دافيدي أنشيلوتي.. لن يعيش في جلباب أبيه؟

14/10/2022 - محمد خليل

دافيدي يملك تأثيراً كبيراً في جميع القرارات

الخط

لم يكن يملك ما يكفي من الموهبة لاحتراف كرة القدم. اكتشف ذلك سريعاً بعد خوض تجارب غير ناجحة عندما كان ناشئاً، فقرر دخول غمار اللعبة الشعبية الأولى عبر سلوك طريق والده، كارلو، تدريباً، لا لعباً. بداً مسيرته مدرباً للياقة البدنية في أكاديمية باريس سان جرمان، قبل مرافقة الوالد بعد ذلك في تجاربه بريال مدريد وبايرن ميونخ ونابولي وإيفرتون، ثم ريال مدريد مجدداً. هو دافيدي أنشيلوتي، ذائع الصيت في الفترة الأخيرة، شريك "كارليتو" ومساعده الأول في موسمه التاريخي الأخير، فهل وصل إلى هنا بفضل إمكاناته أم لصلة القرابة دورٌ أساسيّ في ذلك؟

رجل الظل؟ ليس فعلاً..


في 12 ديسمبر 2021، بعد أشهر قليلة من عودة أنشيلوتي إلى ريال مدريد، جاءت مواجهة الديربي المنتظرة أمام الجار أتلتيكو، على ملعب سانتياغو برنابيو. في الدقيقة 16، انطلق كاسيميرو بالكرة، مررها إلى بنزيما، منه إلى أسينسيو، الأخير حوّلها إلى فينيسيوس، المُنطلق على الطرف الأيمن، الذي بدوره لعبها صوب بنزيما، المُتمركز على حدود منطقة الجزاء، سدد الفرنسي إلى يسار يان أوبلاك، مانحاً التقدّم لفريقه. لِمَ كان أفضل لاعب في العالم موجوداً في ذلك المكان؟ اسألوا دافيدي أنشيلوتي. المدرب الإيطالي الشاب كان قد شرح للرقم 9، خلال فترة الإحماء قبل بداية المباراة، مدى خطورة أن يلعب متأخراً بعض الأمتار، أن يتمركز على حدود منطقة الجزاء، وتأثير ذلك على دفاع الأتلتي، وهكذا كان في لقطة الهدف، بالضبط.


بالتأكيد، لم تكن تلك المرة الأخيرة، ولا حتى الأولى، التي يُوجّه فيها دافيدي أحد اللاعبين، هو يقوم بدوره كمساعد للمدرب. دورٌ يصفه بدقة: "هدفي خلق الكثير من الشكوك. لست هنا لأقول نعم نعم نعم، أنا هنا كأي مساعد مدرب. لدي ثقة أكثر من غيري لأقول لا، لا أتّفق معك". الثقة التي تحدّث عنها تجلّت في أولى مباريات الدوري الإسباني أمام ألميريا. دافيدي يُناقش كارلو على الخط الجانبي للملعب، يحثّه على إدخال دافيد ألابا على عجل، مباشرة بعد حصول الفريق على ركلة حرة، يذعن كارلو لابنه، يدخل المدافع النمساوي، يُنفّذ الركلة، يُسجّل هدفاً، ويمنح انتصاراً بهدفين لواحد للريال. مرة جديدة، رهان دافيدي كان صائباً.

الذراع الأيمن


يرأس كارلو أنشيلوتي حالياً جهازاً فنياً يعمل بانسجام تام. إضافة إليه، يضمّ الجهاز 9 أفراد آخرين، أبرزهم المُعدّ البدني، أنتونيو بينتوس، ومدرّب حراس المرمى، لويس يوبيس، ومدرب اللياقة البدنية، فرانشيسكو ماوري (ابن مدرب اللياقة، جوفاني، الذي عمل سابقاً مع أنشيلوتي في البايرن والريال وسان جرمان وتشلسي وبارما)، إضافة إلى المساعد الأول، دافيدي. يعقد فريق العمل لقاءات يومية، يحللون خلالها كل ما هو متعلق بالريال وبمنافسيه، قبل وبعد المباريات. حتى خلال مباريات الفريق، غالباً، يكون واحداً من بين الثلاثي بينتوس وماوري ودافيدي على الخط الجانبي للملعب لتوجيه اللاعبين.


وجود دافيدي في الواجهة حالياً، يبدو أكثر وضوحاً من التجارب السابقة التي كان موجوداً فيها مع والده، رغم أنه كان يشغل المنصب عينه في بايرن ميونخ ونابولي وإيفرتون. المهام التي يقوم بها، في حقبة والده الثانية مع "الملكي"، كثيرة. تشعر أنه قائد الأوركسترا في ما يخصّ الجهاز الفني.


هو صاحب تأثير كبير في جميع القرارات، لاسيّما التكتيكي منها، إذ إنه يُعتبر مفتاح التحسينات على هذا المستوى، كما فعل أمام أتلتيكو مدريد وألميريا في المباراتين المذكورتين آنفاً. يقوم بتحليل المنافسين ونقاط ضعفهم. كما أنه حاضر بقوّة في الحصص التدريبية، يُديرها بحضور والده، الذي يُراقب ويتدخّل عندما يجد ذلك ضرورياً، بما ذلك تدريبات على الكرات الثابتة. في هذا السياق، يقول كارلو: "يعمل (دافيدي) كثيراً على الكرات الثابتة، لديه طاقة أكثر مني. هذا طبيعي". الطاقة التي يتحدّث عنها كارلو ليست خفية على أحد، فدافيدي يقضي نحو 12 ساعة يومياً في مركز التدريبات الخاص بالفريق، في فالديبيباس.


وعلى ذكر الكرات الثابتة، بحسب تقرير نشره موقع The Athletic في 25 فبراير 2021، خلال تجربة الثنائي مع إيفرتون، اختلف تأثير الكرات الثابتة بشكل جذري مع أنشيلوتي، مقارنة بعهد المدرب السابق فابيو سيلفا. حتى تاريخ نشر التقرير في نهاية فبراير 2021، كان الفريق قد تلقّى 5 أهداف فقط من ركلات ركنية (المعدل الوسطي في الدوري كان 4.6)، وهدف واحد من ركلة حرة، ما يعتبر تحسناً ملحوظاً. الفضل في ذلك كان لدافيدي، الذي أوصى الفريق بالتحوُّل إلى الدفاع العميق في مواجهة الركلات الثابتة، ذلك أن قدرة حارس المرمى، جوردان بيكفورد، على التعامل مع الكرات الهوائية محدودة. على المقلب الآخر، في الحالة الهجومية، بلغت نسبة ترجمة الركلات الركنية أهدافاً، منذ بداية موسم 2020-2021، حتى نهاية فبراير 2021، 7%، في حين كان المعدل الوسطي في الدوري 4%. كان إيفرتون الأكثر تسجيلاً من الركلات الركنية بعد تشلسي ووست هام، توالياً.
باختصار، يُعطي دافيدي والده نظرة أكثر حداثة لكرة القدم، وأفكاراً جديدة تساعده على مواصلة مشواره التدريبي والبقاء بين مدرّبي النخبة، في لعبة آخذة في التطوّر يوماً بعد يوم.

الولد سرّ أبيه


بالعودة إلى ريال مدريد، صحيح أن دافيدي ليس العنصر الوحيد الفاعل في الجهاز الفني، بل من العناصر الفاعلة، لكنه بكل تأكيد الأكثر تميّزاً.
تميّزٌ خلفه شخصية مُحببة وغير صدامية، وتواضع وذكاء واجتهاد وصراحة، تماماً كما والده، على حدّ تعبير من عملوا معه في إيفرتون (في مقال نشره موقع The Athletic في 2 أبريل 2020)، إضافة إلى قدرة فائقة على التواصل مع الآخرين بشكل سلس وإيجابي، فالمعلوم أنه يُتقن خمس لغات هي الإيطالية والإسبانية والإنكليزية والفرنسية والألمانية. كلها عوامل تجعل منه الرجل الذي، في معظم الأحيان، يخطب باللاعبين بإيجاز قبل مباريات الفريق، بحضور نجوم عالميين، وهذا، إن دلّ على شيء، إنما يدلّ على شخصية قوية وحضور متميّز لمدرب شاب أثبت نفسه، بعيداً عن نسبه.


رغم كل هذا، لا يتخطّى دافيدي حدوده باعتباره ابن القائد، بل يقوم بما هو مطلوب منه بكل احترافية، ما يُكسبه احترام العاملين معه، تحديداً اللاعبين، الذين يناقشونه ويطلبون مشورته في كثير من الأحيان. خلال مسيرته القصيرة نسبياً، لم نسمع سوى أنه ترك أثراً طيباً، تماماً كوالده، حيثما حلّ. يقول حارس مرمى منتخب إنكلترا وإيفرتون، جوردان بيكفورد: "لدى كارلو فريق عمل جيد جداً حوله. ابنه دافيدي وفريق عمل جيد بحق". لا ينال دافيدي سوى الثناء والمديح من طرف معظم من سبق له العمل معهم، أو يعمل معهم حالياً. وحدها تجربته كمساعد لوالده في بايرن ميونخ، شذّت عن القاعدة، حين اتُهم بأنه مهتم بتكوين علاقة صداقة مع مجموعة من اللاعبين، أكثر من الحفاظ على علاقة احترافية بهم، وذلك بسبب قربه من متوسط الميدان الإسباني، تياغو ألكانتارا، وخروجه لتناول العشاء مع مجموعة من اللاعبين من وقت لآخر.

الأول في صفّه


وُلد دافيدي في مدينة بارما، في 22 يوليو عام 1989. تربّى وترعرع مع والدٍ كان لاعباً لميلان، قبل اعتزاله اللعب، وتحوّله لاحقاً إلى تدريب ريجيانا وبارما ويوفنتوس وميلان. يصف نفسه بالطفل الخجول الذي استمتع بنشوئه بين نجوم كرة قدم عالميين. "الجميع يريد أن يصبح لاعب كرة قدم. لكنني سريعاً أدركت أنني لا أملك موهبة لذلك، فقررت الدراسة"، يقول المدرب الشاب.
كان قراره صائباً، فقد كان بارعاً في دراسته. حصل على شهادة في علوم الرياضة، قبل أن يبدأ مسيرته مدرباً للياقة البدنية في أكاديمية باريس سان جرمان، ثم تولّى المسؤولية عينها في فترة والده الأولى مع ريال مدريد، بمساعدة زين الدين زيدان وبول كليمنت.


لاحقاً، حصل على رخصة تدريب من الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، مستوى "B" بعد نيله علامة 137 من 140، ثم مستوى "A" بعد نيله 13 من 15. قبل أن يحظى للمرة الأولى بفرصة تولّي منصب مدرب مساعد في بايرن ميونخ، ثم نابولي وإيفرتون، توالياً، وريال مدريد حالياً، مستفيداً من تعيين والده مدرباً لهذه الفرق.

وساطة أم كفاءة؟


"أريد أن أصبح مدرباً في يوم من الأيام، وهو أفضل مثال أعلى يمكنني الحصول عليه"، يقول دافيدي، ويضيف: "أنا محظوظ جداً بكوني ابنه. هذا أفضل شيء في العالم إذا كنت تريد أن تصبح مدرباً". كلام دافيدي لا يترك مجالاً للشكّ. كونه ابن كارلو، من الطبيعي أن يستفيد من تجارب والده والخبرات التي راكمها، من الطبيعي أن يستفيد من نصائحه وتوجيهه له، كحال جميع الآباء مع أبنائهم، لاسيّما أنه يريد السير على خطاه. لكن، هل يعني ذلك أن دافيدي غير كفوء، وأن كارلو هو السبب في وصوله إلى هنا؟ قطعاً لا.

بالتأكيد، مدّ له كارلو يد العون، وجّهه، ونصحه، وفتح له الكثير من الأبواب، وصنع له الكثير من الفرص، لكن لو لم يكن دافيدي كفوءاً، لما بلغ هذه المكانة، ولما تمكّن من نيل إشادة على أطروحته الجامعية، ولما نجح بنيل رخصتي تدريب من الاتحاد الأوروبي.
بلا كارلو، كان دافيدي سيُعاني بشكل أكبر في إيجاد فرصة عمل مع أندية بحجم البايرن ونابولي وإيفرتون والريال، لكن بلا ثقته بنفسه وتطوير إمكاناته، لم يكن لينجح الولد في أن يكون، حتى الآن، سرّ أبيه بحقّ.
هو يُدرك أن نسبه سيجعل الشكوك تحوم حول كفاءته، لا شكّ في ذلك. سيبقى ابن كارلو، حتى يُقرر الخروج من جلباب والده ويشقّ طريقه مدرباً أول بنفسه. قد يحدث ذلك قريباً، مع إعلان والده اعتزاله التدريب بعد تجربة ريال مدريد، علماً أن عقده ينتهي في صيف 2024. وقتذاك، سيخرج من ظلّ كارلو بشكل نهائي، فهل سيُحقق النجاحات عينها؟ لننتظر وسنرى.
 

أخبار ذات صلة