كأس العالم – سويسرا 1954 اللامعقول انقلب.. معقولاً! (الجزء الثاني والأخير)

لم يُمثّل بوشكاش المنتخب المجري بعد انتفاضة العُمّال عام 1956

الخط

في الدور ربع النهائي من المونديال السويسري، حفلت مباراة النمسا وسويسرا، التي أقيمت في 26 يونيو، في استاد لا بونتواز الأولمبي بلوزان، أمام 30 ألفاً و340 متفرجاً، بأرقام قياسية عدة من زاوية الأهداف ولا تزال صامدة حتى اليوم:  سُجل 12 هدفاً (فازت سويسرا 7-5)، وكانت هناك 9 أهداف في الشوط الأول (5-4)، علماً بأن الجناح الأيمن النمساوي روبرت كورنر (شقيقه ألفريد هو الجناح الأيسر) أهدر ركلة جزاء في الدقيقة 42. وأغرب ما في الأمر أن سويسرا تقدّمت بـ3 أهداف مقابل لا شيء حتى الدقيقة 17، لكن النمسا لم تتطلع إلى الوراء وسجلت 5 أهداف متتالية. وهو أول منتخب في تاريخ المسابقة يتأخر بثلاثة أهداف ثم يفوز بالمباراة، وقد حذا حذوه لاحقاً منتخب البرتغال خلال مباراته ضد كوريا الشمالية في مونديال 1966، عندما فاز 5-3، مع رباعية لأوزيبيو. وهناك أمر آخر لافت: تقدّمت سويسرا بثلاثة أهداف سريعة، بالامان (16) وهوغي (17 و23)، ثم سجلت النمسا 3 أهداف أسرع عن طريق فاغنر (24) وألبرت كورنر (26 و27) (المرجع: صحيفة ليكيب الفرنسية). كذلك سجل للنمسا أوكفيرك (32) وألبرت كورنر (34) وفاغنر (52) وبروبست (76)، وأحرزت سويسرا آخر هدفين لها بعد 39 و58 دقيقة عبر بالامان وهوغي.


أُطلق على المباراة اسم "معركة لوزان الحارة"، لأن درجة الحرارة بلغت 40 درجة مئوية، وهذا ما دفع إلى تلقي حارس مرمى النمسا شميد وكابتن سويسرا بوكيه علاجاً خاصاً بين الشوطين بسبب "ضربة شمس"، والأوقع أنها "معركة الأهداف".


وفي استاد سان جاكوب، أمام 28 ألف متفرج، تمكنت الأوروغواي من إقصاء إنكلترا 4-2، مع أن الأولى أنهت المباراة وهي تلعب بـ8 أفراد، نتيجة إصابة أندرادي وأبادي وفاريلا. سجل للفائز بورغيس (5) وفاريلا (39) وشيافينو (46) وأمبرويس (78)، وللخاسر لوفتاهاوس (16) وفيني (67).


وفي 27 يونيو، تخلصت ألمانيا من يوغوسلافيا 2-0، سجلهما هورفاث (9 بالخطأ في مرمى فريقه) وران (86)، في استاد شارميّ، أمام 17 ألف متفرج.

 

معركة برن
ثم كانت المباراة العنيفة التي اختير لها اسم "معركة برن"، بين المجر والبرازيل، في استاد فانكدورف وحضرها 40 ألف متفرج. اشتبك المجري بوجيك والبرازيلي نيلتون سانتوش في الدقيقة 71 فطُردا، كما طُرد البرازيلي همبرتو في الدقيقة 79 لمخاشنته كوتشيش. واقتحم البرازيليون غرفة ملابس المجريين بعد انتهاء المباراة، ودارت اشتباكات استخدمت فيها الأحذية!


بعد 4 دقائق فقط، حاول قلب دفاع البرازيل بينييرو المراوغة خارج منطقة الجزاء، فاستخلص هيديكوتي منه الكرة وسجل الهدف الأول، وأضاف كوتشيش الهدف الثاني بعد 3 دقائق بضربة رأسية لطالما اشتهر بها. ومن ركلة جزاء قلص دجالما سانتوش الفارق في الدقيقة 18. واحتُسبت ركلة جزاء ثانية من قبل الحكم الإنكليزي، أرثر إيلليس، لكن لمصلحة المجر هذه المرة بسبب لمسة يد من دجالما سانتوش، من دون أن تنفع احتجاجات البرازيليين، فرفع لانتوس النتيجة إلى 3-1 في الدقيقة 60. ومرة جديدة قلصت البرازيل النتيجة بواسطة جولينيو بعد 65 دقيقة، ثم بدأت حالات الطرد إلى أن أحرز كوتشيش هدف المجر الرابع قبل النهاية بدقيقتين.


وفي نصف النهائي، مساء اليوم الأخير من يونيو، فقدت الأوروغواي لقبها من جراء خسارتها أمام المجر 2-4، في استاد لا بونتواز الأولمبي، في حضور 37 ألف متفرج. مباراة متقلبة بين طرفين قدما أحلى العروض في الدورة، وربما من الأحلى في تاريخ المسابقة. تقدمت المجر بهدفين لتسيبور (13) وهيديكوتي (46)، لكن الأوروغوياني خوان أنطونيو هويبرغ، الذي وُلد في كوردوبا بالأرجنتين وتوفي في ليما بالبيرو عن 69 عاماً سنة 1996، سجل هدفين متتاليين بعد 75 و86 دقيقة بتمريرتين من شيافينو، ليفرض اللجوء إلى شوطين إضافيين، وخلالهما استثمر كوتشيش مجدداً براعته في الضربات الرأسية وسجل هدفين في الدقيقتين 111 و116 بتمريرتين من بوداي وبوجيك. وقد أصيب نجم الأوروغواي شيافينو في الدقيقة 86 ولم يعد إلى أرض الملعب إلا في مطلع الشوط الإضافي الثاني. أهم الغائبين من الطرفين كان بوشكاش من المجر وفاريلا وأبادي وميغيز من الأوروغواي. وباتت المجر ثالث دولة تبلغ المباراة النهائية مرتين (الأولى في 1938) بعد الأوروغواي وإيطاليا.


ومضت ألمانيا الغربية في خطها التصاعدي، فسحقت النمسا 6-1، في استاد سان جاك في بازل، أمام 58 ألف متفرج. سجل للفائز شايفر (31) ومورلوك (47) وفريتس فالتر (54 و64 من ركلتي جزاء) وأوتمار فالتر (61 و89)، وللخاسر بروبست (51). غاب عن صفوف النمسا حارسها شميد، الذي أصيب بضربة شمس في المباراة السابقة ضد سويسرا. 


وحلت النمسا ثالثة بفوزها على الأوروغواي 3-1، في استاد هاردتورم أمام 32 ألف متفرج، في 3 يوليو. سجّل للفاز ستوياسبال (16 من ركلة جزاء) وكروز (59 بالخطأ في مرمى فريقه) وأوكفيرك (79)، وللخاسر هويبرغ (22).

 

.. وألمانيا الغربية اصطادت المجر
وأخيراً، وقف منتخبا المجر وألمانيا الغربية وجهاً لوجه في المباراة النهائية، التي أقيمت على استاد فانكدورف بمدينة برن، أمام 62 ألفاً و472 متفرجاً، وقادها الحكم الإنكليزي وليام لينغ. كان المجري مرشحاً للقب بقوة، هو الذي لم يخسر أياً من مبارياته الـ31 الأخيرة، والذي أحرز ذهبية أولمبياد هلسنكي 1952 على حساب يوغوسلافيا 2-0 (بوشكاش وتسيبور).


قبل مواجهة الألمان تساءل الجميع: هل سيلعب بوشكاش أم سيغيب عن اللقاء بسبب إصابة في قدمه أبعدته عن المباراتين السابقتين؟


وبالفعل، لعب بوشكاش وسجل هدفاً سريعاً بعد 6 دقائق، عندما تابع كرة سددها كوتشيش، إثر تمريرة من بوجيك تحوّلت له من المدافع ليبريش. بعدها بدقيقتين، سجل تسيبور هدفاً مجرياً ثانياً بعد خطأ من كوهلماير. هنا تحديداً، اعتقد الجميع أن المجر ستسجل نتيجة ساحقة على حساب ألمانيا، على غرار ما حصل في مباراة الدور الأول 8-3، بيد أن هذا الاعتقاد تبدد بسرعة، لأن مورلوك استثمر خطأ من زاكارياس وهز شباك الحارس غروشتش في الدقيقة 10. بعدها بثماني دقائق، صارت النتيجة 2-2 مع الهدف الألماني الثاني لهلموت ران، إثر ركنية نفذها فريتس فالتر. انتفض المجريون، وهزّ هيديكوتي القائم الألماني، كما ردّت العارضة كرة رأسية من كوتشيش، وأبعد كوهلماير كرة من على خط المرمى بعد تسديدة من ميهالي توث. ثبت الألمان، ثم جاءت المكافأة قبل نهاية المباراة بـ6 دقائق: تمريرة من شايفر أبعدها لانتوس برأسه، فوصلت الكرة إلى خصمه ران، غير المراقب، ليسددها بيسراه على يمين الحارس غروشتش. ولاحت فرصة أخيرة قبل 30 ثانية من النهاية لتسيبور، لكن الحارس توريك أنقذ الموقف، فكانت "معجزة برن" التي باتت جزءاً من التراث الألماني. وبقي كثيرون يتساءلون: هل كان من الأفضل ألا يشارك بوشكاش لعدم اكتمال لياقته البدنية، هو الذي سجل هدفاً قبل ثوان من النهاية وألغاه الحكم بداعي التسلل؟
مثّل ألمانيا: بوسيبال وليبريش وكوهلماير – إيكيل وماي – ران ومورلوك وأوتمار فالتر وفريتس فالتر وشايفر. المدرب: سيب هربرغر.  


مثّل المجر: غروشتش – بوزنسكي ولورنت ولانتوس – بوجيك وزاكارياس – تسيبور وكوتشيش وهيديكوتي وبوشكاش وتوث. المدرب: غوستاف سيبيس.

 

أرقام ووقائع
أرقام قياسية عدة سجلت في النسخة الخامسة وأكثر من أي نسخة أخرى (تلك التي لم تتحطم حتى اليوم بين قوسين):


-    سُجل (140) هدفاً في 26 مباراة، بواسطة 59 لاعباً بمعدل (5.38) في المباراة الواحدة، منها 11 للمجري ساندور كوتشيش و(27) للمجر. 16 هدفاً بالرأس و7 من ركلات جزاء و3 من ركلات حرة و4 بنيران صديقة.


-    عدد المتفرجين: 768 ألفاً و607 متفرجين، بمعدل 29 ألفاً و562 في المباراة الواحدة.


-    أكبر فارق أهداف هو للمجر (+17). أكبر عدد من الأهداف سجّله منتخب بطل هو ألمانيا الغربية (25). أكبر معدل من الأهداف في المباراة الواحدة هو لألمانيا الغربية (4.17). أكبر عدد من الأهداف يهز شباك البطل هو لألمانيا الغربية (14) بمعدل (2.33) في المباراة الواحدة. أكبر عدد من الأهداف تستقبله الشباك خلال الدورة هو لكوريا الجنوبية (16). أكبر فارق سلبي في الأهداف هو لكوريا الجنوبية (-16). أكبر عدد من الأهداف في مباراة واحدة (12) في لقاء النمسا وسويسرا 7-5.

أكبر فارق أهداف خلال مباراة واحدة هو للمجر على كوريا الجنوبية 9-0، مع التذكير بأن يوغوسلافيا هزمت زائير 9-0 أيضاً في مونديال 1974، كما فازت المجر على السلفادور 10-1 في مونديال 1982.


-    المجري ساندور كوتشيش هو أول من سجل ثلاثيتين في دورة واحدة (1954) وتبعه الفرنسي جوست فونتين (1958) والألماني غيرد مولر (1970)، في حين سجل الأرجنتيني غابرييل باتيستوتا ثلاثية في 1994 وأخرى في 1998.


-    أصغر لاعب هو التركي كوسكون 19 عاماً و41 يوماً، وأكبر لاعب هو الإنكليزي ستانلي ماتيوز 39 عاماً و141 يوماً.


-    أصغر هداف هو اليوغوسلافي ميلوتينوفيتش 21 عاماً و131 يوماً، وأكبر هداف هو الأوروغوياني فاريلا 36 عاماً و279 يوماً.


-    ألمانيا الغربية أول دولة تتوج بطلة لكأس العالم وقد خسرت مباراة قبل تتويجها، كما أنها أول دولة تحرز اللقب من دون أن تواجه أي دولة من خارج قارتها الأوروبية.


-    أول مرة يسمح فيها بتبديل لاعب بلاعب خلال مباراة في التصفيات تمت في 11 أكتوبر 1953، عندما حل الألماني هورست إيكل بدلاً من ريتشارد غوتينغر في المباراة ضد سارلاند (ولاية ألمانية حالياً ومن أشهر أنديتها نادي ساربروكن، وكانت محتلة من فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية وبقيت عضواً في أسرة "الفيفا" منذ 1950، إلى أن عادت إلى أحضان ألمانيا الغربية في 1 يناير 1957).


-    أول مرة تطبع فيها أرقام اللاعبين على قمصانهم كانت في مونديال 1954.


-    أول مرة يسجل فيها لاعب 3 أهداف في الشوط الأول هو النمساوي إيريك بروبست في شباك تشيكوسلوفاكيا وكانت أسرع ثلاثية (4 و21 و24).


-    أول لاعب يسجل هدفاً في مرمى منتخبه خلال الشوطين الإضافيين هو الإنكليزي جيمي ديكينسون )94)، عندما تعادلت إنكلترا وبلجيكا 4-4، وكانت الأخيرة متأخرة 3-4.


-    استقال مدرب اسكتلندا أندي بيتي قبل 4 ساعات من مباراة منتخبه ضد الأوروغواي في الدور الأول، احتجاجاً على النقص في استعدادات منتخبه للمسابقة. لم يضم المنتخب إلا 14 لاعباً، بعدما تخلف عنه ستة آخرين.


-    من غرائب التصفيات الأوروبية أن إسبانيا هزمت تركيا 4-1 في مدريد بتاريخ 6 يناير 1954، وردت تركيا 1-0 في اسطنبول بعد 8 أيام، فأقيمت مباراة فاصلة على أرض محايدة هي روما، باعتبار أن قاعدة فارق الأهداف لم تكن معتمدة ولا خوض شوطين إضافيين، فتعادلتا 2-2. ولكسر التعادل، تمت الاستعانة بإبن أحد العاملين في استاد روما ليسحب القرعة. وبنتيجة القرعة، التي سحبها فرانكو جيمّا (14 عاماً) وهو معصوب العينين (هذا يعني أنه لم يكن أعمى)، فازت تركيا.


-    مباراة المركز الثالث بين النمسا والأوروغواي حملت الرقم 100 في تاريخ كأس العالم.


-    جاء في دراسة جامعية ألمانية نُشرت في أكتوبر 2010، أن لاعبي المنتخب الألماني كانوا يتناولون مادة "برفيتين" المنشطة، ولكنها لم تكن ممنوعة في ذلك الوقت. وأوضح عدد من اللاعبين أنهم كانوا يعتقدون أن هذه المادة هي فيتنامين C.


-    دخلت القوات السوفياتية إلى بودابست لمساعدة الحكومة المجرية في التصدي لانتفاضة العمال في 23 أكتوبر 1956. في ذلك اليوم، كان فريق هونفيد، الذي يضم معظم لاعبي المنتخب، في تركيا يخوض مباراة في المسابقة الجديدة وهي كأس أبطال أندية أوروبا. بعدها، لم يعد أكثر من لاعب إلى المجر، ومنهم بوشكاش وتسيبور وكوتشيش، ولم يدافعوا عن ألوانها بعد ذلك. بوشكاش بالذات مثّل إسبانيا في 4 مباريات دولية، منها 3 في مونديال 1962، بعدما انضم إلى ريال مدريد عام 1958.
 

للكاتب أيضاً