كأس العالم – إيطاليا 1934 (الجزء الأول) موسوليني رئيس "الفيفا"

الخط

وجد "الدوتشي" (القائد) بينيتو موسوليني في النسخة الثانية من كأس العالم، التي نظمتها إيطاليا من 27 مايو إلى 10 يونيو 1934، مناسبة دعائية ذهبية للفاشية ولإعلاء الفكر القومي لدى مواطنيه وللترويج لنهج الحزب، الذي أسسه في 9 نوفمبر 1921، وكذلك لتذكير العالم بالرخاء والإزدهار اللذين بلغتهما بلاده تحت قيادته. ومثل هذا النهج اعتمده الزعيم النازي أدولف هتلر عندما نظمت ألمانيا دورة برلين الأولمبية عام 1936. وأصلاً، لم يكن موسوليني، الاشتراكي القديم، على ود مع كرة القدم لأنها لعبة إنكليزية، وإنكلترا دولة عدوة!

ومع إطلاق اسم الحزب الفاشي على بعض استادات المسابقة، مثل استاد روما الذي صار "استاد الحزب القومي الفاشي"، وتغيير اسم استاد نابولي البلدي إلى "استاد بنيتو موسوليني البلدي"، فإن "الدوتشي" أرادها دورة كروية ناجحة، ولم يبخل بأي جهد حتى يبلغ مراده، واعتمد مبدأ "ننظم المسابقة ونفوز بها مهما كلف الأمر". على سبيل المثال:

لم يكن هناك من ينافس إيطاليا على تنظيم الدورة إلا السويد، ولكن خلال اجتماع اللجنة التنفيذية للـ"فيفا"، بتاريخ 9 أكتوبر 1932 في ستوكهولم، سحبت هذه الأخيرة ترشيحها لمصلحة من قدّم ضمانات مالية لا يمكن تجاهلها.

ولكي يكون لديها منتخب قوي، جنّست إيطاليا 4 لاعبين من الأرجنتين هم أتيليو ديماريا وإنريكو غوايتا ورايموندو أورسي ولويس مونتي الذي لعب نهائي 1930 ضد الأوروغواي. أما الحجة فهي أن هؤلاء من أصل إيطالي. كذلك تم تجنيس البرازيلي غواريسي ماركيش الذي سجل الهدف الأول لإيطاليا في شباك اليونان في إطار التصفيات.

حقيقة أم خرافة؟

كان موسوليني يتدخل في تسمية حكام المباريات التي تكون فيها ايطاليا طرفاً. وعشية المباراة النهائية ضد تشيكوسلوفاكيا تناول "الدوتشي" طعام العشاء مع حكمها السويدي إيفان إيكلينغ. وكان حكام مباريات المنتخب الأيطالي يرفعون أذرعهم عالياً لتأدية التحية الفاشية قبل صفارة البداية، على غرار ما يفعل لاعبو المنتخب، من دون أن يحرك "الفيفا" ساكناً. و"غض النظر" موقف صب طويلاً في مصلحة الأنظمة الديكتاتورية خلال تاريخ المسابقة.

وعندما انتهت مباراة القمة بفوز إيطاليا على تشيكوسلوفاكيا ورفع منتخبها كأس رئيس "الفيفا" جول ريميه، قدم موسوليني كأساً أخرى تحمل اسمه وتزن 4 أضعاف الكأس الرسمية. وهنا قال ريميه: "خلال كأس العالم هذه كان موسوليني هو الرئيس الحقيقي للاتحاد الدولي لكرة القدم"! ويُقال إن موسوليني أبرق إلى لاعبي المنتخب الإيطالي عشية المباراة النهائية، وجاء فيها: "الفوز أو الموت".

وللمرة الأولى والأخيرة في تاريخ المسابقة شاركت الدولة المنظمة في التصفيات. وهكذا فازت إيطاليا على اليونان 4-0، في 24 مارس 1934، على استاد سان سيرو بمدينة ميلانو، ثم انسحبت اليونان من مباراة الإياب لأن هناك من يقول أنها حصلت على ما يعادل 400 ألف دولار كي تنسحب!

مع كل ذلك، هناك أطراف أخرى تؤكد أن ما ذُكر عن بعض تجاوزات موسوليني كان من نسج الخيال ولا يخلو من افتراءات. وهكذا فإن بيترو ريفا ظهير منتخب إيطاليا الأيسر، الفائز بلقب 1934، صرح لصحيفة "غارديان" الإنكليزية عام 2001: "أبداً، أبداً، ليس صحيحاً ما قيل عن البرقية التي وصلتنا عشية المباراة النهائية.. لقد تمنى لنا موسوليني في برقيته حظاً سعيداً ولكن لم يكن فيها كلمتا الفوز والموت".

ويمكن السؤال أيضاً: إذا تدخل موسوليني بشكل سافر في مجريات مونديال 1934 فهل تدخل أيضاً عندما فازت إيطاليا بذهبية مسابقة الكرة في أولمبياد برلين 1936 على حساب النمسا، وعندما احتفظت بكأس العالم 1938 في فرنسا على حساب المجر علماً بأن فيتوريو بوتزو كان مدرباً في المناسبات الكبرى الثلاث؟

وبوتزو بالذات كان من أهم الأوراق الإيطالية الرابحة. مثلاً، قبل كأس العالم 1934 بأربعة أسابيع اتخذ قراراً لافتاً: كان المدافع المجنس لويس مونتي، الأرجنتيني الأصل والذي خاض نهائي 1930، والمهاجم أنجيلو شيافيو يكرهان بعضهما البعض وبشدة، وقد اشتبكا بالأيدي عام 1929 خلال جولة لفريق بولونيا الإيطالي في أميركا الجنوبية. وبلغت الكراهية بين اللاعبين أوجها عندما أصاب مونتي (مدافع يوفنتوس) خصمه شيافيو (مهاجم بولونيا) في ركبته خلال مباراة في الدوري الإيطالي فأطلق الثاني على الأول لقب "المجرم". لكن عندما حضر اللاعبان إلى معسكر المنتخب، استعداداً لمونديال 1934، طلب بوتزو منهما أن يقيما في غرفة واحدة على مدى شهرين، فرضخا للأمر الواقع!

غياب الأوروغواي

خلافاً لمونديال 1930، شهدت نسخة 1934 تصفيات لاختيار 16 منتخباً، وهي 12 من أوروبا و2 من أميركا الجنوبية وواحد من الكونكاكاف وواحد من آسيا - إفريقيا. عملياً، شاركت 27 دولة في التصفيات، ولم تكن الأوروغواي من بينها لأنها قاطعت احتجاجاً على عدم تلبية معظم الدول الأوروبية دعوتها لخوض المونديال الأول، كذلك تخلفت إنكلترا واسكتلندا وويلز وجمهوية إيرلندا مع أن "الفيفا" منح كلاً من الأولى والثانية بطاقة مجانية أي من دون تصفيات. وفي تلك الحقبة، كانت الدول المذكورة خارج أسرة "الفيفا"، ووصف عضو الاتحاد الإنكليزي تشارلز ساتكليف مسابقة كأس العالم بأنها "دعابة"، ورأى أنه من الأفضل أن يتفرغ المسؤولون البريطانيون لتنظيم بطولتهم االسنوية (من 1884 إلى 1984) التي تجمع بين المنتخبات الأربعة "لأنها أرفع مستوى من تلك التي تستضيفها روما".

وفي أميركا الجنوبية انسحبت تشيلي وبيرو أمام الأرجنتين والبرازيل اللتين شاركتا في النهائيات بمنتخبين من الصف الثاني.

أقيمت التصفيات من 11 يونيو 1933 إلى 24 مايو 1934، وبطاقة التأهل الـ16 الأخيرة كانت من نصيب الولايات المتحدة التي تخطت المكسيك 4-2 قبل بداية المسابقة بـ3 أيام فقط، أي في 24 مايو 1934، على استاد روما أمام 12 ألف متفرج، مع تألق ألدو دونيللي صاحب الأهداف الأميركية الأربعة.

إطلالة المصريين

بالنسبة إلى البطاقة الأفريقية - الآسيوية الوحيدة، فكانت من نصيب منتخب مصر الذي كان يعيش حقبة أولمبية مزدهرة، وقد تمثلت بخوضه دورة 1920 حيث خسر أمام إيطاليا 1-2، ودورة 1924 حيث هزم المجر 3-0، ثم خسر أمام السويد في ربع النهائي 0-5، ودورة 1928 حيث فاز على تركيا 7-1 ثم في ربع النهائي على البرتغال 2-1 وخسر في نصف النهائي أمام الأرجنتين 0-6 وخسر على المركز الثالث امام إيطاليا 3-11.

وانسحبت تركيا من التصفيات، وقد كانت تحتسب دولة آسيوية، وبقي أمام المنتخب المصري منتخب دولة فلسطين الواقعة تحت الانتداب البريطاني. هذا المنتخب الانتدابي لم يكن يضم إلا لاعبين يهود، علماً بأن التعداد السكاني للبلاد عام 1931 كان يشير إلى وجود مليون و35 ألفاً و28 عربياً مقابل 178 ألفاً و610 يهودي.

ذهاباً، في 16 مارس 1934، على ملعب الجيش البريطاني بالعباسية (القاهرة)، وأمام 14 الف متفرج، فازت مصر 7-1، وسجل لها مختار التتش (3) ومصطفى كامل طه (2) ومحمد لطيف (2) كما سجل أفراهام نودلمان لفلسطين. ومثّل مصر: مصطفى كامل منصور (الأهلي) وعلي كاف (المختلط، أي الزمالك حالياً) وحميدو شارلي (الأولمبي) وحسن الفار (المختلط) وحسن رجب (الاتحاد السكندري) وأمين صبري (الأهلي) ومختار التتش وجميل الزبير (الأهلي) ومصطفى كامل طه ومحمد لطيف (المختلط) وعبدالرحمن فوزي (المصري). ومثل فلسطين الانتدابية: بيرغر (هابويل تل ابيب) ورزنيك (ماكابي تل أبيب) وفيدلر (ماكابي هاسمونيان) وفريدمان وسوكينيك (هابويل تل أبيب) وفوخس (هابويل حيفا) وهارلاب وكراوس وكاستنباوم ورايخ ونودلمان (هابويل تل أبيب).

وفي مباراة الإياب، التي أقيمت على ملعب نادي هابويل تل أبيب، في 6 أبريل 1934 أمام 10 آلاف متفرج، فازت مصر 4-1 وسجل لها مختار التتش (2) ومحمد لطيف (خرج مصاباً في الدقيقة 75) وعبدالرحمن فوزي، كما سجل سوكينيك لفلسطين. وشهدت صفوف مصر 3 تغييرات حيث حرس المرمى عزيز فهمي مكان مصطفى كامل منصور ولعب محمود بخاتي ومحمد هاني لبيب مكان أمين صبري وجميل الزبير. في الجانب الآخر شارك واينبرغ وليفي مير وزيليفانسكي مكان فريدمان وكراوس وكاستنباوم (ماكابي تل أبيب).

كذلك فرضت مصر نفسها باكراً على صعيد التحكيم، فكان يوسف محمد كان الحكم العربي الأول الذي قاد مباراة في تصفيات كأس العالم، وتحديداً بين الولايات المتحدة والمكسيك بتاريخ 24 مايو 1934 في روما، وهو نفسه كان أول حامل راية عربي في النهائيات، وذلك في مباراة تشيكوسلوفاكيا وسويسرا 3-2 في 31 مايو، في تورينو ضمن الدور ربع النهائي، وكان النمساوي ألوا بيرانيك حكماً للساحة.

وتخطت التصفيات بنجاح 10 دول جديدة هي مصر وإيطاليا وألمانيا وإسبانيا وهولندا والمجر وتشيكوسلوفاكيا والسويد والنمسا وسويسرا. أما النهائيات فأقيمت بنظام خروج المغلوب، وإذا انتهت المباراة بالتعادل، يُلعب شوطان إضافيان، وإذا استمر التعادل تعاد المباراة في اليوم التالي. إلى ذلك، لُعبت كل مباريات الدور الأول، وعددها 8، في يوم واحد هو 27 مايو 1934، وتوقيت واحد هو الساعة 16:30، باستثناء مباراة إيطاليا والولايات المتحدة التي بدأت الساعة 16:00.

للكاتب أيضاً