كأس العالم – تشيلي 1962 غارّينشا.. عصفور من ذهب (الجزء الأول)

لُقّب غارّينشا بـ"أليغريا دو بوفو" أي "فرحة الشعب"

الخط

عندما تقود منتخب بلادك إلى إحراز كأس العالم فأنت أكثر من لاعب، وعندما تكون محبوباً لدى البرازيليين أكثر من بيليه، فأنت أكثر من عبقري. وإذا كان بيليه هو "الملك"، فإن غارّينشا هو "أليغريا دو بوفو" أي "فرحة الشعب".


إنه مانويل فرانسيسكو دي سانتوش، المعروف باسم غارّينشا، الذي اختاره الاتحاد الدولي ضمن تشكيلته المثالية للقرن العشرين، اعترافاً منه بأنه أعظم جناح على مر التاريخ. تألق في مونديال 1958، بيد أن بيليه خطف منه الأضواء، ومع إصابة هذا الأخير في مونديال 1962، تركّزت الأنظار والآمال والطموحات على فنان استعراضي من القطع النادر، فلم يخيب الظن. وتالياً، وبفضل عصفور ذهبي، بقيت الكأس الذهبية في جيب البرازيل على غرار ما فعلت إيطاليا في 1934 و1938.


ابن مدرسة الفقر أطلقت عليه شقيقته روزا لقب غارّينشا (عصفور استوائي صغير يصعب الإمساك به) بسبب مشيته وحيويته. ساقان مقوستان و6 سنتيمترات هو الفارق في الطول بين ساقه اليمنى وساقه اليسرى. مع ذلك، فإن ما من خصم راقبه داخل المستطيل الأخضر إلا وفقد توازنه، من دون أن يفقد هو بالذات هذا التوازن رغم عاهته الجسدية. عندما يكون في "الفورمة"، فإن الملعب يتحول إلى "سيرك". رفضته أندية كبيرة عدة في ريو دي جانيرو، منها فلامينغو وفاسكو دا غاما، إلى أن رآه عام 1953 لاعب بوتافوغو (أحد أندية الريو الذائعة الصيت أيضاً) أراتي فيانا، فوُّجهت اليه دعوة للتدريب مع هذا الفريق، وخاض مباراة تجريبية أمام ظهير أيسر المنتخب نيلتون سانتوش، فقال الأخير: "الوافد الجديد فرض عليّ الرقص داخل الملعب للمرة الأولى في حياتي، وطلبت ضمه إلى الفريق الأول، لأنني لم أكن أريد أبداً أن ألعب ضده مرة جديدة!".


في مباراته الأولى مع بوتافوغو، في يوليو 1953، سجل غارّينشا 3 أهداف في شباك فريق بونسوسيسّو، ولكن تسجيل الأهداف كان همه الثاني، أما الأول فكان المراوغة لأنه يحب الإستعراض وإمتاع الجماهير، ومن هنا بالذات جاء لقبه "فرحة الشعب". بالنسبة إلى البرازيليين، بيليه يُمثّل الفوز وغاريّنشا يُمثّل المتعة. ويُروى أن لاعب فلوميننسي الشهير تيليه سانتانا قال لنيلتون سانتوس يوماً ما: "أنتم تتقدمون علينا بـ6-2، وضمنتم إحراز دوري ريو دي جانيرو، ولذا أرجو أن تطلب من غارّينشا أن يتوقف عن تعذيب مدافعينا!". 


ابن مدينة باو غراندي الصغيرة في ولاية الريو، خاض مباراته الدولية الأولى في 18 سبتمبر 1955 ضد تشيلي 1-1، وضمه مدرب المنتخب فيسنتي فيولا إلى تشكيلته التي خاضت مونديال 1956، من دون أن يشركه في المباراتين الأوليين ضد النمسا وإنكلترا، لأنه لا يعرف للمسؤولية معنى، فقبل الدورة، لعب المنتخب ضد فيورنتينا الإيطالي، وخلالها "غربل" 4 منافسين وانفرد بالشباك، لكنه لم يسدد، بل انتظر نهوض الحارس مجدداً ليراوغه مجدداً ويسجل هدفاً. استفزاز رائع بالنسبة إلى البعض وعدم شعور بالمسؤولية بالنسبة إلى البعض الآخر. لكن، لعب غارّينشا المباراة الثالثة وكذلك بيليه. وعندما كان النابغتان يلعبان جنباً إلى جنب، لم تعرف البرازيل أبداً طعماً للخسارة. وبعد الإنجاز الذي تحقق في 1956، فإن "الملك" خاض مباراة في مونديال 1962 وأصيب في الثانية ثم غاب تماماً، فلم يفوّت غارّينشا الفرصة لكي يقود "السيليساو" إلى الاحتفاظ باللقب، فاختير أفضل لاعب في الدورة.

 

ذات الطائرة.. نفس القبطان
قبل التوجه إلى تشيلي، اجتمع الرئيس البرازيلي جواو غولارت في مقره في برازيليا بالمنتخب وجهازه الفني، وقال لهم بالحرف الواحد: "عليكم الاحتفاظ بكأس العالم لأنها فخر بلادنا. هي التي تُنسي الشعب مشكلاته الاقتصادية، ولذا فهي أغلى من الرز". ودعا الاتحاد البرازيلي للعبة جميع اللاعبين الذين شاركوا في مونديال 1958 ثم اعتزلوا إلى حضور مونديال تشيلي، باستثناء المدرب فيسنتي فيولا بداعي المرض. ولأن البرازيليين يؤمنون بالخرافات، فإن اللاعبين لبسوا على غرار ما فعلوا في كأس العالم السابقة، وتوجهوا إلى تشيلي على متن الطائرة عينها التي أقلتهم إلى السويد، وحتى قبطان الطائرة كان هو نفسه.


أقيم المونديال السابع من 30 مايو إلى 17 يوليو، بمشاركة 16 منتخباً، على رأسها التشيلي صاحب الضيافة والبرازيلي حامل اللقب. واختيرت تشيلي خلال اجتماع "الفيفا" في 9 يونيو 1956 في لندن، حيث حصلت على 31 صوتاً مقابل 12 لمنافستها الوحيدة الأرجنتين، مع امتناع 13 دولة عن التصويت.


عملياً، شاركت 51 دولة في التصفيات التي سحبت قرعتها في 28 فبراير 1960، بمدينة بازل السويسرية، لانتزاع البطاقات الـ14، ومنها 8 لأوروبا و3 لأميركا الجنوبية. أما البطاقات الثلاث الأخيرة، فابتُكرت صيغة جديدة للمنافسة عليها، وقد انتزعت أوروبا إثنتين منها وكانت الثالثة من نصيب المكسيك ممثلة الكونكاكاف. أقيمت المباريات، وعددها 92، من 21 أغسطس 1960 إلى 16 ديسمبر 1961، وسُجّل فيها 325 هدفاً بمعدل 3.53 في المباراة الواحدة.

 

المغرب ونجوم ريال مدريد  
بالنسبة إلى المنتخبات العربية، فقد انسحبت الجمهورية العربية المتحدة والسودان، وشارك المغرب وتونس للمرة الأولى في التصفيات فتبادلا الفوز 2-1. في الدار البيضاء، بتاريخ 30 أكتوبر 1960، أمام 12 ألف متفرج، فاز المغرب 2-1 (محمد خالفي 33 وعبدالله أزهر 60 من ركلة جزاء  للمغرب، وراشد مدبّ 43 لتونس). وفي المنزه، بتاريخ 13 نوفمبر، فازت تونس 2-1 (عبدالمجيد شتالي 47 وعبدالمجيد تلمساني 60 لتونس، وأحمد بن العربي "شيشة" 64 للمغرب). ثم كانت مباراة ثالثة، بتاريخ 22 يناير 1961، في باليرمو بإيطاليا، فتعادلا 1-1 (عبدالله أزهار 35 للمغرب، وإبراهيم كيريت 88 لتونس) ثم سحب الحكم الإيطالي كونشيتو لو بيلّو القرعة وفاز المغرب. ثم تخلص المغرب من غانا 0-0 و1-0 (محمد خلفي 37) في أكرا والدار البيضاء، بقيادة الحكم المصري حسن فهمي. 


وأخيراً لعب المغرب أمام إسبانيا، التي عززت صفوفها بثلاثة مجنسين من المشاهير، وهم نجوم ريال مدريد بطل أندية أوروبا الأرجنتيني ألفريدو دي ستيفانو والمجري فيرينك بوشكاش والأوروغوياني خوسيه سانتاماريا، وقد سبق لهذين الأخيرين أن شاركا في مونديال 1954. في الدار البيضاء، أمام 26 ألف متفرج، فازت إسبانيا 1-0 سجله دل سول في الدقيقة 80، وفي مدريد، في استاد برنابيو، أمام 26 ألفاً و490 متفرجاً، فازت إسبانيا 3-2، وسجل لها مارسيلينو (11) ودي ستيفانو (44) وكولار (60) وللمغرب محمد رياحي (40) وعبدالله بن بارك (65).


وفي آسيا، تخلصت كوريا الجنوبية من اليابان، ولكنها خسرت بعد ذلك أمام يوغوسلافيا. وفازت المكسيك بتصفيات الكونكاكاف، وتغلبت في نهاية المشوار على الباراغواي.


وفي أوروبا سجلت مفاجأتان، حيث أخفقت السويد وفرنسا ثانية وثالثة مونديال 1958 توالياً. تعادلت فرنسا وبلغاريا في عدد النقاط، ثم فازت بلغاريا 1-0 في مباراة فاصلة، كما فازت سويسرا على السويد 3-2 في مباراة فاصلة.

 

زلزال فالديفيا
في 22 مايو 1960، تعرّضت تشيلي لزلزال هو الأعنف في التاريخ، حيث بلغت درجته بين 9.5 على مقياس ريختر، واستمر نحو 10 دقائق. مركز الزلزال كان في لوكامو على بعد 570 كيلومتراً من العاصمة سانتياغو، أما المدينة الأكثر تضرراً فكانت فالديفيا. وشهدت شواطئ أكثر من دولة تقع على المحيط الهادىء، على غرار اليابان ونيوزيلندا والفيليبين وجزر ساموا وهاواي فيضانات أو "تسونامي" من جراء الزلزال. وما حصل فرض على اللجنة المنظمة لكأس العالم أن تغير روزنامة المسابقة كلياً، فأقيمت المباريات في 4 استادات فقط ضمن مدن سانتياغو (الاستاد الوطني – 66 ألف متفرج)، وفينا دل مار (استاد ساوساليتو – 18 ألفاً)، ورانكاغوا (استاد برادن كوبر – 18 ألفاً) وأريكا (استاد كارلوس ديتبورن – 17 ألفاً و700).


سُحبت قرعة النهائيات يوم 18 يناير 1962 في سانتياغو، ووضعت البرازيل وإنكلترا وإيطاليا والأوروغواي على رأس المجموعات الأربع. التعديل الوحيد في نظام المسابقة هو في كيفية ترتيب المنتخبات في كل مجموعة إذا ما تعادل اثنان أو أكثر في عدد النقاط، حيث اعتمد معيار فارق الأهداف وألغي نهائياً اللجوء إلى مباراة فاصلة. وفي أدوار خروج المغلوب، تُسحب القرعة في حال استمر التعادل بعد الشوطين الإضافيين، والاستثناء الوحيد هو المباراة النهائية حيث تعاد هذه المباراة، لكن إذا ما بقي التعادل فارضاً نفسه في مباراة الإعادة يتم اللجوء إلى القرعة.

.. ومعركة سانتياغو      
في الدور الأول الذي أقيمت مبارياته من 30 مايو إلى 7 يونيو، وضمن المجموعة الأولى، فازت الأوروغواي على كولومبيا 2-1. سجّل لويس كوبيّا (56) وخوسيه ساسيا (75) للفائز وزولواغا (19) من ركلة جزاء للخاسر. وبسبب الخشونة لم يكمل زولواغا المباراة، حيث كُسرت 3 من أضلاعه ولم يلعب دولياً مرة أخرى.


وتغلب الاتحاد السوفياتي، مع حارسه ليف ياشين، على يوغوسلافيا 2-0، سجّلهما إيفانوف (5) وبونيدلنيك (83)، في إعادة لنهائي بطولة أوروبا 1960. وترك دوبينسكي قلب المنتخب الفائز الملعب في الدقيقة 80، لأن منافسه مويتش تسبب له بكسر في ساقه ولم يكمل أي منهما الدورة (مويتش بالذات عاد إلى بلاده على الفور بقرار من إدارة المنتخب).


وفازت يوغوسلافيا على الأوروغواي 3-1. سجل للفائز سكوبلار (25 من ركلة جزاء) وغاليتش (29) ويركوفيتش (49)، وللخاسر كابريرا (19). وطرد الحكم التشيكوسلوفاكي، كارول غالبا، لاعب الوسط اليوغوسلافي بوبوفيتش، والمهاجم الأوروغوياني كابريرا في الدقيقة 71 بسبب شجار دار بينهما. 


وفرّط الاتحاد السوفياتي في فوز كان في متناوله أمام خصم كولومبي جديد على المسابقة. فبعد 11 دقيقة فقط، تقدم السوفيات 3-0 (إيفانوف 8 و11 وتشيسلينكو 10)، ثم 4-1 بعد 56 دقيقة (أسيروس 21 لكولومبيا، وبونيدلنيك 56 للاتحاد السوفياتي)، إلى أن سُجلت 3 أهداف كولومبية خلال 8 دقائق فقط (كول 68 ورادا 72 وكلينغر 76) لتنتهي المباراة 4-4.


وفي الجولة الثالثة والأخيرة، فاز الاتحاد السوفياتي على الأوروغواي 2-1. خطف إيفانوف الفوز قبل نهاية اللقاء بدقيقة واحدة، وقبل ذلك سجل زميله ماميكين هدف السبق بعد 38 دقيقة، وعادل ساسيا النتيجة في الدقيقة 54.


ومع الاتحاد السوفياتي، تأهلت يوغوسلافيا إلى الدور الثاني بعدما اكتسحت كولومبيا 5-0، وسجل لها غاليتش (20 و51) ويركوفيتش (25 و87) وميليتش (82).


وأقيمت مباريات المجموعة الثانية على استاد سانتياغو، وهو الأكبر بين الاستادات الأربعة، باعتبار أن المجموعة تضم منتخب تشيلي، الذي هزم سويسرا 3-1 في مباراة الافتتاح أمام 65 ألف متفرج. وارتعب الجمهور المحلي لأن فوتريش افتتح التسجيل للضيوف بعد 5 دقائق فقط، إلى أن رد منتخبه بثلاثة أهداف سريعة عبر ليونيل سانشيز (44 و55) وراميريز (51).


وانتهى لقاء ألمانيا الغربية وإيطاليا من دون أهداف بحضور 66 ألفاً و57 متفرجاً. أداء ألماني "ناشف" بدنياً، ودفاع إيطالي قوي بقيادة تشيزاري مالديني، علماً بأن صفوف الإيطاليين ضمت 3 مجنسين، هم الأرجنتينان سيفوري وماسكيو والبرازيلي ألتافيني.


 

للكاتب أيضاً