مونديال قطر.. الإعلام الغربي ينحني أمام الحقيقة
23/08/2022 - Super1
الخط
12 عاماً على فوز قطر باستضافة كأس العالم 2022. منذ اليوم الأوّل على إعلان الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» حصول الدولة الخليجية على حق الاستضافة، واجهت قطر جيشاً إعلامياً غربياً، حاول قلب الرأي العام على اتحاد الكرة لسحب الاستضافة. كذِبَ، وحرّضَ، وبحثَ عن كلّ ثغرةٍ بإمكانه أن يستغلّها، حتّى استسلم أخيراً، ليس لاقتراب الموعد، بل لأنّه أدرك، أن الجمهور متحمّسٌ لبطولةٍ من المتوقّع أن تكون استثنائية، وأن قطر، أثبتت للعالم أجمع، أنّها قادرة على تنظيم المونديال بأفضل طريقة، بعدما عرضت ملاعبها ومرافقها الرياضيّة والخدماتيّة والتكنولوجيّة والأمنيّة والصحيّة، وغيّرت أنظمتها، وتخطّت كل العرقلات.
قبل أقل من 90 يوماً على انطلاق المونديال، يبدو واضحاً مدى التغيير في تعامل الإعلام الغربي مع استضافة قطر للبطولة، ولو أن العديد من المؤسسات، لا تزال تُكابر أمام نفسها، على الرغم من انتقاد الجمهور لها.
نظرة مختلفة
في موضوعه الأخير، يكتب الصحافي جوي دورسو في موقع «The Athletic» عن الملاعب التي ستستضيف كأس العالم، بعدما عاينها بنفسه في زيارةٍ صيفيّة. يقول دورسو، خلال «بودكاست» مع الإعلامي مارك شابمان، إن الملاعب «مُذهلة» وإن قطر «على السكّة الصحيحة وجاهزة». دورسو، غرّد عبر حسابه على «تويتر»، بعد زيارته قطر، في أغسطس الماضي: «هذه الرحلة جعلتني أرى الأمور بشكلٍ مختلف. نحن، كغرب، يجب أن ننتبه لما نقوله عن قطر». الصحافي الذي يكتب لموقع «The Athletic» منذ فترة، كتب: «ستكون بطولة كأس عالم لا مثيل لها». هو، كالكثير من الذين يعملون في الإعلام الغربي، غيّروا رأيهم باستضافة قطر كأس العالم، بعدما تابعوا التطوّر على صعيد المنتخبات والأندية والدوري، والملاعب التي شيّدت، والتسويق، والعمل الإعلامي، وسعي الدولة إلى تحقيق كل ما يلزم لتوفير الأجواء المناسبة للجماهير لمتابعة بطولة من المفترض أن تكون مثاليّة، ذلك كلّه، إلى جانب عمل الحكومة على ملف أوضاع حقوق العمّال الأجانب، الذي تغيّر فيه الكثير، مقارنةً بعشر سنواتٍ مضت.
موقع «The Athletic» عينه، الذي يُعد واحداً من أقوى المصادر الصحافية في إنكلترا (علمه أن منشأه في الولايات المتحدة الأميركية)، سبق أن هاجم قطر أكثر من مرّة، خاصةً بما يخص موضوع العمّال الأجانب، أو حقوق المثليين، وربما، لا يزال يريد السير في النهج عينه، لأنه في الـ«بودكاست» الأخير، وضع اقتباساً من كلام جوي، حين قال، «أن أحداً لا يستخدم (المترو). هناك عمّال نظافة أكثر من المسافرين»، علماً أن جوي نفسه، قال إن المترو كان رائعاً ونظيفاً للغاية، وبطبيعة الحال، من زار قطر، يعلم كم أن المترو بات وسيلة نقل مهمّة للغاية لجميع العمّال في الدولة. أساساً، من يريد مترو مزدحماً؟ ولمَ قد يشكو أي زائرٍ إلى قطر من قلّة الزحمة؟
لم ينبهر جوي بالملاعب فحسب، بل حتّى بالحدائق العامّة، التي قال إنها تُشبه حدائق إنكلترا في أبريل «على الرغم من أن الحدائق في إنكلترا حالياً صارت صفراء». يتطرّق حتّى إلى الأمور التي تهم الإنكليز أينما سافروا، كالمشروبات الكحولية مثلاً، التي كان موضع جدلٍ كبيرٍ بين المشجعين، بسبب نشر العديد من المؤسسات الصحافية أخباراً عن منع قطر الكحول في الدولة. جوي، الذي زار البلد، أدرك هو الآخر، أن هذا الأمر غير صحيح.
«قطر سئمت الاعتذار»
يتحدّث الصحافي مات سلاتر في الـ«بودكاست» عينه عن تجربته في قطر. هو أيضاً، يرى أن الدولة أنجزت ما عليها من تشييد الملاعب والطرقات الكبيرة لاستيعاب المشجّعين. بعد أن يختم كلامه، يُسأل جوي، عن ماذا إذا لمس ثقة من أهل البلد بتنظيم المونديال. يقول: «أعتقد أن قطر سئمت الاعتذار. هم واثقون ومتحمّسون وأعتقد أن (البطولة) ستكون رائعة وأن الكثير من الانتقادات ستختفي».
فعلياً، واجهت قطر الانتقادات طوال هذه السنوات. الحكومة كانت على علمٍ بأن العمل كبير، وأنه ثمّة تقصيرٌ في بعض الأمور، وهو ما اعترف به عددٌ من المسؤولين، وكان في ذلك جُرأة بالمواجهة، لكن الدولة الخليجية غيّرت أنظمتها، فحسّنت أوضاع العمّال، وعدّلت بعض القوانين، وتماشت مع الرأي العام العالمي، دون أن تتخلّى عن مبادئها، التي لا تزال تتمسّك بها، على الرغم من مواصلة الهجوم عليها من منظّماتٍ حكوميّةٍ وغير حكومية أجنبيّة، تُدرك هي نفسها، أن بلادها قد تكون أكثر خطراً على مواطنيها، من المخاوف التي تحاول أن تغسل بها عقول الراغبين بحضور المونديال.
رضوخٌ لأمرٍ واقع
بعد إعلان فوز قطر باستضافة المونديال، كتبت شبكة «Bleacher Report» تقريراً فنّدت فيه الأسباب لضرورة عدم استضافة قطر كأس العالم.
أوّل الأسباب، كان «التقليد». برأيهم، عدم مشاركة قطر في كأس العالم سابقاً، هو سببُ مقنع لعدم استضافة البطولة، وعدم تخطّي المنتخب القطري عتبة ربع نهائي كأس آسيا، ووجوده خارج الـ100 الأوائل في تصنيف «فيفا» للمنتخبات، دليلٌ على ضعفه. ردّت قطر بالصعود إلى المرتبة 42، وهي اليوم، في المرتبة 49، على الرغم من كم المباريات القويّة التي خاضها «العنّابي» استعداداً للمونديال. جاء ذلك بعد الظفر بلقب كأس آسيا على الأراضي الإماراتية عام 2019، والتغلّب على منتخبات اليابان والإمارات وكوريا الجنوبية والعراق في الأدوار الإقصائية، التي تأهّل إليها بالعلامة الكاملة من دور المجموعات. استمر المنتخب القطري بتحقيق النتائج الإيجابية بعدما تحوّل إلى مواجهة المنتخبات الأوروبية، وقبل ذلك كان قد شارك في كوبا أميركا والكأس الذهبية، فحقّق نتائج لافتة جداً، قبل استضافة كأس العرب لاحقاً.
سببٌ ثانٍ لعدم استضافة البطولة العالميّة، هو «الحرارة». الموقع ذكر حينها، أن درجة الحرارة تصل إلى 50 درجة. صحيحٌ أن البطولة كانت من المفترض أن تُلعب صيفاً، كما جرت العادة، لكن موعدها عُدّل لاحقاً لما فيه من منفعة للجميع. درجة الحرارة في قطر، خلال نوفمبر وديسمبر، لا تتخطّى الـ32. إنكلترا نفسها، سجّلت درجة حرارة تخطّت الـ40 في يوليو! في مايو الماضي، كتبت قناة «France 24»: «يُعرف عن قطر طقسها الحار، لكنّ مشجعي كرة القدم قد يضطرون لارتداء سترات تقيهم البرد في الملاعب المزودة بأحدث أجهزة تكييف الهواء». سبقت قطر العالم بأحدث تقنيات نظام التبريد في الملاعب، وباتت الأجواء فيها مشابهةً لأي ملعبٍ في أوروبا، على الرغم من أن الطقس هناك، ليلاً، لا يحتاج إلى التبريد أساساً.
ثالث الأسباب، هو عدد السكّان. يقول التقرير: «من المؤكد أن الحضور سيكون في أدنى مستوياته على الإطلاق». قبل أيّام، أعلن الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» عن بيع 2 مليون و450 ألف تذكرة قبل أقل من 100 يوم على انطلاق منافسات البطولة.
أمّا السبب الأهم الذي يمنع قطر من استضافة كأس العالم، بحسب التقرير حينها، فهو الملاعب، ويكفي الإشارة، إلى أن «Bleacher Report» نفسها، نشرت قبل أيامٍ صوراً لاستاد لوسيل، للإشارة إلى جمال واحدٍ من أجمل ملاعب العالم. التقرير يقول: «يجب أن يتم بناء كل الاستادات المقترحة في قطر من الصفر أو أن تخضع لعملية تجديد قاسية». منذ إعطائها الضوء الأخضر، باشرت قطر بتشييد الملاعب المخصّصة للمونديال، وقدّمتها خلال كأس العرب، وكان العالم شاهداً على العمارة الحديثة بكل مرافقها الخدماتيّة، التي تعلو شأناً على معظم الملاعب الأوروبيّة.
سُرعان ما تغيّر رأي الموقع العالمي. عام 2012، نشر مقالاً بعنوان: «قطر 2022: الأسباب الخمسة لنجاح ضخمٍ بتنظيم كأس العالم». الكاتب، براين كانيفير، يرى الأمور من منظورٍ آخر. المسافات القصيرة بالنسبة إلى المنتخبات، والتكنولوجيا المتطوّرة، وتشجيع قطر ودول الشرق الأوسط على التطوّر، وغيرها.
في 16 الشهر الماضي، نشرت الشبكة عبر حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي، صوراً للمباني القطريّة التي تزيّنت بصور لاعبي المنتخبات المشاركة في كأس العالم، وأرفقتها بعبارة «قطر تستعد لكأس العالم».
تكابُر بلا فائدة
تُعد صحيفة «Business Insider»، واحدة من أهم الصحف الرقميّة التي تهتم بعالم المال والتجارة عالمياً، وهي تصدر من الولايات المتحدة الأميركية. منذ اليوم الأوّل لفوز قطر بالتنظيم، إلى يومنا، تواصل الصحيفة الهجوم على الدولة المضيفة، على الرغم من كل الإنجازات التي حققتها، التي ردّت وحدها على جميع تقاريرها، أبرزها، التقرير الذي نُشر فور إعلان الفوز بالاستضافة، في ديسمبر 2010، بعنوان: «الأسباب السبعة التي تجعل كأس العالم في قطر فكرة غبية للغاية». الصحيفة، كما غيرها، فنّدت الأسباب، ومن بينها، التي كانت تُذكر دائماً، عن ضعف المنتخب القطري، وعدد السكان في الدولة، والطقس، والملاعب، إلى جانب أن «فوز قطر يمنع الصين من الاستضافة حتّى عام 2034»؛ الصين التي انسحبت من استضافة بطولة كأس آسيا 2023، التي قد تذهب استضافتها إلى قطر نفسها!
بشكلٍ عام، حارب الإعلام الأميركي قطر منذ اليوم الأوّل، بعدما خسر ملفّها، قبل أن تفوز باستضافة نسخة 2026، إلى جانب المكسيك وكندا، في حين أن قطر كانت قادرة على تقديم نفسها وتأكيد أنّها قادرة لوحدها على تنظيم المونديال، دون مشاركة دولٍ أخرى. الإعلام الإنكليزي أيضاً، بمعظمه، كان مشاركاً في الحملة الممنهجة ضد قطر، لكنّه تراجع لاحقاً.
سواءً كانت قطر، أو روسيا، أو الصين، أو أي دولةٍ أوروبيّة لا تتماشى مع أجندة الاتحاد الأوروبي ومع الولايات المتحدة الأميركية، لم تكن بطولة كأس العالم لتسلَم من الحملة الإعلاميّة الممنهجة، لكن هذه الدولة التي ستكون المنظِّمة الآسيويّة والعربيّة الأولى، فازت بالمعركة، حتّى قبل أن تُطلق البطولة المُرتقبة.

