العسل الكرواتي في قطر

الخط

لا أعرف إن كانت جبال "بوكوفا" "وزيلنجورا""ودينارا" تنتج، في هذه الأيام الشتوية، العسل الجبلي الذي تشتهر به كرواتيا، لكن أعرف،لأني شهدت وتابعت القفير الأحمر والأبيض وهو ينتج ويهدي المشاهدين أمس عسلاً كُروياً صافياً في ستاد أحمد بن علي بقطر، مضيفة أجمل بطولة كأس عالم في التاريخ حتى الآن، وبأداء موسيقي رائع قاده المايسترو لوكا مودريتش، الذي يبدو أنه اهتدى إلى إكسير سحري أعاد له شباب اليافعين وحيويتهم.


بهذه الكلمات وددتُ أن أختصر تحليلي للقاء بلجيكا مع كرواتيا ،لأن ما قدّمه المنتخب الأوروبي المتوسطي فاق "شياطين" أوروبا كما يُلَقَّب البلجيك، وأذاقهم مرارة الخروج من كأس العالم وحسرته مبكراً بعدما كانوا من المرشّحين لتخطي دَوْرَين على الأقل. لكن، وكما ذكرت في مقالة سابقة عن صعوبةت رشيح أي منتخب لإحراز اللقب كما يفعل كثر قبل بدء البطولات، ها هي الإصابات وتداعياتها تقلب أوضاع بلجيكا وتوجّهها الى مطار الدوحة باكراً.


فمدرّب بلجيكا الإسباني مارتينيز ما كان سيُبقي نجميه روميلو لوكاكو والقائد إيدين هازار على مقاعد الاحتياط لو كانا جاهزين بدنياً وفنياً. ولذا اضطر للاستغناء عن خدمات رئة فرقته هازار، ووحش هجومه، هدّافه لوكاكو، قبل أن يُضطَّر لإشراكه في الشوط الثاني. فالإصابات المتكررة التي لحقت بهازار مع ريال مدريد أبعدته عن التشكيلة الأساسية في غالبية المباريات، ولم يعد موضع اطمئنان مدربه. ولوكاكو تأثّر كثيراً بابتعاده عن الملاعب مع تشلسي بسبب الخلافات، وعن فريقه القديم الجديد إنتر ميلان الذي سبق أن أحرز معه اللقب الإيطالي وجائزة أفضل لاعب في الموسم قبل الماضي بسبب الإصابة، ففقد الكثير من حساسية التهديف. ومع أن إشراكه ساعد في تحسين مردود هجوم الشياطين، لكن، في الوقت ذاته، ربما، أصاب عدداً من مناصريه بأزمات قلبية لأنه أضاع 4 فرص محققة على الأقل وهو داخل منطقة الجزاء الكرواتية بل، وأحياناً على بعد متر أو مترين فقط من المرمى.

 

* شوط الحركة بلا بركة
لعبت كرواتيا بطريقة 4-3-3، لكن مع إعطاء مودريتش وكوفاسيتش حرّيّة التحرّك في كل مكان وترك زميلهما بروزوفيتش كإرتكاز ثابت أمام رباعي الدفاع. ولذا، تسيّدت معظم الشوط الأول ومارست ضغطاً خانقاً على المرمى البلجيكي الذي حماه أفضل حارس في العالم، العنكبوت كورتوا بكفاءة.


أما بلجيكا التي اعتمدت طريقة أكثر هجومية بالشكل وليس بالفعل، فتشكّلت من 4 -2-3-1 ما قلّل نجاعتها الهجومية على رغم وصولها إلى مرمى المنافس مرات عدة وبقليل من الخطورة، ووسط تألّق نجمها كيفن دي بروين الذي أشعل ميمنة الهجوم، إذ سدّد ومرّر وحاور وساند في شكل لافت. ولم يشاطر دي بروين نجوميته إلا عمالقة الخط الخلفي للشياطين، الحارس، تيبو كورتوا ومدافعوه الأربعة الذين فرضوا بأطوالهم الفارعةعلى كرواتيا تجنّب التمرير الهوائي.

 

*شوط "الفاتريني"
وفي الشوط الثاني، أو ما يُعرف بشوط المدربين، دفع روبيرتو مارتينيزعلى مدار دقائقه الـ45 بأربعة مهاجمين ولاعب وسط واحد بدل مدافع ولاعب وسط و3 مهاجمين من أجل إنعاش فعالية خطه الأمامي بدمٍ جديد وعديدٍ أكثر من بينه لوكاكو الذي أضاع فرصاً نادرة أمام شباك ليفاكوفيتش، الحارس الأمين للمرمى الكرواتي.


وبعكس الشوط الأول الخالي إلا من سجال سلبي وجريٍ وتمريرٍ وتسديدٍ أخطأ المرمى، أشعل الفريقان الجوّ بنديّة وقوة، وخصوصاً "الفاتريني" أو"الحارقون" كما يسمّى فريق الكُروات. فهؤلاء قدّموا فواصل جميلة من التمرير المُتقّن والدقيق والسريع، القصير والمتوسط،و حرقوا أعصاب "شياطين الألوان الثلاثة" وجمهورهم عندما تناقلوا الكرة في شكل غير متقطع بلمسات فاق عددها 10 لمسات مرّات عدة.


وكما هي دائماً، كرة القدم، ظالمة، بما يتخللها من تأثير للحظّ، حَرَمَ قائم مرمى كرواتيا والحارس والمدافعون أسمر الهجوم البلجيكي من دخول التاريخ كسبب لدخول فريقه حديقة الـ16، فإذا به يخرج خائباً خالي الوفاض، وتخرج بلاده من الدور الأول من كأس العالم للمرة الأولى منذ مونديال 1998، علماً بأنها ثانية العالم في تصنيف "فيفا" خلف منتخب البرازيل.


وفي الختام، أتشرّف بالمباركة لحاملي اللواء العربي، أسود الأطلس، الذين سحرونا بتأهّلهم المُشرِّف.


 

أخبار ذات صلة