كأس العالم - سويسرا 1954 الكلمة لمن؟ للامعقول! (الجزء الأول)

المجري كوتشيش سجل هدفين في شباك الحارس البرازيلي كاستيليو

الخط

المفاجأة لا تخص القرن العشرين وحده، لأنه سيصعب تكرارها في أي قرن آخر. تخسر اليوم أمام منافس مخيف 3-8 ثم تتفوق عليه 3-2 بعد أسبوعين فقط! مع ألمانيا الغربية اللامعقول أنقلب معقولاً في النسخة الخامسة من كأس العالم، التي احتضنتها سويسرا من 16 يونيو إلى 4 يوليو 1954. فعلاً ألمانيا فوق الجميع "دويتشلاند أوبر أليس"، هي التي كانت تمشي على عكازين عندما وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها في مايو 1945، وكانت تمشي على عكاز واحد عندما توجت بطلة للعالم بعد نحو تسع سنوات.


في 25 نوفمبر 1953، على أرضية استاد ويمبلي اللندني، وأمام 100 ألف متفرج، مُنيت إنكلترا بأول خسارة على أرضها كانت أمام المجر 3-6، مع 3 أهداف لهيديكوتي واثنين لبوشكاش وواحد لبوجيك في الجانب الفائز، وهدف واحد لكل من سيويل ومورتنسن وآلف رامزي في الجانب الخاسر، فكتبت صحيفة دايلي ميرور في اليوم التالي: "المجريون حطّموا قلب إنكلترا". وفي مباراة الرد بتاريخ 23 مايو 1954، على استاد نبستاديون في بودابست، تابع 92 ألف متفرج فوزاً مجرياً كاسحاً 7-1، وسجل لأصحاب الأرض لانتوس وبوشكاش (2) وكوتشيش (2) وهيديكوتي وتوث، وللضيوف بروديس.


وتوجه "المنتخب الذهبي" بعد ذلك إلى سويسرا لخوض كأس العالم الخامسة التي بدأت بعد نحو 3 أسابيع، وكان مرشحاً فوق العادة ليكتب اسمه على كأس جول ريميه للمرة الأولى. قبل ذلك بسنتين كان قد تُوج بذهبية دورة هلسنكي الأولمبية، بعد فوزه في 5 مباريات على رومانيا 2-1 وإيطاليا 3-0 وتركيا 7-1 والسويد 6-0 ويوغوسلافيا 2-0. التشكيلة التي يقودها الكابتن فيرنك بوشكاش تعرف كل شيء عن فنون اللعبة ومتفوقة على الصعيدين الفردي والجماعي، ولذا فإن عروضها متعة للنظر، والنهج هجومي لدرجة أن المنتخب جاء إلى المونديال وهو يضم 3 حراس مرمى و4 مدافعين فقط و5 لاعبي وسط و10 مهاجمين. ثم أن اللاعبين متفرغين تماماً للعبة بقرار من الحزب الإشتراكي الحاكم، ويلعب معظمهم لفريق هونفيد بودابست التابع للجيش المجري، أي أنهم محترفون ولو بشكل مستتر، شاءت اللجنة الأولمبية الدولية ذلك أم أبت.


في المقابل، لم يكن يسمع أحد عن المنتخب الألماني الغربي أو عن لاعبيه، وهو يمثل دولة تحوّلت بعض مدنها إلى ركام بسبب الحرب العالمية الثانية، ولم تتم دعوتها لتصفيات مونديال البرازيل 1950 ولا لأولمبياد لندن 1948، ولكنها راحت تبني ما تهدم بوتيرة عالية، ولم تعد تنفق شيئاً من موازنتها على الأسلحة والقوات المسلحة لأنه لم يعد لديها جيشاً. دعيت مجدداً لأولمبياد هلسنكي 1952، وشاركت في ألعاب كثيرة منها كرة القدم، ففازت على مصر 3-1 (سجل لمصر السيد الضظوي واثنين من أهداف ألمانيا سجلهما فيلي شرويدر وهو الوحيد الذي كان ضمن منتخب 1954 بطل المونديال) ثم البرازيل 4-2 قبل أن تخرج من نصف النهائي على يد يوغوسلافيا 1-3. إلى ذلك، فإن جميع اللاعبين الألمان كانوا من الهواة، وتم اختيارهم من الأندية المشاركة في بطولات المناطق (طُبّق الاحتراف في موسم 1963-1964 مع بداية الدوري المعروف باسم "بوندسليغا" أو دوري الرابطة الألمانية). حكايات اللاعبين كثيرة، ومنها أن أحد هؤلاء وهو الكابتن فريتس فالتر كان في سلاح البحرية، ووُضع في أحد معسكرات الاعتقال في رومانيا بعد الحرب العالمية الثانية، قبل أن يُطلق سراحه مسؤول حراسه لأنه لاعب كرة مميز، وساعد الهجوم الأيسر هلموت ران كان ميكانيكياً، ثم صار يعمل في أحد المصارف بعدما دُمر المصنع الذي يملكه.

 

لا يكلف الله نفساً..
تم اختيار سويسرا لتنظيم المونديال الخامس في 22 يوليو 1946 في لوكسمبورغ، أي يوم تكليف البرازيل باحتضان مونديال 1950، ووضعت 14 بطاقة قيد المنافسة مع بطاقتين مجانيتين من نصيب الدولة المنظمة والأوروغواي حاملة اللقب.

لأوروبا 11 بطاقة وللقارات الأميركية بطاقتان ولآسيا بطاقة واحدة.


بالنسبة إلى التصفيات التي ضمت عملياً 33 بلداً، فإن الأرجنتين رفضت خوضها للمرة الثالثة على التوالي، ودُعيت ألمانيا بقسميها الغربي والشرقي، فلبى الأول الدعوة خلافاً للثاني، بسبب الانتفاضة العمالية ضد الحكومة والحزب الاشتراكي الحاكم، كما دُعيت اليابان مجدداً. ومن مفاجآت التصفيات أن السويد وإسبانيا ثالثة ورابعة مونديال 1950 أخفقتا في التأهل أمام بلجيكا وتركيا توالياً، وقد صارت هذه الأخيرة تشارك في المنافسات الأوروبية بدلاً من الآسيوية. شاركت مصر في التصفيات ضمن القارة الأوروبية وخرجت على يد إيطاليا، وتأهلت المجر بعد انسحاب بولندا وعدم قبول مشاركة إيسلندا. أقيمت 57 مباراة في التصفيات، فشهدت تسجيل 208 أهداف بمعدل 3.65 أهداف في المباراة الواحدة.


خاضت إيطاليا ومصر مباراتين في 13 نوفمبر 1953 و24 يناير 1954، في استاد النادي الأهلي في القاهرة أمام 22 ألف متفرج، خسرت مصر 1-2، وافتتح محمد ديب العطار "الديبة" التسجيل لمصر بعد 33 دقيقة، وردّ عليه أمليتو فرينياني وأرميس موتشينيلي بعد 62 و70 دقيقة. في ميلانو، في استاد كونيسيباليتي، أمام 40 ألف متفرج، فازت إيطاليا 5-1، سجل للفائز باندولفيني (1) وفرينياني (62) وبونيبيرتي (65 و86) وريكانيي، وللخاسر علاء الحامولي (32). أقيمت المباراة الثانية في جو بارد (درجة الحرارة 5 تحت الصفر)، واختارت صحيفة الأهرام عنواناً رئيساً يقول: "لا يكلف الله نفساً إلا وسعها".


ضم المنتخب المصري في لقاء القاهرة كلاً من أحمد كاتو ويكن حسين وسيد أبو جريشة وحمزة عبدالمولى وحنفي بسطان (الكابتن) وحلمي أبو المعاطي وأحمد مكاوي وعصام بهيج وشريف الفار ومحمد ديب العطار "الديبة" وأحمد أبو حسين "قدورة". وشارك في لقاء ميلانو عبدالجليل حميدة ويكن حسين وحمزة عبدالمولى وحنفي بسطان وحلمي أبو المعاطي وأحمد مكاوي وعلاء الحامولي ونور الدالي وشريف الفار وتوتو والسيد الضظوي.


وتأهلت البرازيل على حساب الباراغواي وتشيلي، وكذلك المكسيك على حساب الولايات المتحدة وهايتي، وتفوقت كوريا الجنوبية على اليابان 5-1 ثم تعادلتا 1-1، فباتت أول دولة آسيوية مستقلة تشارك في كأس العالم.

 

المجريون اصطادوا الألمان
قبل أن تنتهي التصفيات وضع "الفيفا" لائحة بأسماء المنتخبات المصنفة في المراكز الثمانية الأولى وهي، بحسب الأحرف الأبجدية الإنكليزية، النمسا والبرازيل وإنكلترا وفرنسا والمجر وإيطاليا وإسبانيا والأوروغواي، ثم حلّت تركيا بدلاً من إسبانيا بعدما تخطتها في التصفيات.


صيغة النهائيات كانت فريدة من نوعها: 4 مجموعات في كل منها 4 منتخبات، وفي كل مجموعة مصنفان أول وثان، لكن لا يلعبان ضد بعضهما.. مثلاً، ضمت المجموعة الأولى البرازيل وفرنسا وكذلك يوغوسلافيا والمكسيك، ولم تقف البرازيل وفرنسا وجهاً لوجه.


في المجموعة الأولى، فازت البرازيل على المكسيك 5-0 على ملعب استاد شارميّ في جنيف، والأهداف لبالتازار (23) وديدي (30) وبينغا (34 و43) وجولينيو (69).


وعاندت يوغوسلافيا التصنيف عندما فازت على فرنسا 1-0 سجله ميلوش ميلوتينوفيتش بتمريرة من ميتيتش في الدقيقة 15 على ملعب لابونتواز الأولمبي بمدينة لوزان.


وتعادلت البرازيل ويوغوسلافيا 1-1 في لابونتواز. سجل زيبيتش (48) للأولى وديدي (69) للثانية، ولم تتغير النتيجة بعد 120 دقيقة. وبالقرعة وُضعت البرازيل في الصدارة، لأن فارق الأهداف لم يكن معياراً إذا تعادل طرفان في عدد النقاط.


ولم ينفع في شيء فوز فرنسا على المكسيك 3-2 في جنيف. سجل للفائز فنسان (19) وكارديناس (46) بالخطأ في مرمى فريقه وكوبا (88) بركلة جزاء، وللخاسر لامدريد (54) وبالكازار (85). 


وفي المجموعة الثانية، ومع أنها مصنفة بعدما أقصت إسبانيا خلال التصفيات، فإن تركيا لم تصمد أمام ألمانيا الغريية حيث خسرت 1-4، على ملعب فانكدورف بمدينة برن. سجل سوات لتركيا بعد دقيقتين، ثم كانت أهداف شايفر (14) وكلوت (52) وأوتمار فالتر (60) ومورلوك (84).


افتتحت المجر مبارياتها باكتساح كوريا الجنوبية 9-0، على ملعب هاردتروم في زيوريخ. والأهداف لبوشكاش (12 و89) ولانتوس (18) وكوتشيش (24 و36 و50) وتسيبور (59) وبالوتاس (75 و83).


وعلى ملعب لي شارميّ، تغلبت تركيا على كوريا الجنوبية 7-0، سجلها سوات (10 و30) وليفتر (24) وبرهان (37 و64 و70) وإيرول (76). 


وتمتع 53 ألف متفرج على ملعب سان جاكوب، في بازل، بمهارات المنتخب المجري مجدداً عندما سحق نظيره الألماني الغربي 8-3، مع أن نجم المجر الأول فيرنك بوشكاش غادر أرض الملعب قبل نهاية اللقاء بنحو نصف ساعة لإصابته في قدمه، بعد مخالفة من ليبريتش ولم يلعب المباراتين اللاحقتين. سجل أهداف الفائز كوتشيش (3 و21 و67 و78) وبوشكاش (17) وهيديكوتي (50 و54) وتوث (73)، وأهداف الخاسر بفاف (25) وران (77) وهرمان (81). وكان مدرب المانيا سيب هربرغر يأمل بالتعادل كي يتأهل منتخبه إلى ربع النهائي مباشرة، بيد أن هذا لم يحدث، هو الذي أشرك أكثر من احتياطي وأراح أكثر من أساسي، ولكنه تعلم من هذه الخسارة الكثير. وبالتالي خاضت ألمانيا الغربية مباراة فاصلة ضد تركيا لتعادلهما نقاطاً.


وفي المباراة الفاصلة في 23 يونيو، في استاد هاردتورم، أمام 17 ألف متفرج، جددت ألمانيا الغربية فوزها على تركيا ولكن بنتيجة أعلى وصلت إلى 7-2. سجل للفائز أوتمار فالتر (7) وشايفر (12 و79) ومورلوك (31 و62 و77) وفريتس فالتر (63)، وللخاسر مصطفى (17) وليفتر (82). ولعبت تركيا بعشرة أفراد بعدما خرج جيتين مصاباً في الدقيقة 51.


وفي المجموعة الثالثة، فازت الأوروغواي على تشيكوسلوفاكيا 2-0، سجلهما ميغيز (71) وشيافينو (84) على ملعب فينكدورف، وضمت صفوف الفائز المدافع خوسيه سانتاماريا الذي حصل لاحقاً على الجنسية الإسبانية ليدافع عن ألوانها وألوان نادي ريال مدريد. كذلك، تفوقت النمسا على اسكتلندا 1-0 سجله بروبست (33) على ملعب هاردتروم.


وفي 19 منه، اكتسحت الأوروغواي اسكتلندا 7-0 سجلها بورغيس (17 و47 و57) وميغيز (30 و83) وأبادي (54 و85) على ملعب سان جاكوب بمدينة بازل، كما سحقت النمسا تشيكوسلوفاكيا 5-0 مع ثنائية لستوياسبال (3 و65) وثلاثية لبروبست (4 و21 و24). وباعتبار أن كلاً من الأوروغواي والنمسا حقق انتصارين، فإن القرعة ابتسمت للأولى فتصدرت مجموعتها.


وفي المجموعة الرابعة تفوقت سويسرا على إيطاليا 2-1 على ملعب لا بونتواز الأولمبي. سجل للفائز بالامان (18) وهوغي (79) وللخاسر بونيبرتي (44). وعلى ملعب سان جاكوب، تعادلت إنكلترا وبلجيكا 4-4 بعد شوطين إضافيين، وهدف التعادل لبلجيكا سجله الظهير الأيسر الإنكليزي ديكينسون بالخطأ في مرمى فريقه، عندما أراد أن يبعد برأسه تمريرة لمنافسه درايس. سجل لإنكلترا بروديس (26 و63) ولوفتهاوس (36 و91)، ولبلجيكا أنول (5 و71) وكوبنس (67) وديكينسون (94).


وفازت إيطاليا على بلجيكا 4-1 على ملعب كورناريدو في لوغانو، وأحرز الفائز أهدافه عبر باندولفيني (41 من ركلة جزاء) وغالي (48) وفرينياني (58) ولورنزي (78) قبل أن يسجل أنول (81) للخاسر. كذلك فازت إنكلترا على سويسرا 2-0، سجلهما مولين (43) وويلشو (69) على ملعب فانكدورف. 


وحلّت إنكلترا أولى برصيد 3 نقاط، وأقيم لقاء فاصل بين سويسرا وإيطاليا، لأن كلاً منهما يملك نقطتين، ففازت الأولى 4-1 في سان جاكوب. وسجل هوجي (14 و85) وبالامان (48) وفاتون (90) للفائز، ونيستي (67) للخاسر.
 

للكاتب أيضاً