سلة لبنان.. سقى الله أيام زمان
2/08/2022 - محمد حمادة
الخط
بعد مبنى جريدة "السفير" في منطقة الحمراء بأمتار قليلة، تصل إلى تقاطع "مصلبيّة". إذا أكملت طريقك نزولاً تصل إلى سينما سارولا، وإذا توجهت إلى اليسار تصل إلى "فرن الكبوشية"، ثم إلى اسمين حديثين نسبياً هم العنتبلي والحلاب. أما إذا توجهت إلى اليمين، فسوف ترى عند الزاوية اليسرى مبنى النادي الرياضي، ثم قصر إده إلى اليمين ومبنى الإذاعة اللبنانية إلى اليسار. وأنا أتحدث هنا عن بداية الستينيات، وكان والدي رحمه الله يملك فرن الكبوشية الذي يبعد عن النادي الرياضي 40 متراً. وبين الحين والآخر كنت أنتظر غياب ناطور الملعب لكي أدخل وأسدد "كم" كرة قبل أن أعود إلى الفرن. ومقابل النادي الرياضي هناك بناية عيتاني. وسعدالدين عيتاني كان من لاعبي النادي البارزين فضلاً عن شقيقه يحيى. وعلى يسار الفرن، هناك بناية الوتار حيث ولد وترعرع المرحوم عبدالحفيظ الوتار، أحد أشهر عمالقة النادي الرياضي عندما كان يلعب إلى جانبه مجموعة من الموهوبين أمثال بشير البربير وسهيل وجميل سابيلا وسمير صيداني والياس قطيطة، ولاحقاً النجم المميز محمد بكري والنجم الخلوق نزيه بوجي. وجميع هؤلاء لا يعرفون مبنى النادي الرياضي القديم، وإنما المبنى الحالي على كورنيش المنارة مقابل "الحمام العسكري". ومشياً كنا نتوجه إلى المبنى "الجديد" الحالي، لنشاهد الجيل الأول من العمالقة، وعلى رأسهم المهندس زياد غندور والطبيب إبراهيم دبوس و(..) لاعبا منتخب الجامعة الأميركية لكرة السلة.
وعلى غرار ما هو حاصل حالياً، ترعى المدارس الحكومية والجامعة اللبنانية لاعبي كرة القدم، في حين يتخرج لاعبو كرة السلة من المدارس والجامعات الخاصة. وشخصياً تعرفت على اللعبة في سن العاشرة، عندما كنت تلميذاً في ابتدائية "أبو بكر الصديق"، التابعة لجمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في منطقة القنطاري، ثم تابعتها في الكلية العاملية (الثانوية العاملية حالياً)، ولا أعرف كيف وصلت إلى المدينة الرياضية لأحضر مباراة لبنان ويوغوسلافيا، ضمن دورة ألعاب البحر المتوسط في أكتوبر 1959 في بيروت.
لم تكن هناك دورة رسمية لبطولة المدارس الثانوية في كرة السلة والكرة الطائرة وغيرهما، ولكن بعض الثانويات الخاصة كالفرير ماريست – الجميزة (مع مدير الرياضة تحديداً أنطوان شارتيه الذي صار يوماً ما رئيساً للاتحاد اللبناني لكرة السلة، قبل أن يرحل عن هذه الدنيا في حادث سير) وديك المحدي ومعهد الرسل والـ"IC" والبطريركية والكلية العاملية، هي التي كانت تتولى تنظيم هذه الدورات. شخصياً انضممت لنادي مأموري مرفأ بيروت الذي يلعب في الدرجة الثانية، وكان بطلاً للبنان في كرة الماء وكرة الطاولة. المدرب هو المصري إيلي عرمان (ماندو)، وعلى رأس اللاعبين جوزف رباط والمصري ريمون صابونجي. صعدنا إلى الدرجة الأولى منذ الموسم الأول، ولعبنا ضد فرق عريقة، على رأسها التعاضد الذي كان يضم جيلاً مبهراً وعلى رأسه نعوم بركات (صار في ما بعد مدرباً للنادي الرياضي أيام الكابتن بشير البربير) وقسطة فلوطي وإدوار كرم وزهير فرشوخ.
وبعد البكالوريا القسم الثاني، فزت بمنحة وزارة التربية للتخصص في الخارج عام 1964، وحصلت على بكالوريوس تربية رياضية من المعهد العالي للتربية الرياضية في الهرم عام 1968، فشاهدت بأم العين النجوم الكبار صالح وطارق سليم ورفعت الفناجيلي ومحمود الجوهري والشيخ طه إسماعيل وعادل هيكل (الأهلي) وطه بصري وحمادة إمام ونبيل نصير وعلي محسن وسمير محمد علي (الزمالك)، وبدوي عبدالفتاح وحسن الشاذلي ومصطفى رياض (الترسانة)، ورضا وشحتة وميمي درويش (الإسماعيلي).. أسماء خرافية تواجدت جميعها في الوقت عينه. وفي الوقت عينه، انضممت لفريق نادي هليوليدو في مصر الجديدة، وشاركت في بطولة مصر لكرة السلة إلى جوار ثلاثة من نجوم اللعبة المصريين وهم نبيل الصناديلي وحنفي أبو طالب والدكتور أحمد أبو طالب. وما أن عدت إلى لبنان، حتى أصبحت ضمن الجهاز التعليمي لدار المعلمين للتربية الرياضية –الأونيسكو، وتحديداً في مواد ثلاث هي كرة السلة وكرة اليد وسلاح الشيش. ومن تلامذتي أذكر حارس مرمى الصفاء إبراهيم عيتاني، وقلب دفاعه وليد زين الدين، ولاعبي الأنصار فؤاد ليلا ويحي مكي وجهاد محجوب، ولاعبي الكرة الطائرة إلياس طايع وأحمد محبوب، والسباح الطرابلسي أحمد الحارس، ونجم ألعاب القوى وكرة اليد محمد ناصر.
ومن ذكرياتي "السلوية" بطولة دورة الألعاب المدرسية، التي استضافها لبنان عام 1973. منافسات رفيعة المستوى ولاسيما في كرة السلة، وقد كنت رئيساً للجنة الفنية للعبة. فرض الشغب نفسه في مباراة لبنان ومصر، على ملعب أبناء نبتون في الأشرفية (أول من تسبب بالشغب لشدة حماسته وتهوره كان مدرب منتخب مصر جيمي عزيز وكنت أعرفه لأنه كان مدرباً لفريق نادي التوفيقية)، ثم تقرر إعادة المباراة في عينطورة، بقيادة الحكمين السوريين فؤاد حبش ورياض البندلي. اجتمعنا بأحد المسؤولين، فكانت لديه خطة بتغييب الحكمين المذكورين بحيث يقود المباراة حكمان لبنانيان متواجدان على أرض الملعب. ثم ألغى المسؤول فكرته عندما قال له الحكم سامي منصور بالحرف الواحد: "لا مانع عندي من قيادة المباراة، ولكن لو والدي كان يلعب وارتكب خطأ، فسوف أحتسب الخطأ!!". وأسفرت المباراة المعادة من دون جمهور عن فوز لبنان، مع تألق لاعب الارتكاز سهيل سفر.
وللأمانة، كان اللاعب قديماً يتتلمذ على نفسه، إن على الصعيد الفردي أو على الصعيد الخططي، من دون أن يضيف له مدربوه أي شيء، أو الشيء الكثير، خلافاً لما هي عليه الحال اليوم. وبفضل الأكاديميات التي أطلقها نجوم اللعبة في السنوات الأخيرة، أصبح الصغار ماهرين في "تنطيط" الكرة، أي "الدريبل"، أفضل مما كنا نحن عندما كنا في قمة عطائنا، ويعرفون عن دفاع المنطقة (زون) والدفاع الفردي (مان تو مان) وكيفية التعامل هجومياً مع هاتين الطريقتين أفضل بكثير مما كنا نعرف. وهكذا برز نجوم كثر في السنوات الأخيرة، وعلى رأسهم طبعاً الأسطورة فادي الخطيب وكذلك إيلي مشنتف، إلى أن ظهر جيل وائل عرقجي وعلي حيدر وأمير سعود وسرجيو الدرويش.
ولا شك في أن الراحل أنطوان الشويري كان حجر الزاوية في تطوير اللعبة، من خلال دوري محترف قوي وسخي بالمال وحدة المنافسة بين الأندية، ولاسيما الرياضي والحكمة، على غرار ما كانت عليه الحال بين الرياضي والتعاضد في الستينيات، والرياضي وأبناء نبتون بقيادة هنري يبرودي ولاعبيه جوزف رباط وإميل حتى وبيار انجيلوبولو وطوني قزي ووليد سنو في السبعينيات. وفي الفترة الأخيرة، ظهر أكثر من ناد جديد، على غرار بيروت بطل الموسم المنصرم ودينامو بيروت والشانفيل وهوبس. ولا ننسى من الأندية القديمة الأنترانيك وهومنتمن وأنيبال زحلة. الرياضي مالىء دنيا كرة السلة وشاغل الناس مدين للكثيرين على مر تاريخه الطويل والحافل، وعلى رأس هؤلاء الراحل مصطفى شاكر ثم جودت شاكر (أطال الله في عمره).
وما حققه المنتخب في بطولة آسيا، عندما حل ثانياً خلف نظيره الأسترالي وبفارق نقطتين فقط في لقاء القمة، على الرغم من تدهور الأحوال المعيشية، سيزيد بكل تأكيد من إقبال الصغار على ممارسة اللعبة، بمباركة من أهاليهم الذي يحلمون بأن يصبح كل ولد من أولادهم نجماً كابن رأس بيروت العرقجي، وأن يشب ضمن بيئة نظيفة ومعطاءة. بعض اللاعبين يسعى إلى الاحتراف في الخارج، ولولا الضائقة لفضلوا البقاء ولتمت الاستعانة بلاعبين محترفين أجانب كثر لـ"تولّع" بطولة الدوري ويرتفع مستواها.
وفي النهاية لا يبقى سوى التمسك بالمثل القائل: "جود من الموجود"، على أمل الفوز على الفيليبين في 25 أغسطس والهند في 29 منه في بيروت ونيودلهي، بهدف اللحاق بكأس العالم التاسعة عشرة التي تستضيفها اليابان وإندونيسيا والفيليبين خلال أغسطس وسبتمبر 2023.. سيغيب يوسف خياط ولكن سيعود ابن رأس بيروت الآخر أمير سعود نجم النادي الرياضي.