نكبة إيطاليا: أسبابها وتداعياتها..
29/03/2022 - حسين ياسين
الخط
كيف يمكن لأحد افضل مسددي ركلات الجزاء في العالم أن يضيع ركلتين أمام سويسرا، وكيف يمكن لبيراردي أن لا يسجل في المرمى الخالي، وكيف يمكن لفريق أن يصنع ما يقارب 40 محاولة للتسجيل ولا يسجل، وكيف يمكن لمهاجم أن يفشل في كل المباريات المهمة ويستمر أساسياً، وكيف يمكن أن يفشل بطل أوروبا بالفوز على أرضه على بلغاريا، وكيف وكيف وكيف.. هي الأسئلة التي ملأت كل وسائل الإعلام في إيطاليا بعد نكبة باليرمو، ملأت وسائل التواصل، يتناقلها الناس في صباحاتهم التي ستنتظر على الأقل لأربع سنوات جديدة حتى يشاهدوا فيها منتخبهم يلعب المونديال، ومن حسن حظهم ربما أنه قد تم رفع عدد المنتخبات المشاركة.
ماذا حصل من ويمبلي إلى باليرمو..
ثمانية أشهر تقريباً هي المدة الفاصلة بين الإنجاز الكبير في ويمبلي والخيبة الهائلة في باليرمو، هي فترة قصيرة جداً قياساً لحجم التغيير، لا يمكنها أن تكون نتاجاً طبيعياً، وعملياً هي لم تكن كذلك أبداً.
في ويمبلي وصلت إيطاليا إلى القمة، استحقت ذلك من دون أدنى شك، ما عدا مباراة إسبانيا، كانت الطرف الأفضل على أرض الملعب في كل مبارياتها، بما فيها النهائي أمام إنكلترا، نجح مانشيني بشكل رائع بالوصول بالمنتخب إلى مكان لم يتوقعه أحد، أسلوب جديد على إيطاليا، المديح هبط عليه من كل مكان، الكلام عن أن مانشيني من خلال الأسلوب وجد أفضل حلّ لتعويض المستوى الفردي للاعبيه، مستوى مهاجمين لا يُقارن مثلاً بمهاجمي إنكلترا أساسيين واحتياطيين، لكن الفوز كان لإيطاليا، وحده ربما كييزا يمكن أن يقارن بكبار المهاجمين في أوروبا، أما البقية فعلى الأرجح لن تجد مكاناً أساسياً في أندية الصف الأول في إنكلترا.
التوقف عند المضمون الذي كان يملكه مانشيني مهم جداً، يساعد على فهم ما حصل، إيطاليا فازت باللقب الاوروبي لأنها كانت مثالية في كل شيء تقريباً، اللاعبون قدموا أقصى ما عندهم، وأحياناً أكثر، والحظ وقف دائماً إلى جانب إيطاليا، لكن الأمور بعد ويمبلي تغيرت تماماً، اللاعبون لم يقدموا أبداً أقصى ما عندهم والحظ أدار ظهره بشكل كبير للمنتخب، من إصابة كييزا إلى ركلات الجزاء والفرص الضائعة.
العقم الهجومي كان حاسماً
سؤال صغير طرحه البعض، يساعد كثيراً على فهم نتائج إيطاليا ويوفر الكثير من التحليلات التي يذهب البعض منها إلى أسباب ونتائج لا تمت إلى الواقع بصلة، ماذا لو كان ليفاندوفسكي مثلاً أو هالاند مهاجم إيطاليا بدلاً من إيموبيلي؟ الاجابة واضحة جداً، كانت إيطاليا ستفوز بكل مباريات التصفيات لأنها سيطرت عليها كلها، وبالتالي لم نكن لنصل إلى هذه المحاكمة لكل المنظومة.
في مواجهة مقدونيا، لم يكن في التشكيلة الأساسية سوى ثلاثة لاعبين من الأندية الثلاثة الكبار في إيطاليا، يوفى وميلان وإنتر، وهذا لوحده يقول الكثير عن غياب المواهب في الكالتشو.
المشكلة إذاً لم تكن في المستوى الجماعي أو الأفكار، بل في المستوى الفردي والذهني أيضاً، لكن المنظومة تتحمل مسؤولية غياب المواهب، عدم الاهتمام باللاعبين الإيطاليين، كثرة الاجانب، الخوف من إشراك الشباب، أسلوب الدوري والمدربين، القيود التكتيكية المبالغ بها على المواهب الصغيرة ما يؤدي إلى ضياعها.
مسؤولية مانشيني
صحيح أن مانشيني هو المدرب الذي قاد إيطاليا إلى هذه الثورة الكبيرة في بطولة أمم أوروبا ويُحسب له ذلك كثيراً، سيذكره التاريخ بين كبار المدربين الذين أعطوا لقباً قارياً لإيطاليا، لكن التاريخ أيضاً سيذكره كمدرب وحيد فعل ذلك وفشل بالتأهل إلى المونديال، مانشيني ليس فنتورا هذا لا شك فيه أبداً، لكن إعفاءه من المسؤولية ليس أمراً منطقياً، فكما كان مميزاً في خلق أجواء المجموعة قبل بطولة أوروبا، كان بارداً جداً في إحيائها خلال التصفيات، لعبت إيطاليا وكأنها تأهلت، حتى بعد التعادل مع بلغاريا في فيرنسى قال إن إيطاليا ستهزم سويسرا وتتأهل، ثم كرر ذلك قبل مباراة الإياب، اللاعبون خاضوا المباراتين بثقة مبالغ بها وليست منطقية، إصرار مانشيني على إيموبيلي الذي فشل في كل المناسبات لم يكن مبرراً، كان عليه أن يغير بأي طريقة، لأن الإبقاء على إيموبيلي نتيجته الفشل، بينما حل آخر ربّما لا يوصل إلى النتيجة عينها.
ثقة مفرطة تحوّلت إلى خوف مبالغ به
منذ ركلة الجزاء الضائعة لجورجينيو في الأوليمبيكو، كان واضحاً للمطلعين على أجواء إيطاليا أن المنتخب الآن أصبح بحاجة إلى ما يشبه الإنجاز للتأهل، تلك الركلة التي أضاعها جورجينيو بسبب الخوف، طريقة التسديد غير الاعتيادية بالنسبة له تؤكد ذلك، الخوف الذي رافق بعدها المنتخب في إيرلندا ثم تحديداً في باليرمو، فرصة بيراردي إن سنحت له خمسين مرة مع ساسوولو سيسجلها دائماً، اللاعبون كانوا كمن يُلقي المسؤولية كل على الآخر في الثلث الأخير، لا أحد يريد أن يأخذ المبادرة، هنا ربما وبسبب هذه الظروف الاستثنائية جداً، لاعب بشخصية بالوتيلي كان يمكن أن يفيد المنتخب، بالوتيلي الذي يمكن أن نقول عنه أي شيء سوى أنه يخاف في المباريات إن ارتفع مستوى الضغوط.
الخوف وعدم الثقة سببه الأول كان الغياب عن مونديال روسيا، ونتيجته كانت الغياب عن مونديال قطر.
هل حان وقت التغيير في الكرة الإيطالية؟
لا شك بأن الكرة الإيطالية تعاني منذ سنوات، هذه المعاناة يمكن ملاحظتها بشكل واضح عند الأندية، لا يوجد نادٍ إيطالي يمكنه الآن أن يصل إلى نصف نهائي دوري الأبطال، فضلاً عن الفوز به، الملاعب أغلبها أكل الدهر عليها وشرب، الأسلوب البطيء الذي لا يتوافق مع تطور اللعبة، أندية قليلة تحاول مواكبة التطور، الاهتمام المبالغ به بالنتيجة مهما كانت طريقة الوصول إليها من إضاعة وقت أو قتل اللعب أو السلبية في الأداء، غياب اللاعبين الإيطاليين الشبان، كثرة الأجانب حتى لو كانوا دون المستوى المطلوب، كلها أمور تضر بالمنتخب بشكل خاص وبالمستوى بشكل عام. هذا دون الحديث عن العقلية القديمة بإدارة اللعبة وأغلب أنديتها.
أي مستقبل ينتظر الكرة الايطالية بعد هذه النكبة؟
لا شك بأن التداعيات ستكون كبيرة جداً، تحتاج لإجراءات استثنائية لمحاولة الوقوف مجدداً، الفوز ببطولة أوروبا يساعد كثيراً، الخسارة المالية هائلة لمجمل منظومة الكالتشو، وفي زمن صعب أساساً على هذا الصعيد تصبح المشكلة مضاعفة.
عندما فشلت إيطاليا في التأهل إلى المونديال الماضي، كانت ردة الفعل مميزة بالتتويج في ويمبلي، الآن فشل جديد وانتظار ردة فعل جديدة، وحتى ذلك الحين سيكون على إيطاليا أن تكون فقط متفرجة في المونديال، جمهورها سيتمنى أن لا تزيد البرازيل نجومها أكثر، أن لا تتجاوزها ألمانيا بعدد نجومها الأربع، وسيراقب مَن مِن الآخرين سيقترب منها أكثر في السجل الذهبي، فالعودة للتاريخ الآن هو أفضل علاج معنوي لآثار النكبة، شرط أن لا يستمر ذلك طويلاً..