كأس العالم 1978 – الأرجنتين هكذا تُوّج أصحاب الأرض!
9/08/2022 - محمد حمادة
ماريو كمبس هدّاف البطولة ونجمها الأول
الخط
بعد عناد طويل، استسلمت كأس العالم للأرجنتين صاحبة الضيافة، هي التي خاضت النهائي الأول عام 1930، لتصبح الدولة الخامسة التي تحتضن المسابقة وتفوز بها، بعد الأوروغواي وإيطاليا وإنكلترا وألمانيا الغربية، والدولة السادسة التي تنقش اسمها على السجل الذهبي (إذا أضفنا البرازيل). ولكن كيف؟ التفاصيل كثيرة.
النسخة الـ11 كانت الأخيرة التي تشارك فيها منتخبات 16 دولة، لأن هذا العدد سيرتفع إلى 24 اعتباراً من 1982. اختلط فيها الحابل بالنابل أكثر من أي نسخة سابقة أو لاحقة، لأن السلطة العسكرية الحاكمة بقيادة الجنرال خورخي فيديلا، التي أرادت من خلال الحدث الكبير تلميع صورتها، اتُهمت أيضاً بالتدخل بنتائج المباريات وترجيح كفة منتخبها الوطني، وما حدث في الجولة الثالثة والأخيرة من الدور الثاني كان سابقة في تاريخ المسابقة، حيث جرى تأخير مباراة الأرجنتين وبيرو إلى ما بعد نهاية مباراة البرازيل وبولندا.
طلبت 107 دول خوض التصفيات (سُحبت قرعتها في 19 فبراير 1975 في غواتيمالا)، ثم انخفض العدد عملياً إلى 95. لُعبت 252 مباراة من 7 مارس 1976 إلى 11 ديسمبر 1977، وسُجّل فيها 723 هدفاً بمعدل 2.87 هدفين في المباراة الواحدة.
إفريقياً، وبالنسبة إلى المنتخبات العربية تحديداً، تعادل المغرب وتونس 1-1 و1-1 في المنزه، ثم لعب المنتخبان شوطين إضافيين من دون أن تتغير النتيجة، إلى أن فازت تونس في المباراة الثالثة بركلات الترجيح وبلغت الدور الثاني. المباراة الثالثة، التي أقيمت في 9 يناير 1977، تُعتبر مرجعاً لأنها الأولى في تاريخ المسابقة التي تُحسم فيها النتيجة بتلك الطريقة. وفي الدور الأخير من التصفيات الإفريقية، حلّت تونس أولى على حساب مصر ونيجيريا لتتأهل للمرة الأولى إلى نهائيات المسابقة.
آسيوياً، خاضت قطر والسعودية والبحرين التصفيات للمرة الأولى. وفي الدور النهائي، حلّت إيران أولى أمام كوريا الجنوبية والكويت وأستراليا وهونغ كونغ.
أوروبياً، خرجت إنكلترا خائبة من التصفيات لحلولها ثانية في مجموعتها بعد إيطاليا بفارق الأهداف فقط.
تونس.. فوز تاريخي
بتاريخ 14 يناير 1978، في بوينوس آيرس، سُحبت قرعة النهائيات التي أقيمت من 1 إلى 25 يونيو من العام عينه، وحققت تونس، بقيادة المدرب عبدالمجيد الشتالي بالذات، أول فوز للعرب وللقارة الإفريقية في كأس العالم عندما هزمت المكسيك 3-1 ضمن المجموعة الثانية، قبل أن تخسر أمام بولندا 0-1، وتتعادل مع ألمانيا الغربية سلباً. وبلغت بولندا وألمانيا الغربية الدور الثاني.
وحلّت إيطاليا والأرجنتين أولى وثانية توالياً في المجموعة الأولى على حساب فرنسا، وحققت النمسا مفاجأة عندما تصدرت المجموعة الثالثة بفارق هدف واحد أمام البرازيل. وتصدرت بيرو المجموعة الرابعة أمام هولندا، التي عيّنت المدرب النمساوي الشهير أرنست هابل مكان رينوس ميكلز. أما الغائب الأبرز عن النسخة الأرجنتينية فكان الهولندي يوهان كرويف، نجم مونديال 1974 والفائز بالكرة الذهبية في 1971 و1973 و1974.
وُزّعت المنتخبات الـ8 المتأهلة إلى الدور الثاني على مجموعتين: الأولى كانت أوروبية خالصة، وفيها حلّت ألمانيا الغربية ثالثة، ففقدت لقبها وحلّت بعدها النمسا. في المقابل، تصدّرت هولندا وبلغت المباراة النهائية تاركة المركز الثاني لإيطاليا.
تلاعب!
ضمّت المجموعة الثانية ثلاثة منتخبات من أميركا الجنوبية وواحداً من أوروبا. وقد فازت البرازيل على بيرو 3-0، والأرجنتين على بولندا 2-0. وفازت بولندا على بيرو 1-0، وتعادلت البرازيل مع الأرجنتين 0-0، في مباراة عنيفة، فبات لكل منهما 3 نقاط مع أفضلية هدف واحد للبرازيل.
ما حصل في الجولة الثالثة والحاسمة، هو أن موعد مباراة الأرجنتين وبيرو تأخر إلى ما بعد نهاية مباراة البرازيل وبولندا في تلاعب واضح. وقد فازت البرازيل 3-1 (نيلينيو وروبرتو ديناميت هدفين للبرازيل، ولاتو لبولندا) في مباراة بدأت الساعة 16:45، وبالتالي عرفت الأرجنتين أن المطلوب منها أمام بيرو هو أن تفوز بفارق 4 أهداف حتى تبلغ المباراة النهائية، وهذا ما حصل، حيث هزّت الشباك 6 مرات (كمبس 2 وتارانتيني ولوكيه 2 وهاوسمان): مرة واحدة فقط في الشوط الأول (الدقيقة 21) و5 مرات في الشوط الثاني (من الدقيقة 49 إلى الدقيقة 72) في مباراة بدأت الساعة 19:15. مثل هذا التلاعب لم يحصل أبداً بعد ذلك، لأن مباراتي الجولة الأخيرة لكل مجموعة يجب أن تقاما في توقيت واحد. صُحف البرازيل اتهمت الأرجنتين برشوة بيرو بطرق مختلفة، وبإطلاق سراح عدد كبير من مواطني بيرو المعتقلين في سجونها. نفى الأرجنتينيون كل هذه التهم، وذكروا أن منتخب بيرو كان يمكن أن يتقدم في الشوط الأول مرتين، لكن القائم الأرجنتيني تدخّل ومنعه من التسجيل.
حلّت البرازيل ثالثة بعد فوزها على إيطاليا 2-1. هزّ نيلينيو وديرسو شباك الحارس الإيطالي دينو زوف في الدقيقتين 64 و71، بعدما كان كاوزيو قد افتتح التسجيل للاعبي المدرب إنزو بيرزوت في الدقيقة 38. وقد شارك المهاجم البرازيلي ريفيلينو في الدقيقة 64 مكان تونينيو سيريزو، وكان يخوض كأس العالم للمرة الثالثة بعد 1970 و1974.
مباراة قمة محمومة
في 25 يونيو كانت مباراة القمة بين الأرجنتين وهولندا، على أرض استاد مونومنتال في بوينوس آيرس، أمام 71 ألفاً و483 متفرجاً، وكان منتخب هولندا قد هزم نظيره الأرجنتيني 4-1 في 26 مايو 1974، كما هزمه بعد شهر واحد 4-0 في 26 يونيو 1974 (مونديال ألمانيا الغربية).
الجماهير في المدرجات كانت في قمة حماستها والأجواء صاخبة ومحمومة، وقد اتهم الهولنديون المنظمين الأرجنتينيين بتعمد تأخير المباراة كي تزداد الأجواء صخباً، وفعلاً دخلوا أرض الملعب متأخرين 5 دقائق. في نهاية المطاف، لم يكن غريباً أن يرفض الهولنديون البقاء على أرض الملعب عندما انتهت المباراة، ولم يحضروا حفل توزيع الجوائز.
أعصاب اللاعبين كانت مشدودة، والمباراة بدأت بخشونة من الجانبين: خطأ من بورتفليت بحق برتوني، ومن هان بحق أرديليس، ومن غاييغو بحق نيسكنز، والحكم غير قادر على ضبط الأمور في الأجواء الهستيرية. افتتح كمبس التسجيل للأرجنتين بتسديدة من 12 متراً بعد تمريرتين من أرديليس ولوكيه. وسنحت الفرصة أمام روب رنسنبرينك لمعادلة النتيجة بضربة رأسية، إثر تمريرة من رينيه فان در كركوف، لكن الحارس أوبالدو فيليول أبعد الكرة بقدمه قبيل نهاية الشوط الأول. الشوط الثاني كان مفتوحاً أكثر، والهولنديون ضغطوا طويلاً. وأخيراً، مرر رينيه نفسه كرة إلى ديك نانينغا، الذي شارك في الدقيقة 56 مكان جوني ريب، فضربها برأسه وأدرك التعادل في الدقيقة 82. سنحت الفرصة أمام رنسنبرينك لرفع الكأس وحسم النتيجة، بيد أن القائم حرمه من هدف محقق، فلعب الطرفان شوطين إضافيين. في الدقيقة 105، وبعد "معمعة" طويلة أمام مرمى يونغبلود، سجّل كمبس الهدف الثاني للأرجنتين، حتى ولو بيّنت الإعادات أن الهولندي فيم سوربير هو آخر من لمس الكرة. وفي الدقيقة 115، حُسم أمر المباراة عندما سجّل دانييل برتوني هدفاً أرجنتينياً ثالثاً، بعدما تبادل الكرة مع كمبس نجم المباراة.
مثّل الأرجنتين: فيليول – أويغين وغالفان وباساريلا وتارانتيني – غاييغو وأرديليس (لاروزا) وكمبس – برتوني ولوكيه وأورتيز (هاوسمان 75). المدرب: سيزار لويس مينوتي.
مثّل هولندا: يونغبلود – يانسن (سوربير 73) وبرانتس وكرول وبورتفليت – نيسكنز وهان وفان دي كركوف – رينيه فان دري كركوف وريب (نانينغا 76) ورنسنبرينك. المدرب: أرنست هابل.
أرقام ووقائع
- سُجّل 103 أهداف (12 من ركلات جزاء، و3 من ركلات حرة، و12 بضربات رأسية، و3 بنيران صديقة) في 38 مباراة، بمعدل 2.68 هدفين في المباراة الواحدة، وقد سجّلها 60 لاعباً من بينهم 6 سبق أن سجّلوا في مونديال 1974. لكل من الأرجنتين وهولندا 15 هدفاً.
- حضر المباريات مليون و545 ألفاً و791 متفرجاً، بمعدل 40 ألفاً و679 متفرجاً.
- هداف الدورة هو الأرجنتيني ماريو كمبس (6 أهداف).
- الهدف الـ1000 في تاريخ كأس العالم سجله الهولندي رنسنبرينك في شباك اسكتلندا.
- أصغر هداف: الألماني ديتر مولر 20 عاماً و314 يوماً، وأكبر هداف الإيطالي بينيتي 32 عاماً و229 يوماً.
- أصغر مدرب التونسي الشتالي 38 عاماً و333 يوماً، وأكبر مدرب المجري باريون 53 و295 يوماً.
- أقصر قلبي دفاع لمنتخب تُوّج بطلاً لكأس العالم هما الأرجنتينيان دانييل باساريلا (173 سنتمتراً) ولويس غافان (174 سنتمتراً). أما أطول قلبي دفاع فهما الألمانيان ماتس هوملس (191 سنتمتراً) وجيروم بواتينغ (192 سنتمتراً) بطلا مونديال 2014.
- استعان مدرب الأرجنتين لويس سيزار مينوتي بماريو كمبس (فالنسيا) وحده من خارج البلاد، بعدما تُوّج هدافاً للدوري الإسباني، ولم يضم مهاجمه الشاب دييغو أرماندو مارادونا (17 عاماً) بسبب "صغر سنه". كان رهان مينوتي على كمبس في مكانه باعتبار أنه تُوّج هدافاً للدورة.
- خضع لاعبان من كل منتخب، وبالقرعة، للفحص الخاص بالمنشطات بعد ربع ساعة من نهاية كل مباراة. تم الكشف عن حالة إيجابية واحدة حيث ثبت تعاطي الاسكتلندي ويلي جونستون المنشطات، في 3 يونيو بعد مباراة اسكتلندا وبيرو.
- في فترة من الفترات قيل إن كرويف، الذي شارك في التصفيات، تخلّف عن النهائيات لخلاف مع الاتحاد الهولندي حول موضوع مكافآت اللاعبين، ثم قيل إن السبب هو الاحتجاج على ممارسات السلطة العسكرية في الأرجنتين، حسب ما ذكر صديقه جوردي فينيستريس. ثم تبيّن في وقت لاحق أن كرويف تعرّض هو وعائلته للخطف وغاب مطولاً عن الملاعب بسبب التحقيقات الأمنية، حسب ما ذكر هو بالذات في مقابلة مع صحيفة "ديبورتي توتال" حيث قال: "لو كان السبب سياسياً لما لعبت في إسبانيا عندما كان يحكمها الجنرال فرانكو". وفي 2008 كشف لـ"راديو كاتالونيا": "دخل مسلح إلى منزلي ووضع بندقيته في رأسي وقيّدني، وكذلك قيّد زوجتي، على مرأى من أولادي. بعد ذلك كان الأولاد يتوجهون إلى المدرسة بحراسة أمنية لفترة طويلة، لذا فإن مشاركتي في نهائيات كأس العالم بالأرجنتين لم تكن واردة".