كأس العالم ما أروعها.. مسحة جمالك

الخط

كان الفرنسي جول ريميه من بين 40 ألفاً و552 متفرجاً حضروا نهائي مسابقة كرة القدم في دورة باريس الأولمبية على استاد كولومب بتاريخ 9 يونيو 1924. وعندما كانت الأوروغواي تسجل الهدف تلو الآخر في شباك سويسرا، إلى أن توقفت عند الرقم 3، راح ريميه، الذي انتُخب رئيساً للاتحاد الدولي للعبة "الفيفا"، في أول مارس 1921، يتساءل: "في هذه الدورة تنافست منتخبات 22 دولة من 4 قارات (أوروبا وأميركا الشمالية وأميركا الجنوبية وإفريقيا ممثلة بمصر) وحضرتها جماهير غفيرة (نحو 223 ألف متفرج)، فلماذا لا نتخيل مسابقة مفتوحة يشارك فيها جميع الفنانين من هواة ومحترفين"؟

 

عمل ريميه طويلاً على بلورة وصياغة الفكرة المذكورة مع مسؤولين كثيرين آخرين، على رأسهم أمين الاتحاد الفرنسي لكرة القدم هنري دولوني. مسابقة كرة القدم في الدورات الأولمبية مخصصة للهواة وحدهم، و"الفيفا" يطمح إلى إطلاق مسابقة يشارك فيها المحترفون أيضاً، لأن أعدادهم تتزايد باضطراد ويجب اغتنام واستثمار ما يملكونه من مهارات وإمكانات. وفي 18 نوفمبر 1927، أعلن ريميه رسمياً أمام إعلاميين أن العمل على تنظيم كأس العالم جارٍ على قدم وساق.

 

في 26 مايو 1928، يوم افتتاح أولمبياد أمستردام، جاء الخبر اليقين: سينظم "الفيفا" (يمكن لهذه العبارة أن تكون مذكراً أو مؤنثاً) مسابقة مفتوحة أمام كل الاتحادات المنضمة إلى أسرته وجميع اللاعبين من هواة ومحترفين، اعتباراً من 1930 وبمعدل مرة كل 4 سنوات. وتم التصويت على المشروع بأغلبية 25 صوتاً مقابل 5 (الدول الاسكندينافية) وامتنعت ألمانيا عن التصويت.

 

دول عدة اقترحت تنظيمها ثم انسحبت، إسبانيا وهولندا والسويد والمجر، وبقيت الأوروغواي وإيطاليا وحدهما في الساحة، إلى أن وقع الخيار على الدولة الأميركية الجنوبية بأغلبية 27 صوتاً مقابل 5 وذلك لأسباب ثلاثة: أن الأوروغواي ستحتفل في 1930 بالعيد المئوي لاستقلالها، وأن تكليفها هو مكافأة لهذه الدولة الصغيرة من حيث التعداد السكاني (مليونان وربع مليون نسمة في ذلك الوقت) على فوزها بذهبيتي دورتي باريس 1924 وأمستردام 1928 الأولمبيتين على حساب سويسرا والأرجنتين، وأنها تبرعت بمصاريف السفر والإقامة والمأكل والمشرب لكل المنتخبات المشاركة وبمصروف الجيب لكل لاعب (4 بيزوس يومياً على مدى 3 أسابيع)، فضلاً عن تخصيص 10% من أرباح الدورة للـ"فيفا". وما أسهم أيضاً في اختيار الأوروغواي بالذات اجتماع عُقد في باريس بين جول ريميه وبين أنريكه بويرو، سفير الأوروغواي في بلجيكا وهولندا، وكان مديراً للمنتخب الفائز بالذهبيتين الأولمبيتين.

 

ملاحظة: يذكر مصدر آخر (ويكيبيديا) أن إيطاليا سحبت ترشيحها ففازت الأوروغواي بالتزكية.

 

صراع الهواية والاحتراف

نفض الفرنسي بيار دو كوبرتان الغبار عن الدورات الأولمبية، لتظهر مجدداً عام 1896 بعدما بقيت مطمورة 503 أعوام. كان راغباً في التجديد لأغراض تربوية وسلمية، لكي يبرر وجود هذه الألعاب ويجلب لها الدعم من الجميع، فباتت اللجنة الأولمبية الدولية حامية الهواية الرياضية والضامنة لها.

 

ورغم الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية والخسائر المادية والأحوال البدنية والمعنوية المتردية للشعوب بعد الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، فإن النشاط الرياضي أطلّ بسرعة في معظم الدول، بما فيها المتحاربة، حيث تضاعفت أحجام المنافسات والمشاركين فيها وتكاثرت أعداد الأندية والمنتمين إليها، الأمر الذي منح الاتحادات الرياضية الدولية وزناً أكبر. وقد صب الافتتان بالرياضة إيجاباً لدى المسؤولين الأولمبيين، باعتبار أن منافساتهم لبست أثواباً ذات ألوان باهية.

 

مع ذلك، ولأن الرياضة اكتسبت صفة الشهرة بسرعة فائقة، فإن عالماً جديداً راح يتشكل بين الحربين العالميتين.

 

الرياضة الهاوية بالذات كانت حجر الأساس في فلسفة دو كوبرتان والمسؤولين الأولمبيين، باعتبار أن خوض دوراتهم يجب أن يقتصر على من لا يتقاضون أي أجر عن أعمالهم (هي بالأحرى الدورات الأولمبية الأرستقراطية). بيد أن هذه الرياضة الهاوية التي تتزعمها كرة القدم بدأت تتخلى عن الهواية وراحت تشقّ طريقها نحو الاحتراف، لتلبي حاجات الطبقات الاجتماعية الشعبية. لم تكن هناك هواية خالصة يوماً ما، ولم يكن أحد يقرأ ويسمع إلا عبارات الهواية المقنعة والزائفة والإحتراف المستتر ونصف الاحتراف.

 

عموماً، ظهرت هُوّة عميقة بين خطاب محافظ تنقله مؤسسات ترعى القيم الأرستقراطية، وبين وقائع رياضية ناجمة عن دخول الصبغة الشعبية إلى ميادين النشاطات الترويحية. مباراة فرنسا وإنكلترا الدولية الودية مطلع العشرينيات حضرها 35 ألف متفرج، وبلغت إيراداتها 125 ألف فرنك، واللاعبين كانوا على علم بكل هذه الأرقام، أما المستفيدين من تنظيم هذه المباريات فكانوا مع نمو الاحتراف، حتى ولو صبغت الطبقة الرياضية الإدارية على الاحتراف صفة "المجرم". وحتى خلال الحرب العالمية الأولى بين 1914 و1918، كانت كرة القدم بمثابة أداة حربية، بمعنى أن ممارستها من قبل الجنود - وجلّهم من أوساط العمال والفلاحين - تساهم في تقويتهم، وهذا ما سمح بانتشار مكثف للرياضة، لاسيّما كرة القدم، في أوساط الطبقتين المذكورتين، بعدما وضعت الحرب أوزارها. وفعلاً، انجرفت أعداد كبيرة من الشعوب المتحاربة نحو كرة القدم والرياضة والاستعراض.

 

وقد عانى الاتحاد الدولي بالذات حتى يجد التوازن المطلوب بين الهواية والاحتراف، لكنه لم ينجح، وبضغط من لاعبيه الذين يحملون الرخصة بدأ الاحتراف يظهر للعلن في أوساطه، وصار نزاع "الفيفا" مع اللجنة الأولمبية الدولية مرآة لهذا التناقض بين "الخطاب" و"الواقع".

 

من رحم هذا النزاع خرج مولود عملاق: كأس العالم لكرة القدم. مسابقة مفتوحة أمام الهواة والمحترفين معاً شاءت اللجنة الأولمبية الدولية أو لم تشأ. وقد خففت هذه اللجنة من قيود الهواية حتى تتمكن أمستردام من تنظيم مسابقة كرة القدم في أولمبياد 1928، ثم ألغيت المسابقة من برنامج أولمبياد لوس أنجليس 1932، إلى أن اختفت كلمة الهواية كلياً منذ أولمبياد برشلونة 1992، بتسهيل من رئيس اللجنة الأولمبية الدولية آنذاك وهو الإسباني خوان أنطونيو سامارانش. العالم الرياضي رقص ويرقص على إيقاع التظاهرتين الرياضيتين الكبيرتين، وإيقاع "المونديال" هو الأشد صخباً منذ نسخته الأولى عام 1930 في الأوروغواي. وُلد عملاقاً وغيّر وجه العالم. من بين كل النشاطات الإنسانية تتمتع كأس العالم بمسحة جمال ولا أروع.

بريطانيون وفرنسيون

أبصرت كرة القدم النور في بريطانيا. صاغ طلاب مؤسسات كامبريدج القواعد الأولى لقانون اللعبة في 1848، وبات شيفيلد أف سي عام 1857 أول نادٍ محترف في العالم، وأقيمت أول مباراة بين الأندية في 16 ديسمبر 1860 وتمثل طرفاها بشيفيلد أف سي وهالام أف سي، مع وجود 16 لاعباً من كل طرف على أرضية الملعب وليس 11، وتأسس الاتحاد الإنكليزي للعبة عام 1863، وفي 1866 كان لقاء بين لندن وشيفيلد حُددت مدته وللمرة الأولى بـ90 دقيقة، وكانت مباراة إنكلترا واسكتلندا عام 1872 أول مباراة دولية، وفي العام عينه، ظهرت أول مسابقة محلية وهي كأس التحدي بإشراف الاتحاد الإنكليزي، وباتت كرة القدم لعبة محترفة في إنكلترا اعتباراً من 1885. وعن طريق عمال سكك الحديد البريطانيين، عرفت أميركا الجنوبية وأوروبا اللعبة في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، وهولندا بالذات نظّمت بطولة الدوري للمرة الأولى في 1888.

 

كل هذا صحيح. ولكن الصحيح أيضاً أن كرة القدم ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بأسماء الفرنسيين. بعد بيار دو كوبرتان الذي نظّم الدورة الأولمبية الأولى في الزمن الحديث عام 1896، جاء دور روبير غيران ليؤسس الاتحاد الدولي لكرة القدم عام 1904، كما جاء جول ريميه ليُطلق مسابقة كأس العالم اعتباراً من 1930، على غرار ما سيفعل هنري دولوني الذي كانت له اليد الطولى في تنظيم بطولة اوروبا اعتباراً من 1960، علماً بأن كأس أندية أوروبا (دوري الأبطال حالياً) وجائزة الكرة الذهبية هما من بنات أفكار جريدة "ليكيب" ومجلة "فرانس فوتبول".

 

روبير غيران (1876-1952) هو صاحب فكرة تأسيس المنظمة الرياضية الأقوى والأشد تأثيراً في العالم: الاتحاد الدولي لكرة القدم. وكلمة "الفيفا" مكونة من 4 أحرف فرنسية هي F.I.F.A. الصحافي في جريدة "لو ماتان"، ورئيس قسم كرة القدم في اتحاد المؤسسات الفرنسية للرياضات البدنية، كان يريد أن يُوحّد ويقنّن وينظّم هذه الرياضة خارج حدود بلاده، لأنها راحت تنتشر في أوروبا والعالم بسرعة صاروخية (أول مباراة دولية في أميركا الجنوبية في 20 يوليو 1902 أسفرت عن فوز الأرجنتين على الأوروغواي 6-صفر، وأول مباراة دولية في القارة العجوز بين منتخبين غير بريطانيين أقيمت في 12 أكتوبر 1902 وانتهت بفوز النمسا على المجر 5-0، والقارة الأميركية الجنوبية تنظّم بطولتها المعروفة حالياً باسم "كوبا أميركا" منذ 1916 وبإيقاع شبه سنوي). وقد اجتمع غيران والهولندي كارل هيرشمان مرات عدة  بمسؤولين في الاتحاد الإنكليزي، على أمل إقناعهم بترؤس حركة تجمع عائلة اللعبة في العالم، لأنهم ابتكروها وهيمنوا عليها، لكن هؤلاء المسؤولين ترددوا ولم يكونوا متحمسين للتعاون مع الأوروبيين "الهواة"، ولا مع أي فكرة تأتي من الخارج (لم تشارك انكلترا في كأس العالم إلا اعتباراً من 1950). مع ذلك لم يستسلم غيران وناشد بنفسه مسؤولين من 6 دول أوروبية أخرى، هي بلجيكا والدنمارك وإسبانيا وهولندا والسويد وسويسرا، بهدف تأسيس "الفيفا"، وذلك بتاريخ 21 مايو 1904 في شارع فوبور سان أونوريه بباريس. وبعد يومين عُقد أول مؤتمر للـ"فيفا" وانتُخب روبير غيران رئيساً له.

 

أما جول ريميه (1873-1956) فقد أسس صحيفة لا ريفو ونادي رد ستار (شمال باريس)، وشارك في تأسيس الاتحاد الدولي لكرة القدم عام 1904، وترأسه من 1921 إلى 1954، بعدما ترأس الاتحاد الفرنسي للعبة منذ 1919. أراد تشجيع النشاط الاجتماعي لدى الطبقات الشعبية من خلال مزاولة الرياضة المحترفة، وذلك من أجل "التخفيف من سوء الأحوال المعنوية والجسدية لأشد الناس فقراً". وعندما كان أعضاء آخرون في "الفيفا" يتمنون أن يكون لقب بطل العالم من نصيب الفائز بذهبية دورة الألعاب الأولمبية، التي لا يشارك فيها إلا الهواة، كان جول ريميه وهنري دولوني (1993-1955)، الذي أطلق كأس فرنسا عام 1917 وكأس الأمم الأوروبية عام 1960 (توفي قبل أن يشهد النسخة الأولى من كأس الأمم)، يجهدان لإقناع الجميع بضرورة تنظيم مسابقة مفتوحة أمام المحترفين والهواة معاً خلافاً للدورة الأولمبية. وهذا ما حصل.

للكاتب أيضاً