كأس العالم – المكسيك 1970 النسخة الأحلى.. برازيلية
26/07/2022 - محمد حمادة
منتخب البرازيل ولقب عالمي ثالث
الخط
النسخة التاسعة من كأس العالم، هي الأولى التي تُقام خارج أميركا الجنوبية وأوروبا، حيث احتضنتها المكسيك من 31 مايو إلى 21 يونيو 1970. أحرزت البرازيل كأس جول ريميه للمرة الثالثة، لتحتفظ بها إلى الأبد بعد عروض رائعة قدمها منتخب يُقال إنه الأروع في تاريخ المسابقة، ويكفي أنه فاز في جميع مبارياته خلال التصفيات والنهائيات.
عملياً خاضت 68 دولة التصفيات لانتزاع 14 بطاقة، فضلاً عن بطاقتين مجانيتين للمكسيك المنظمة وإنكلترا حاملة اللقب. هناك 8 بطاقات لأوروبا، و3 لأميركا الجنوبية (مع مفاجأة تمثلت بإخفاق الأرجنتين للمرة الأولى)، وواحدة للكونكاكاف (أميركا الشمالية والوسطى والكاريبي)، وبطاقة لآسيا-أوقيانيا، وبطاقة كاملة، وللمرة الأولى، لإفريقيا، وقد كانت من نصيب المغرب الذي تخطى تونس في الدور الثاني الحاسم بعد 3 مباريات. انتهت مباراتان بتعادل سلبي، ثم تعادلا مرة ثالثة ولكن 2-2 في مرسيليا الفرنسية، ثم كانت القرعة التي صبت في مصلحة المغرب. ويبدو واضحاً أن القرعة كانت فألاً حسناً على المغرب، الذي شارك للمرة الأولى في النهائيات، باعتبار أن الدار البيضاء كانت مقراً لسحب قرعة التصفيات في 31 يناير 1968.
تأهُل المغرب شكّل حدثاً عربياً مهماً، بيد أن حدثين فرضا نفسيهما بقوة في كأس العالم الثامنة، خلال التصفيات وبعدها.
حرب الـ100 ساعة والإسورة
في 14 يوليو 1969، شن جيش السلفادور حرباً على هندوراس. حدث كل هذا بعد منافسة بين المنتخبين ضمن تصفيات مونديال 1970، ولكن أسباب الحرب أعمق من ذلك، وأهمها مشكلة الهجرة والمشكلة السكانية في السلفادور وقانون الإصلاح الزراعي في هندوراس. وخلال يونيو 1969، فازت هندوراس 1-0 ضمن التصفيات في تيغوسيغالبا، وإياباً في سان سالفادور، فازت السلفادور 3-0، قبل أن تتفوق هذه الأخيرة 3-2 في مباراة حاسمة.
وفي 14 يوليو 1969، شنت طائرات سلفادورية غارات على مطار تونكونتان وأهداف أخرى داخل هندوراس، ودارت تالياً حرب الـ100 ساعة وعقدت منظمة الدول الأميركية اجتماعاً عاجلاً في 18 منه، ودعت إلى وقف إطلاق النار وانسحاب قوات السلفادور وهذا ما حصل. أما أبرز ما أسفرت عنه الحرب، فكان تهجير 300 ألف سلفادوري ومقتل 900 منهم، أغلبهم من المدنيين، في حين فقدت هندوراس 250 جندياً و2000 مدني.
وقرر مدرب إنكلترا آلف رامزي خوض مباراتين تجريبيتن ضد كولومبيا والإكوادور في 20 و24 مايو توالياً، قبل السفر إلى المكسيك. وصل المنتخب إلى بوغوتا عاصمة كولومبيا في 18 مايو، واستقر في فندق تيكونداما، وفي بهو هذا الفندق متجر لبيع الحلى والهدايا اسمه فويغو فيردي. دخل أكثر من لاعب هذا المتجر، ومن بينهم قاد المنتخب بوبي مور ولاعب الوسط بوبي تشارلتون، لأن الأخير يريد شراء هدية لزوجته. لم يشتر اللاعبان شيئاً، فما أن خرجا من المتجر، حتى لحقت بهما الموظفة كلارا باديّا واتهمتهما بسرقة "إسورة" من إحدى واجهات المتجر. نفى اللاعبان التهمة وتدخلت الشرطة السياحية، ثم استُجوبا. قاد مور وتشارلتون المنتخب إلى الفوز على كولومبيا والإكوادور في بوغوتا وكيتو 4-0 و2-0 توالياً. ولأنه لم يكن هناك رحلات مباشرة بين كيتو ومكسيكو، عاد المنتخب إلى بوغوتا، وبدل أن يمضي نحو 5 ساعات في المطار ارتأى رامزي أن يعود الجميع إلى فندق تيكونداما ذاته حتى يخلد الجميع لبعض الراحة. وهناك، عندما كان اللاعبون يشاهدون الفيلم السينمائي "شيناندوا"، حضر عدد من أفراد الشرطة بكامل أسلحتهم فضلاً عن إثنين بملابس مدنية، وهذان الأخيران اعتقلا مور بتهمة السرقة بناء على إفادة شاهد عيان هو ألفارو سواريز. عاد المنتخب إلى المكسيك، واحتُجز مور 4 أيام في منزل مدير الاتحاد الكولومبي ألفونسو سينيور، ثم استجوبه القاضي بيتر دورادو على مدى 4 ساعات، قبل أن يُطلق سراحه في 28 مايو. وصل مور إلى مكسيكو في 29 مايو، ثم توجه إلى غوادالاخارا حيث التحق بالمنتخب.
ومن خيوط المؤامرة أيضاً وأيضاً، بحسب الإنكليز، أن المباراة ضد ألمانيا الغربية أقيمت في مدينة ليون على بعد نحو 250 كيلومتراً من غوادالاخارا، وكان يُفترض أن يركب المنتخب الإنكليزي الطائرة ليصل إلى المدينة الأولى، ولكن لم تؤمّن له الطائرة لأن مدرج المطار صغير. قطع المسافة الطويلة بالحافلة على مدى نحو 4 ساعات ووصل منهكاً، وتساءلت البعثة الإنكليزية: ما هو نوع الطائرة التي نقلت منتخب ألمانيا إلى مطار مدينة ليون بمدرجه الصغير؟
وبالنسبة إلى البرازيل، فإن المدرب جواو سالدانيا قاد المنتخب بنجاح في التصفيات مع 6 إنتصارات على باراغواي وكولومبيا وفنزويلا، وله 23 هدفاً وعليه هدفان فقط، علماً بأن المباراة السادسة والأخيرة أمام باراغواي في 24 أغسطس 1969، حضرها في استاد ماراكانا 183 ألفاً و841 متفرجاً، وهو رقم قياسي في التصفيات (المباراة الأخيرة في مونديال 1950 بين البرازيل والأوروغواي في استاد ماراكانا حضرها 173 ألفاً و850 متفرجاً بحسب "الفيفا"). ثم استقال سالدانيا وحلّ بدلاً منه ماريو زاغالو، أحد نجوم المنتخب الفائز بكأس العالم 1958 و1962، والذي صار في نهاية الدورة أول من يفوز باللقب كلاعب ثم كمدرب.
اختار زاغالو تشكيلته الأساسية بعد 4 مباريات ودية فقط، واعتمد طريقة اللعب 4-2-4 مع مرونة مبتكرة: قلب الدفاع بياتزا هو لاعب وسط أصلاً ويمكن الاستفادة منه ليبدأ الهجمة، والظهير الأيمن كارلوس ألبرتو يمكن أن يحتل مركز الجناح، والجناح الأيمن جرزينيو سريع وبمقدوره أن يلعب في العمق، والجناح الأيسر ريفيلينو يمتاز بقوة التسديد ويبرع أيضاً كلاعب وسط، وجيرسون صانع ألعاب استثنائي، وتوستاو رأس حربة وهمي ويلعب خلف بيليه ويجيد حرية التحرك وسطاً وهجوماً. ومع كل هؤلاء، هناك قلب الدفاع الثاني بريتو والظهير الأيسر إيفيرالدو ولاعب الوسط الشاب كلاودوألدو فضلاً عن الحارس فيليكس.
دور المجوعات وصولاً لنصف النهائي
وُزعت المنتخبات الـ16 على 4 مجموعات توزيعاً جغرافياً، قبل أن تُسحب القرعة في 10 يناير 1970 في مكسيكو.
في الدور الأول وضمن المجموعة الأولى، كان لقاء الافتتاح بين المكسيك والاتحاد السوفياتي (من 1974 ولغاية 2006 كانت مباراة الافتتاح تضم حامل اللقب). تعادل المنتخبان 0-0، وفي الشوط الثاني حلّ أناتولي بوزاتش محل فيكتور سيريبريانيكوف، ليُصبح أول لاعب بديل في تاريخ المسابقة يشارك مكان لاعب أصلاً غير مصاب. وفي المباراة عينها، رُفعت البطاقة الصفراء للمرة الأولى وكانت من نصيب السوفياتي لوفتشيف. كذلك حلّ الحارس الروماني نيكولا رادوكانو بدلاً من مواطنه ستيف أداماش في المباراة ضد البرازيل في 10 يونيو في أول تبديل من نوعه في تاريخ كأس العالم. أما أول هدف سجله لاعب بديل، فكان من نصيب المكسيكي خوان باساغورين ضد السلفادور.
وفي المجموعة الأولى أيضاً، فازت بلجيكا على السلفادور 3-0، والاتحاد السوفياتي على بلجيكا 4-1، والمكسيك على السلفادور 4-0، بقيادة الحكم المصري علي قنديل، والاتحاد السوفياتي على السلفادور 2-0، والمكسيك على بلجيكا 1-0. وحلّ الاتحاد السوفياتي والمكسيك في المركزين الأول والثاني توالياً.
في المجموعة الثانية، تأهلت إيطاليا والأوروغواي على حساب السويد و"إسرائيل".
في المجموعة الثالثة، فازت إنكلترا على رومانيا 1-0، والبرازيل على تشيكوسلوفاكيا 4-1، ورومانيا على تشيكوسلوفاكيا 2-1، والبرازيل على إنكلترا 1-0 سجله جرزينيو، في واحدة من أرفع مباريات الدورة مستوى، والكرة التي سدّدها بيليه برأسه وصدها بانكس وُصفت بأنها أفضل صدة في تاريخ المسابقة، ثم فازت البرازيل على رومانيا 3-2، وإنكلترا على تشيكوسلوفاكيا 1-0. وحلّت البرازيل وإنكلترا أولى وثانية توالياً.
وفي المجموعة الرابعة، فازت بيرو على بلغاريا 3-2، وألمانيا الغربية على المغرب 2-1، وبيرو على المغرب 3-0، وألمانيا الغربية على بلغاريا 5-2، ثم على بيرو 3-1، وتعادل المغرب وبيرو 1-1. وحلّت ألمانيا الغربية وبيرو أولى وثانية توالياً.
وفي ربع النهائي، فازت الأوروغواي على الاتحاد السوفياتي 1-0، وإيطاليا على المكسيك 4-1، والبرازيل على بيرو 4-2. وفي مباراة ألمانيا الغربية وإنكلترا، تقدمت الأخيرة بهدفين سجلهما موليري (31) وبيترز (49)، ثم ردّت ألمانيا عبر بكنباور (68) وزيلر (82)، ولعب المنتخبان شوطين إضافيين، وفكّ مولر الارتباط في الدقيقة 108. وفي نصف النهائي، تغلبت البرازيل على الأوروغواي 3-1 وإيطاليا على ألمانيا الغربية 4-3.
وحلّت ألمانيا الغربية ثالثة بفوزها على الأوروغواي 1-0، سجّله أوفيراث (26).
إمتاع
ثم كانت مباراة القمة التي شهدها 107 آلاف متفرج في استاد آزتيكا في مكسيكو، بين طرفين سبق أن أحرز كل منهما اللقب مرتين من قبل: إيطاليا في 1934 و1938 والبرازيل في 1958 و1962، بمعنى أن الفائز منهما سيحتفظ بكأس جول ريميه إلى الأبد. طرفٌ ممتع ومتمكن هجومياً ولا يُغيّر تشكيلته الأساسية أبداً، وطرف منافس متميز في الدفاع والهجوم المضاد. توصية زاغالو الأولى نصّت على الاحتفاظ بالكرة لأطول وقت ممكن لإجهاد الخصم، وهذا ما حصل مع سيطرة واضحة على وسط الملعب. وسجل بيليه الهدف الأول وقد حمل الرقم 100 للبرازيل في كأس العالم، وذلك بضربة رأسية إثر تمريرة من ريفيلينو في الدقيقة 18. لكن بونينسينيا استثمر خطأ في التمرير ليدرك التعادل لإيطاليا في الدقيقة 37. وفي الشوط الثاني، سرّع البرازيليون الإيقاع، فسجّل جيرسون الهدف الثاني من تسديدة قوية بعد 66 دقيقة، وصنع الهدف الثالث عندما مرر الكرة إلى بيليه من ركلة حرة، فحوّلها إلى جرزينيو ومن هذا الأخير إلى الشباك في الدقيقة 71. أما الهدف الرابع، فكان من الأحلى في تاريخ المسابقة من حيث الشق الجماعي. تمريرات من الجهة اليسرى بين توستاو وبريتو وكلودوألدو وجيرسون. ومن كلودوألدو إلى ريفيلينو ثم جرزينيو وبيليه. وهذا الأخير كان ظهره للظهير الأيمن كارلوس ألبرتو، ومع ذلك مرر له كرة ميليمترية، ليقذفها قائد المنتخب داخل المرمى الإيطالي قبل النهاية بأربع دقائق.
مثّل البرازيل: فيليكس – كارلوس ألبرتو وبريتو وبياتزا وإيفاريلدو – كلودوألدو وجيرسون - جرزينيو وتوستاو وبيليه وريفيلينو. المدرب: ماريو زاغالو.
مثّل إيطاليا: ألبرتوزي – بورنيتش وروزاتو وتشيرا وفاكيتي – دي سيستي وبرتيني (جوليانو 74) وماتزولا ودومينغيني – بونينسينيا (ريفيرا 84) وريفا. المدرب: فالكاريدجي.
أرقام من البطولة
- سُجل 95 هدفاً في 32 مباراة عبر 54 لاعباً، بينها 5 من ركلات جزاء و7 من ركلات حرة و12 بضربات رأسية و1 بنيران صديقة، بمعدل 2.97 هدفين في المباراة الواحدة.
- الهداف هو الألماني غيرد مولر وله 10 أهداف.
- حضر البطولة مليون و604 آلاف و65 متفرجاً، بمعدل 50 ألفاً و127 متفرجاً في المباراة الواحدة.