كأس العالم – إنكلترا 1966 اللقب في أحضان.. أمّ اللعبة (الجزء الأول)
28/06/2022 - محمد حمادة
البرتغالي أوزيبيو (بالقميص الأبيض) هداف مونديال 1966
الخط
أدارت إنكلترا ظهرها لكأس العالم في نسخها الثلاث الأولى من 1930 إلى 1938، فما أن "تواضعت" وشاركت فيها عام 1950، حتى تبيّن لها أنها باتت متخلفة عن الركب فنياً، وتأكد لها ذلك في النسخ الثلاث التالية من 1954 إلى 1962. طلبت تنظيم المسابقة الثامنة، فكان لها ما أرادت عندما تخطت منافستها الوحيدة ألمانيا الغربية بأغلبية 34 صوتاً مقابل 27، خلال كونغرس "الفيفا" بتاريخ 22 أغسطس 1960 في روما، ثم تخطتها مجدداً في مباراة القمة التي كان استاد ويمبلي مسرحاً لها في 30 يوليو 1966، لترتمي الكأس في أحضان الأمّ التي أنجبت اللعبة.
إنجاز إنكليزي مبرمج
لا غبار على نتيجة التصويت، لكن الغبار الذي أفرزته مباراة القمة في دقيقتها الـ101 كان كثيفاً، وقد أثار جدلاً فريداً من نوعه في تاريخ المسابقة: هل تجاوزت الكرة التي سددها جوف هيرست خط المرمى الألماني أم لم تتجاوزه عندما كانت النتيجة 2-2؟
الجواب هو نعم بالنسبة إلى الحكم السويسري غوتفريد دينست، بعدما استشار حامل الراية السوفياتي توفيق بخراموف، ولكن عندما أعيدت اللقطة عبر الفيديو لاحقاً، أو عندما تم تشريح الصور بدا الأمر مختلفاً، ودراسات "علمية" عدة، منها واحدة في "أمبريال كوليدج" بلندن قادها دنكان جيليز، وأخرى في دائرة علم الهندسة بجامعة أوكسفورد قادها إيان ريد وأندرو زيسرمان، أكدت وبشكل قاطع أن الكرة لم تتجاوز خط المرمى بكامل محيطها. تقدمت إنكلترا بالتالي 3-2 ثم فازت 4-2 مع هدف جديد سجله هيرست في الدقيقة الأخيرة، وهو الوحيد حتى اليوم الذي هز الشباك 3 مرات في لقاء القمة.
أما تفاصيل الهدف الشهير فهي كالتالي: مرر ستايلز الكرة إلى ألن بول، ومن هذا الأخير إلى هيرست، الذي قذفها بقوة لترتد من العارضة إلى الأرض، ثم حولها قلب الدفاع الألماني فيبر إلى ركنية، لكنها لم تُنفّذ لأن الحكم احتسب هدفاً. وكم كان هيرست صريحاً عندما صرّح يوماً ما: "لا أستطيع أن أؤكد ما إذا كان الهدف صحيحاً أو غير صحيح، لأنني سقطت أرضاً من قوة التسديدة" ولم يكن ممكناً أبداً أن أرى خط المرمى.
مرت 9 سنوات، ثم كانت المباراة الودية بين إنكلترا وألمانيا الغربية (انتهت إنكليزية 2-0) على الملعب عينه في 2 مارس 1975، وقبل أن يبدأ الألمان الحصة التدريبية، ولم يكن المرميان قد وضعا في مكانيهما، كان لافتاً ما قاله مازحاً قائد المنتخب الألماني فرانتس بكنباور، الذي خاض نهائي 1966، لزميله الظهير بيرتي فوغتس: "لقد نقلوا الأدلة"!
وكثر الكلام حول السيناريو الذي وُضع كي تكون إنكلترا في وضع يقرّبها من اللقب للمرة الأولى في تاريخها:
أولاً، هي الوحيدة التي لعبت جميع مبارياتها (6) في استاد ويمبلي، في تدبير لم يتكرر، وإذا حصل هذا مع منتخب الأوروغواي خلال مونديال 1930، فبسبب النقص في المنشآت، علماً بأن كل مباريات المونديال الأول أقيمت في العاصمة مونتفيديو.
مثل هذه الأفضلية عام 1966، اعتبرها البعض انحيازاً واضحاً من رئيس "الفيفا" في ذلك الوقت، الإنكليزي ستانلي راوس، هو الذي كان أميناً عاماً للاتحاد الإنكليزي للعبة من 1934 إلى 1962.
ثانياً، كان هناك تظلُّم من المنتخبات الأميركية الجنوبية الثلاثة (البرازيل والأرجنتين والأوروغواي) من التحكيم لدرجة أن رئيس "الفيفا" السابق، البرازيلي جواو هافيلانج، قال بالحرف الواحد في 26 يونيو 2008: "تمت برمجة كل شيء في مونديالي إنكلترا 1966 وألمانيا الغربية 1974 لتمكين الدولتين المنظمتين من إحراز اللقب. في مونديال 1966 لعبت البرازيل في الدور الأول ضد البرتغال والمجر وبلغاريا، وقاد المباريات الثلاث 3 حكام و6 حاملي راية هم 7 إنكليز و2 ألمان. كان المهم إبعاد البرازيل. وقاد إنكليزي مباراة ألمانيا والأوروغواي، كما قاد ألماني مباراة إنكلترا والأرجنتين. وليس من قبيل الصدفة أبداً أن تبلغ إنكلترا وألمانيا الغربية المباراة النهائية".
في المباراة ضد المجر، ألغى الحكم الإنكليزي كينيث داغنول هدفين للبرازيل فخسرت 1-3، وفي المباراة ضد البرتغال تعمّد "الجزّار" مورايش إصابة بيليه، من دون أن ينال اللاعب البرتغالي أي إنذار لا من الحكم الألماني ولا من مساعديْه الإنكليزيين. وعندما أُعد حفل استقبال للمنتخب البرازيلي في مدينة ليفربول، ضلّت الحافلة طريقها فوصل المنتخب متأخراً ساعة كاملة. وبالنسبة إلى منتخب الأرجنتين، فإنه عندما توجه إلى المعسكر التدريبي في مدينة بولتون كان عشب الملعب عالياً جداً، ولم يكن هناك مرميان، فتم الاتفاق مع أحد النجارين ليصنع القوائم، كما تمت استعارة عارضتين من ناديي أستون فيلا ووست برومتش ألبيون!
سطو هنا.. حيوانات هناك
أما مجريات مباراة الأرجنتين وإنكلترا في ربع النهائي، فوصفها الأرجنتينيون بأنها "سطو"، وخلعوا عليها اسم "سطو القرن". فبعد 35 دقيقة، طرد الحكم الألماني رودولف كرايتلاين، قائد المنتخب الأرجنتيني أنطونيو راتّين لحصوله على إنذارين، الأول عندما خاشن بوبي تشارلتون مطلع المباراة، والثاني لخطأ ارتكبه ضد جوف هيرست مع أن الكرة كانت في جانب آخر من الملعب. تصرف راتّين لم يعجب الحكم والصحف الإنكليزية ذكرت أن الأمر يتعلق بـ"عنف شفهي"، أي بشتيمة مع أن الحكم لا يعرف الإسبانية وأن اللاعب الأرجنتيني هو محامي ويتقن الإنكليزية. بعد 8 دقائق استؤنف اللعب إثر خروج راتّين، وسجل هيرست هدف المباراة في الدقيقة 78، فاحتج الأرجنتينيون لأن الهدف جاء من تسلل حسب رأيهم، هم الذين تلقوا 3 بطاقات صفراء وواحدة حمراء. وفي نهاية اللقاء، وصف المدرب آلف رامزي لاعبي الأرجنتين بـ"الحيوانات" من دون أن يُعاقب. وتعليقاً على ما حدث للأرجنتين، ذكر أوزيبيو نجم البرتغال وهداف الدورة قبل لقاء منتخبه مع نظيره صاحب الأرض: "يبدو لي أن الحكم لم ير إلا أخطاء الأرجنتينيين وغض النظر كلياً عن أخطاء الإنكليز".
وبالنسبة إلى الأوروغواي، فخسرت أمام ألمانيا الغربية صفر 0-4، بعدما طرد لها الحكم الإنكليزي جيمس فيني لاعبيْن، هما هوراسيو تروتشي وهكتور سيلفا في الدقيقتين 49 و54، وقد جاءت الأهداف الألمانية الثلاثة الأخيرة في الدقائق العشرين الأخيرة.
واكتملت حلقات "السيناريو الإنكليزي الناجح" في لقاء القمة مع ألمانيا الغربية في ويمبلي أمام 93 ألفاً و800 متفرج.
بيكلز أشطر من سكوتلانديارد
ولكن، قبل مباراة القمة، كانت هناك مباراة من نوع آخر خاضتها شرطة العاصمة اللندنية "سكوتلانديارد"، فخسرتها أمام الكلب "بيكلز" أي "الكلب مخلل". ما حدث هو أن الاتحاد الإنكليزي تسلّم في يناير 1966 من نظيره البرازيلي كأس جول ريميه، التي فاز بها "السيليساو" قبل 4 سنوات، وذلك حتى تُعرض على الجمهور قبل أشهر عدة من انطلاق النسخة الثامنة في 11 يوليو، ثم وافق مسؤولو الاتحاد على أن تُوضع داخل خزانة زجاجية في مبنى "سنتر هول" بمنطقة وستمينستر اللندنية في مناسبة معرض "الطوابع والرياضة". وفي هذا المعرض طوابع نادرة قدمتها الدول الـ16 المشاركة في كأس العالم وقيمتها نحو 3 ملايين جنيه إسترليني.
يوم الأحد 20 مارس، تم الإعلان عن سرقة الكأس المؤمّن عليها بمبلغ 30 ألف جنيه، فتساءل الجميع: لماذا سُرقت الكأس ولم تُسرق الطوابع؟
خُصصت جائزة بقيمة 3 آلاف جنيه لمن يجد الكأس، وتحركت الشرطة في كل مكان، وبادر الاتحاد الإنكليزي ومن دون أن يُعلِم "الفيفا" إلى تكليف الجوهرجي جورج بيرد بصنع نسخة عن الكأس إذا لم يتم العثور على النسخة الأصلية.
بعد أسبوع واحد، الأحد 27 مارس، جرى ديفيد كوربت يرافقه كلبه بيكلز إلى مركز الشرطة القريب من منزله في منطقة نوروود جنوب شرق لندن، وقدّم الكأس المسروقة. ولاحقاً روى كوربت أنه عندما كان في نزهته اليومية مع كلبه البالغ من العمر 4 سنوات بالقرب من منزله، توقف بيكلز فجأة أمام شجيرة وُضعت تحتها رزمة ورق ملفوفة بالخيطان، فتناولها وفكها لتظهر الكأس. صار "مخلل" بطلاً قومياً وحل ضيفاً على المباراة النهائية! وفي المعرض الوطني لكرة القدم بمدينة مانشستر، تم إيداع الكأس المنسوخة والقلادة التي كانت تحيط بعنق بيكلز.
ضيفان جديدان مُبدعان
قاطعت الدول الإفريقية الدورة، فخصص "الفيفا" 9 بطاقات تتنافس عليها أوروبا (فضلاً عن عاشرة لإنكلترا المنظمة) و3 لأميركا الجنوبية (فضلاً عن رابعة للبرازيل حاملة اللقب) و1 لأميركا الشمالية والوسطى و1 لآسيا-أوقيانيا. وسبب المقاطعة هو أن "الفيفا" لم يضمن لإفريقيا بطاقة كاملة في النهائيات.
عملياً، خاضت منتخبات 51 دولة مباراة واحدة على الأقل في التصفيات، التي سُحبت قرعتها في 31 يناير في زيوريخ، وقد جرت من 24 مايو 1964 إلى 29 ديسمبر 1965، وشهدت تسجيل 393 هدفاً في 127 مباراة، بمعدل 3.09 أهداف في المباراة الواحدة.
بالتزكية، وبسبب الانسحابات الأفريقية والآسيوية من التصفيات، وقف منتخبا كوريا الشمالية وأستراليا وجهاً لوجه عند الخط النهائي، ففازت الأولى 6-1 و3-1 في بنوم بنه وأطلّت على النهائيات للمرة الأولى. أقيمت المباراتان في كوريا الشمالية، لأن أستراليا لم تمنح الكوريين الشماليين تأشيرات دخول لعدم وجود علاقات دبلوماسية بين البلدين. سجل باك سيونغ زين 3 من الأهداف الكورية التسعة، كما سجل باك دوو إيك هدفاً واحداً، هو الذي سيسجل واحداً آخر في شباك إيطاليا في النهائيات.
دولة ثانية أطلت على النهائيات للمرة الأولى وهي البرتغال، التي حلت أولى في مجموعتها ضمن التصفيات، تاركة المركز الثاني لتشيكوسلوفاكيا ثانية مونديال 1962 (يوغوسلافيا ثالثة مونديال 1962 لم تتأهل أيضاً). وإطلالة البرتغال لم تكن مفاجئة لأن ناديها بنفيكا دخل التاريخ من أوسع أبوابه، عندما وضع حداً لهيمنة ريال مدريد على كأس أبطال أوروبا 5 مواسم متتالية. ففي موسم 1960-1961، أحرز بنفيكا اللقب على حساب برشلونة 3-2، وسجل له الموزامبيقي الأصل ماريو كولونا الهدف الثالث. وفي الموسم التالي احتفظ بنفيكا باللقب حين تغلب على ريال مدريد 5-3، مع هدف لكولونا وهدفين للموزامبيقي الآخر أوزيبيو الذي شارك في النهائي للمرة الأولى وكان في سن العشرين. ومع هذْين اللاعبيْن حجزت البرتغال بطاقة تصفيات 1966 لتبدع في النهائيات.
سُحبت قرعة النهائيات في 6 يناير 1966 في لندن، وقبل الافتتاح رشّحت مكاتب المراهنات البرازيل للفوز باللقب 9/4 على حساب إنكلترا 9/2، أما ألمانيا الغربية فلم يرشحها إلا 1 من كل 25. رؤوس المجموعات كانوا المنتخبات الثلاثة المذكورة، فضلاً عن إيطاليا.
في الدور الأول، وضمن المجموعة الأولى التي أقيمت كل مبارياتها في استاد ويمبلي (باستثناء واحدة بين الأوروغواي وفرنسا)، تعادلت إنكلترا والأوروغواي 0-0 في لقاء الافتتاح أمام 87 ألفاً و148 متفرجاً.. دافع المنتخب الضيف طويلاً، وسنحت للمنتخب المضيف فرصاً قليلة، منها واحدة من كونيللي في العارضة. وتعادلت المكسيك وفرنسا 1-1. سجل بورخا (48) وهوسّيه (62) الهدفين.
في الجولة الثانية، تغلبت الأوروغواي على فرنسا بهدفين لروشا (26) وكورتيس (31) مقابل هدف واحد لبورغوان (5 من ركلة جزاء)، وإنكلترا على المكسيك 2-0 سجلهما بوبي تشارلتون (37) وهنت (75).
في الجولة الأخيرة، تعادلت الأوروغواي والمكسيك 0-0، وكانت تلك المباراة الـ11 للحارس المكسيكي أنطونيو كارباخال في 5 دورات متتالية، من 1950 إلى 1966.
حلّت إنكلترا أولى في المجموعة أمام الأوروغواي بعدما تخطت فرنسا 2-0 سجلهما هنت (38 و75)، والهدف الأول كان من تسلل حسب رأي الفرنسيين الذين لعبوا عملياً بـ10 أفراد، بعدما تعمّد نوبي ستايلز إصابة روبير هربان.
في المجموعة الثانية، فازت المانيا الغربية على سويسرا 5-0 سجلها هيلد (16) وهالر (21 و77 من ركلة جزاء) وبكنباور (40 و52). وكان بكنباور يلعب قلباً للدفاع ويشق طريقه بالكرة بمهارة لافتة، ثم يسدد ولم يكن قد بلغ سن الحادية والعشرين.
كذلك فازت الأرجنتين على إسبانيا 2-1. سجل للفائز أرتيم (65 و77) وللخاسر بيري (71).
وعوضت إسبانيا عندما هزمت سويسرا 2-1. تقدّم الطرف الخاسر في الدقيقة 28 بواسطة كنتان، ورد الطرف الرابح في الشوط الثاني عبر سانشيز (57) بمجهود فردي من خط المنتصف، ثم أمانسيو (75) بتمريرة من خنتو جناح أيسر ريال مدريد.