض وسائل الإعلام الأجنبية بكثير من التنويه، لما تضمّنه من أبعاد تربوية وحضارية نتمناها أن تتواصل في الملتقيات كلها، سواء كانت رياضية أو في مجالات أخرى .


وفي حقيقة الأمر، فإنّ من يعش في الملاعب المونديالية التي أهدتها قطر للعالم، لا يمكن له أن يكون إلا حريصاً على نظافتها وصيانتها والحفاظ عليها، وإلا فإنه سيكون حتماً عديم الذوق. وهذا ما آمن به أيضاً لاعبو المنتخب التونسي الذين حرصوا على تنظيف و حجرة الملابس وترتيبها قبل مغادرتها إثر المباراة. وتمّ نشر عدداً الصور والفيديوهات للنسور وهم يرتّبون الحجرة ويجمعون النفايات المتساقطة ويمسحون البلاط قبل المغادرة .


بهذا التصرّف، قدّم الجمهور التونسي في "المدينة التعليمية" درساً في السلوك الحضاري نال به الإستحسان، تماماً مثلما نال استحسان الجميع هنا في الدوحة، لما أبداه من حماسة واندفاع لا مشروط في مساندة فريقه، لدفعه نحو التألق والتميّز، واستغلال هذا المونديال الفريد والأول من نوعه على أرض عربية لتحقيق نتائج توازي طموحاته على رغم صعوبة المهمة .


وعلى غرار الجمهور، قدّم اللاعبون أيضاً، بعد استبسالهم في الميدان، مثالاً جميلاً للتواضع وتحمّل المسؤولية والردّ على حسن الضيافة بما يسعد المستضيف، وبما يرضي النفس والضمير، وبما يحقق احترام أصحاب الدار...


وحتى نعطي كل ذي حق حقه، فإن روعة استضافة قطر لهذا المونديال النموذج، لا يمكن للعاقل إلا أن يردّ عليها بالإحترام والتقدير وحسن المعاملة. وكم يثلج الصدر أن يصدر ذلك من عربي تجاه عربي ... فبهذا تتدعّم  العلاقة ويدوم الوئام...وما أحوج العرب إلى مثل ذلك ... وكم نشتاق إلى أن يتواصل هذا السلوك الراقي في ما تبقىّ من مباريات.... وليتجدد هذا مع جمهور تونس و"نسور قرطاج" في مباراة الغد ضد أستراليا... ننتظركم ...
 

للكاتب أيضاً