الهومنتمن الهومنمن: `عجزنا حتى ملّ العجز منا`
22/08/2022 - عباس حسن
الخط
عندما تسكن ذاكرتنا صوراً جميلة نحتت بحنكة وعناية فريدتين، لا يمكن لنا في أوقات "القحط" الكروي الذي نعيشه، الا أن نسترجعها، نضعها أمامنا، نتحسّر على ماضٍ كانوا فيه هنا، يملؤون الملاعب بأزهى ألوان الكرة، يصنعون المتعة "بحرفية أرمنية" ذاع سيطها منذ عقود، حتى تحوّلا إلى دولتين: واحدة تمتد "جيورياضياً" على أكثر من 34 دولة وأخرى على 24 دولة عنينا بهما "دولتي" الهومنتمن والهومنمن.
لمن تسنى له مواكبة الزمن الجميل، يعرف تماماً معنى ما تقدّم من كلام، حين كان الفريقان بنجومهما المحليين والأجانب، يعطّران أمسياتنا الكروية بمعزوفات تصدح معها الآهات من على مدرجات ما تعوّدت أن تخذلهما يوماً، فكانت تمتلئ عن بكرة أبيها حتى كانت الفرق الباقية "منها تغار".
هي أمسيات تشبه ببعدها الرياضي تلك التي كانت تحييها "كوكب الشرق" أم كلثوم، حيث المسرح يتحوّل الى آلة لإنتاج الإبداع الذي يتحوّل في بعض الأحيان الى إعجاز، والجماهيرتطالب بالمزيد ولا تصل الى مرحلة الإشباع.
رحلة البحث عن الهومنمن والهومنتمن
فلنترك كوكب الشرق ونعود إلى "كوكب" لبنان الكروي في رحلتنا للبحث عنهما، حيث لا أخبار سوى هبوط وتراجع مستمر لأبطال لبنان 7 مرات الهومنتمن، و4 مرات الهومنمن، فما السبب؟
أعرق الأندية اللبنانية وأصحاب البطولات المذكورة باتا بعيدين كثيراً عن "الشاطىء"، وقريبين من السفينة العملاقة "تايتانيك"، التي غرقت في الصباح الباكر من يوم 15 أبريل 1912 في شمال المحيط الأطلسي، قبل 6 سنوات على تأسيس الهومنتمن وعشر سنوات على تأسيس الهومنمن، مع فقدان القدرة، حتى الحفاظ على استقرار الناديين عند العمق الذي وصلا اليه، اذ أن ما هو مقبل من أيام ربما سيحمل أنباء ليست جيدة لعدة اعتبارات لمسناها أثناء أحاديثنا مع المسؤولين عن الناديين.
104 سنوات.. هومنتمن في الدرجة الرابعة
فاليوم وبعد تأسيسه مرور 104 سنوات على تأسيسه، يقبع أعرق فريق لبناني، تأسس سنة 1918 في الدرجة الرابعة.. هو سؤال بديهي حملناه معنا وطرحناه على المسؤول الإعلامي وقائد الجمهور عن النادي في هذه الأيام الصعبة "ميغو أوداباشيان" ليجيب بأن العوامل التي أدت الى وجود الهومنتمن في الدرجة الرابعة يمكن تلخيصها بالتالي:
أولاً: قلة عدد الأرمن في لبنان، حيث غادر العديد منهم الى أرمينيا وبلاد الإغتراب مما انعكس عدم انتاجية في العنصر البشري من اللاعبين على عكس سنوات العز.
ثانياً: الشح في الماديات، حيث يعتمد النادي حالياً على التمويل من خلال الأكاديميات، إلا ان هناك ايضاً معضلة تكمن في أن اللاعب وعندما يصل الى عمر 14 و15 سنة، يجد -مع أهله- أن الطريق مسدود أمامه، لذا يترك اللعبة ويتوجه إما لإكمال علمه أو البحث عن وظيفة ليعتاش منها.
ثالثاً: المبالغ الخيالية، والتي تصرفها أندية الدرجة الأولى، جعلت من الصعوبة بمكان إيجاد مموّلين قادرين على تحمّل تلك الميزانية، "خاصة وأن الهومنتمن ليس محصوراً بكرة قدم فحسب بل يضم ألعاباً عدّة، بينها كرة سلة الى كرة طاولة، وهو موجود في كافة الإتحادات، وهذه الألعاب بحاجة إلى ميزانيات.
هومنتمن بيروت .. وبرج حمود
واللافت كما أشار أوداباشيان إلى أن العمل حالياً ينصبّ على فريق "هومنتمن برج حمود" من أجل العودة به الى أندية الدرجة الثالثة فقط، "مستفيداً من الدعم الذي يمكن أن يوفّره له هومنتمن بيروت، من لاعبين إلى خبرات."
وأضاف: "صحيح بأن الهومنتمن هو الشق الرياضي في حزب "الطاشناق"، إلا انه لا يعتمد على المال السياسي، بل كان يعتمد على متموّلين يتبرعون من أجل بقاء الفريق والصرف عليه، وهؤلاء اليوم لم يعودوا موجودين، وإن وُجدوا فإن لعبة كرة القدم ليست في قاموسهم أبدا، مع العلم بأن الرئيس العام لهومنتمن لبنان "هايك طباكيان" الذي يشغل منصب عضو اللجنة التنفيذية في اتحاد كرة السلة، يعمل جاهداً على توفير الحد الأدنى من مقومات الصمود."
أسماء طبعت الذاكرة الكروية
يتنهد الرجل ويكمل حديثه قائلا بالعامية :"رزقالله على أيام زمان حيث كان لدينا أسماء ترعب الفرق، أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: رافي جلفجي، ترو كيهيان، وارطان غازاريان، خورين هوفننيان، الذي سجل في مرمى بلجيكا في مونديال 1982 وهو كان يحمل جنسية الاتحاد السوفياتي السابق، صامويل بوغوصيان، آرمين صناميان، جوكي، أرتور ميرزويان، هاغوب دونابدويان الذي يقوم حاليا بتدريب فريق هومنتمن برج حمود ... والقائمة تطول".
مسيرة الهومنتمن منذ التأسيس كانت حافلة حتى تسعينيات القرن الماضي حيث احرز النادي بطولة لبنان سبع مرات، وهذا رقم لا تزال بعض الفرق الموجودة حاليا في الدرجة الأولى عاجزة عن تحقيقه حيث حققه الهومنتمن اللقب في أعوام: 1944 و1946 و1948 و1951 و1955 و1963 و1969.
قادرون على العودة إذا وُجد الراعي
وبما يشبه الضوء في نهاية نفق طويل ومظلم يقول بنبرة فيها من الثقة ما يؤكد نظرية : "لو توفّر الراعي اليوم أعدك بأننا سنصل الى الدرجة الأولى خلال عامين".
إلا أنه يعود الى الواقع فيقول: "هذا الأمر مستحيل حدوثه في ظل الأوضاع الراهنة، ولا تنسى أننا نشارك في كرة السلة ولدينا فريقان بكرة السلة سيدات ونحن مشاركون في كافة الاتحادات من شطرنج الى كرة طاولة الى غيرها، و حالياً لا يوجد تمويل للعبة كرة القدم والتمويل الرئيسي يعتمد على الأكاديميات، ويقوم فاتشيه لاعب الحكمة السابق بمهمة التدريب ويهتم أيضا بالفئات العمرية، ونأمل أن نعود الى الدرجة الثالثة بفريق الهومنتمن برج حمود الذي يعتبر عنصراً مكملاً لنظيره لهومنتمن بيروت.
الصورة أكثر سواداً في هومنمن
نترك الهومنتمن ونذهب الى الغريم التقليدي الهومنمن، ولدى حديثك مع رئيس اللجنة العليا العالمية لهومنمن الرئيس السابق للنادي في الفترة الذهبية ميساك نجاريان، تجد بأن الصورة قاتمة جدا لا بل توجد استحالة بالعودة إلى الدرجة الأولى.
ولعل القاسم المشترك لدى الغريمين التقليديين هو عامل هجرة الأرمن من لبنان، اذ يشير نجاريان إلى أنه "خلال السنتين السابقتين، هاجر أكثر من عشرة آلاف أرمني تاركين البلد بسبب الأزمة الإقتصادية، وهؤلاء كانوا يشكلون العامود الفقري للمجتمع الأرمني الفاعل (المتمولين).
غياب الجيل القادر على حمل الأمانة
يضيف نجاريان :"إن أحد العوامل التي تعيق العودة الى الدرجة الأولى هي للأسف عدم وجود جيل قادر في الفئات العمرية لخلق لاعبين نستطيع من خلالهم أن نشكل فريقا ينافس للعودة".
ويضيف: "حزب "الهانشاق" الذي يعتبر الهومنمن الذراع الرياضية له، كان يساعد في السابق، الا أن تلك المساعدة كانت تأتي من المجتمع المشكل للحزب نفسه، هذا المجتمع للأسف فقد الإيمان بكرة القدم وبإعادة تشكيل فريق ليلعب أولادهم في صفوفه".
وعلى عكس بعض الفرق التي تنافس في الدرجة الأولى والتي تدعمها الأحزاب وتصرف عليها يشير نجاريان الى "أن الدعم السياسي المالي غاب عن الهومنمن، ولا يستطيع شخص بمفرده أن يصرف من جيبه الخاص".
طريق مسدود ومستقبل مجهول
وعن إمكانية وجود خطة ربما تكون مطروحة على الطاولة، يشير نجاريان "الى عدم وجود أي شيء على الطاولة، والمصروف الذي يتم تأمينه للبقاء في الثالثة، لا يتخطى مبلغ خمسون الف دولار، يتم جمعه من أكثر من مصدر، أما اذا فكرنا في الصعود الى الثانية فعلينا زيادة المبلغ ليصل ربما الى 100 ألف، هناك استحالة في تأمينهم في الوضع الحالي، لذا العمل هو للحفاظ على موقعنا في الدرجة الثالثة، كوننا لا نستطيع تأمين 8 أشخاص متموّلين نكون قادرين من خلالهم على تشكيل ادارة تساهم في الدفع والصرف على فريق كرة القدم".
تجدر الاشارة الى أن نادي الهومنمن الذي تأسس عام 1921، ناشط في 24 بلد حول العالم، وكان قد أحرز بطولة لبنان لكرة القدم اربع مرات، أعوام: 1945 و1954 و1957 و1961.

