الصحافة الرياضية.. مهنة المتاعب والأحلام أيضاً
5/07/2022 - حسين ياسين
الصحافة مهنة المتاعب، صحيح جداً، لكن الصحيح أيضاً أنها كانت بالنسبة لي مهنة تحقيق الأحلام
الخط
من أين بدأت الفكرة، يسألني البعض هذا السؤال، أعود بذاكرتي سنوات طويلة سبقت أول دخول لي إلى مؤسسة إعلامية، سنواتٌ كنت أذهب فيها كل يوم في الصباح الباكر إلى مركز توزيع الصحف لأشتري الصحيفة، كنت أشعر بإحساس مميز عندما أحملها وأعود بخطى بطيئة إلى المنزل حيث ينتظرني أخي، أفتح صفحة الرياضة وأحاول أن أقرأ كل أخبارها، عناوينها الكبيرة والصور كانت تعطيني شعوراً جميلاً أبدأ به نهاري، أذهب إلى المدرسة وعندما أعود أُكمل قراءة الصفحات الرياضية حتى آخر حرف فيها..
هكذا بدأت مسيرتي في هذا العالم، عندما أنهيت دراستي وقبل الدخول إلى الجامعة، كنت محتاراً أي اختصاص أختار، أنا القادم من دراسة العلوم الاختبارية، نصحني أحد الاصدقاء في الإذاعة التي كنت بدأت العمل فيها قبل ذلك بسنتين، "لماذا لا تدخل كلية الإعلام فأنت تملك موهبة الصحافة بالفطرة؟" تلك الجملة ساهمت بتغيير حياتي، حتى تلك اللحظة لم أفكر ولو للحظة أن احترف مهنة المتاعب كما يُقال عنها، كانت هواية رائعة، بعدها بدأ طريق تحويل تلك الهواية إلى أساس عملي اليومي، كلية الإعلام، شهادة جامعية، سنوات إضافية من الخبرة قبل التخرّج، برامج تلفزيونية، تعليق إذاعي طبع فترة لا تُنسى بالنسبة لي، سنوات تلت نهاية الحرب الأهلية في لبنان كان فيها الجميع متعطشاً لحياة طبيعية، وكانت كرة القدم متنفساً كبيراً جداً وقتها، ساعدتني الظروف أيضاً.
الهواية التي تحوّلت إلى عملي اليومي هو أفضل ما يمكن للمرء أن يحصل عليه في حياته المهنية، الأمر فيه الكثير من المتعة، فيه الكثير من التعب أيضاً، خاصة كلما ازداد الطموح والنجاح ومعها نوع من الشهرة..
الشهرة، الكلمة التي لم أفكر بها يوماً، لم تكن تعني لي شيئاً، أنا الخجول الذي لم يتوقع أحد من أصدقائه أن يدخل مجال التلفزيون، كل ما كان يعنيني وقتها كان حضور مباريات كرة القدم في لبنان دون دفع ثمن التذاكر، لم يكن المال متوفراً أساساً، الحصول على بطاقة الاعتماد الصحافية والتواجد في ملاعب كرة القدم كان الهدف الاساسي، ثمنه أن أتعب وأجتهد في عملي فليكن، وهكذا سارت الامور.
الذكريات التي تصنع حياتنا لها وقعٌ خاصٌ جداً عندما نستعيدها، الصحافة الرياضية التي عشقتها صنعت أجمل تلك الذكريات، حققت الكثير من الأحلام، لم تكن الطريق سهلة أكيد، لا وجود لطريق سهلة إن كان الهدف فيه أحلامنا، البعض يرى الوصول فقط، لا يريد أن يفكر بكل تلك السنوات التي كان فيها تعب وعثرات، كان فيها محطات تجعلك تقترب من فقدان الأمل قبل أن يدفعك شغفك الكبير إلى الاستمرار وعدم الاستسلام..
الصحافة مهنة المتاعب، صحيح جداً، لكن الصحيح أيضاً أنها كانت بالنسبة لي مهنة تحقيق الأحلام، مهنة تتغلغل في عروقك لتصبح جزءاً من يومياتك حتى وأنت بعيداً عن العمل..
كي تنجح في الصحافة يجب أن تعشق هذه المهنة، هكذا كنت أُحدّث نفسي، التفكير بأي شيء آخر بعدها سيجعل الطريق أقصر والأحلام أقل، فقط الجهد والشغف والثقة توصلك بعيداً..
الفتى الذي كان كل همه أن يدخل هذا العالم كي يشاهد مباريات الدوري اللبناني دون أن يتحمّل مصاريفها التي كانت أكبر من قدراته المالية، يكتب هذه السطور بعدما أوصله شغفه ومحبته للصحافة الرياضية إلى تحقيق أحلام لم يكن يجرؤ حتى على التفكير بها، تغطية المونديالات وبطولات أمم أوروبا، وكوبا أميركا، ودوري الأبطال وبطولات أخرى، المباريات النهائية لكل تلك البطولات الكبيرة، والأهم بالنسبة له، سنوات الدوري الذي عشقه أولاً وأخيراً، وما يزال، سنوات الكالتشو..
كلما أفكر بذلك أغمض عيني وأشكر الله كثيراً، أشعر مجدداً بتلك السعادة التي كانت تغمرني عندما أفتح صفحة الرياضة في الجريدة التي كنت أشتريها لأخي كل صباح، مرّت سنوات طويلة، مرّ الكثير من العمر، تحققت فيه الأحلام، بقي ذلك الشغف والحب لهذه المهنة، هي مهنة المتاعب لكنها قبل كل ذلك وبعد كل ذلك، هي مهنة الأحلام بالنسبة لي..
كل عام وجميع الزملاء بألف خير..