دوري `أباطرة` الدفاع: سكرينيار آخر `وزرائهم`؟

30/07/2022 - محمد خليل

الخط

منذ بداية سوق الانتقالات الصيفي، في الأول من تمّوز/يوليو الجاري، شهد الدوري الإيطالي هجرة ثلاثة من أبرز متوسطي الدفاع فيه، برحيل كاليدو كوليبالي وماتيس دي لخت وجورجيو كيليني، ليفرغ، بشكل شبه كامل، من وجود متوسطي دفاع، إيطاليين وأجانب، مصنّفين من بين الأفضل في العالم. حتى الآن، وحده ميلان سكرينيار، من بين هؤلاء، مستمر في الكالتشو، رغم محاولة باري سان جيرمان الحصول على خدماته، فهل سيصمد آخر "وزراء الدفاع" أمام مغريات فريق "مدينة النور"، أم سيحذو حذو أقرانه؟

 

في العام 1996، قبل انطلاق بطولة أمم أوروبا بكرة القدم في إنكلترا، وفي إطار حملة إعلانية لشركة نايكي، الراعي الرسمي للمنتخب الإيطالي وقتذاك، استعملت الشركة صورة مدافع ميلان والمنتخب، باولو مالديني، مرفقة بعبارة "حارس مرمى منتخب إيطاليا، الوظيفة الأسهل في أوروبا".


لم يكن مالديني، في تلك الفترة، ينشط في مركز متوسط الدفاع بشكل دائم، كما هو معلوم، لاسيّما بوجود فرانكو باريزي وأليساندرو كوستاكورتا، لكن العبارة كانت للدلالة على جودة المدافعين الإيطاليين، سواء مدافعي العمق أو طرفي الملعب.

 

في تلك الفترة، إضافة إلى باريزي وكوستاكورتا، اللذين كانا أساسيين في تشكيلة فريق المدرب فابيو كابيلو التي أحرزت لقب الدوري المحلي، كانت الفرق المنافِسة تضمّ متوسطي دفاع مميزين أيضاً، إيطاليين وأجانب، مثل تشيرو فيرارا وبييترو فييركوفود مع الوصيف، يوفنتوس، المُتوّج بلقب دوري أبطال أوروبا في نهاية الموسم عينه، إضافة إلى الأرجنتيني خوسيه أنطونيو شاموت والشاب أليساندرو نيستا، مع ثالث الترتيب، لاتسيو، والبرازيلي ألدايير مع روما، والبرتغالي فرناندو كوتو والأرجنتيني نيستور سنسيني والشاب فابيو كانافارو مع بارما، ومعهم اليوغسلافي سينيسا ميهايلوفيتش مع سمبدوريا. بالطبع كانت هناك أسماء إضافية، لكن المذكورين أعلاه، هم عيّنة مأخوذة من الفرق أصحاب المراكز الثمانية الأولى بالدوري، حصراً.

 

هذه الطفرة في عدد متوسطي الدفاع الأكفّاء، من إيطاليين وأجانب، الناشطين في دوري واحد، لم تكن مقتصرة على ذلك الموسم، بل كانت قد بدأت قبل ذلك بسنوات، وامتدت إلى سنوات لاحقة أيضاً. طفرةٌ كان لها العديد من الأسباب، أهمّها المال ومتطلبات اللعبة وقتذاك.

 

في تلك الحقبة، كان يُدير معظم الأندية الإيطالية، رجال أعمال أثرياء، مثل سيلفيو برلوسكوني في ميلان، وماسيمو موراتي في جاره إنتر، وسيرجيو كرانيوتي في لاتسيو، وكاليستو تانسي في بارما، وفيتوريو تشيكّي غوري في فيورنتينا، وعائلات، مثل عائلتي آنييلي في يوفنتوس وسينسي في روما.


وكانت معظم مصاريف تلك الأندية تقع على عاتق المُلّاك، الذين كانت الأغلبية الساحقة منهم تتباهى بملكيتها، فكان الأمر أبعد ما يكون عن استثمار في لعبة جماعية، بل أشبه بصراع بين مجموعة من الأثرياء على من يملك العدد الأكبر من النجوم.

كانوا يتسابقون للتعاقد مع نجوم اللعبة ومنحهم رواتب ضخمة، أي أن إنفاق تلك الأندية كان كبيراً جداً ومبالغاً به، مقارنة بالمداخيل، ما جعل ميزانياتها سلبية ومصيرها يواجه كارثة حقيقية. كان كبيراً ومبالغاً به لدرجة حتى عائدات نجاح الفرق الإيطالية قارياً وتتويجاتها المُتعددة، لم تكن كافية لتغطيته.

 

مع دخول اللعبة حقبة النقل التلفزيوني على قنوات مشفرة، في النصف الثاني من التسعينات، تأجّل حدوث تلك الكارثةٌ، نظراً لتنوّع مصادر مداخيل الأندية، وارتفاعها بشكل كبير. لكن بدلاً من الاستفادة من هذه الزيادة واستثمارها في الأكاديميات وبناء ملاعب خاصة وتحسين البنية التحتية للعبة، أي بدلاً من استثمارها في ما قد يعود على الأندية بالنفع مستقبلاً، استمر سباق التباهي والإنفاق غير المدروس، مع غياب أي نوع من أنواع الرقابة أو القوانين الضابطة، مثل قانون اللعب المالي النظيف.


مع مرور الوقت، دفعت معظم الأندية ثمن غياب التخطيط لمستقبلها، فلم تعد قادرة على جذب النجوم، بسبب مشكلاتها المالية. تراجع الدوري الإيطالي ولم يعد مُنتجاً جذّاباً كالسابق، ليتفوّق عليه الدوري الإنكليزي والإسباني، بقيادة ريال مدريد وبرشلونة تحديداً. بات الأمر أشبه بتحوّل الكالتشو إلى محطة منه إلى هدف. بات أشبه بحقل تجارب لمشاريع متوسطي دفاع كفوئين، ينتقل من يُثبت نفسه من بينهم إلى مستوى أعلى، حيث الشهرة والمال ومنسوب أعلى من المنافسة والقدرة على المنافسة قارياً.

جاء تياغو سيلفا ثم رحل، ومثله فعل كثيرون، من ماركينيوس إلى أنطونيو روديغر، وغيرهم، إضافة إلى كوليبالي ودي لخت في المركاتو الصيفي الحالي، ليفرغ تدريجياً من وجود نجوم دوليين في مركز متوسط الدفاع.


لا تقتصر المشكلة حالياً على خسارة متوسطي دفاع أجانب لا تُلبّي مغامرة اللعب في الدوري الإيطالي أقصى طموحاتهم، أو على تجنّب آخرين من بينهم المجيء إلى إيطاليا أصلاً، لكنها تمتد لتضرب البلد الذي لطالما تغنّى الجميع بمدافعيه. فمع التحوّل الذي أصاب كرة القدم، تغيّرت متطلبات اللعبة، ولم تعد مهمة متوسطي الدفاع تقتصر على إيقاف نظرائهم المهاجمين، بل تتعداها إلى بناء اللعب وغيرها من الأدوار. أدوارٌ لا يبدو معظم الناشطين حالياً في هذا المركز، من إيطاليين، قادرين على تنفيذها بجودة وكفاءة عاليتين، والسبب الأهم في ذلك، أن الأكاديميات لا يبدو معظمها قادراً على تأهيل مدافعين لديهم ما يكفي من الخصائص المتنوّعة لذلك. لك أن تتخيّل مثلاً، أن متوسط دفاع لاتسيو، فرانشسكو أتشيربي، وزميله، البرازيلي الأصل، لويز فيليبي راموس، وغيرهما، يمثّلان المنتخب الإيطالي، إلى جانب آخرين، معظمهم غير مصنّف من الأساس بين أبرز متوسطي الدفاع في العالم.

 

إضافة إلى ضرورة الاستثمار في الأكاديميات، يحتاج الأمر أيضاً مدربين لديهم فلسفة وأفكار تتماشى مع متطلبات اللعبة، الآخذة في التغيّر يوماً بعد يوم، لتولّي مهام الإشراف على فرق الدرجة الأولى، أملاً بمنح شبان الأكاديميات فرصة تطبيق ما تعلّموه، بصقل مواهبهم ومساعدتهم على النُضج، لأنه عدا ذلك، يبدو صعباً أن تسترد إيطاليا شهرتها وصيتها على مستوى المدارس الدفاعية. باختصار، هناك حاجة لمراجعة عمل منظومة كرة القدم ككل، لأننا في 2022، والقائمين على هذه المنظومة وأصحاب القرار يتصرّفون كأن الزمن توقف في نهاية العقد الأول من الألفية الجديدة، أو حتى قبل ذلك.

 

هل سيترك سكرينيار الدوري الإيطالي في نهاية المركاتو الصيفي؟ لا أحد لديه إجابة مؤكدة، غير أن الأكيد أن المركاتو الصيفي الحالي، يضعنا أمام نسخة من دوري الدرجة الأولى، قد تكون الأفقر، تاريخياً، من ناحية توفّر متوسطي دفاع يتماشون مع متطلّبات اللعبة، في بلدٍ كان في يوم من الأيام منجم ذهب المدافعين.

أخبار ذات صلة