15/02/2022 - بدر الدين الإدريسي
الخط
كان لأسطورة الكاميرون، صامويل إيتو، كل الحق في أن يُفاخر بتنظيم بلاده للنسخة الثالثة والثلاثين لكأس أمم إفريقيا، التي جعلت من "أسود التيرانغا" أبطالاً لقارة العجائب لأول مرة في تاريخهم، فهذه البطولة عبرت بالفعل نهر التماسيح وقاومت كل عوامل التعرية والتفسّخ، بل إنها ناهضت قوى التأجيل وصارعت طواحين الهواء.
لست أدري ما الذي أوحى لي بذلك قبل ثلاث سنوات، إلا أنني أيقنت بأن وصفي لهذه النسخة من مونديال إفريقيا، بالنسخة الملعونة، كان له ما يُبرره..
قبل أن يترك الشيخ عيسى حياتو، مُكرهاً لا مُخيّراً، رئاسة الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، التي عمّر بها لأزيد من ثلاثين سنة، أسند كما لم يفعل من قبل، تنظيم ثلاث نسخ لكأس أفريقيا دفعة واحدة للكاميرون، وساحل العاج وغينيا، وطبعاً لم يرتكز كل ذلك على دفتر تحملات يُحدّد بدقة المتوفر وغير المتوفر للدول الثلاث من ملاعب ومرافق لتنظيم بطولة، على الأقل لكي يتجاوب مع مطلب جماعي كان يقضي بتجويد التنظيم والملاعب وبيئة التباري، لرفع الجاذبية ومضاعفة عائدات التسويق ومساعدة نجوم القارة، الذين يتوافدون بالعشرات من القارات الأخرى على مونديالهم، لإنتاج فرجة عالية.
ما سيحدث مع الكاميرون، شيء عجاب، فلعنة سقوط إبن البلد عيسى حياتو من سدّة الحكم ستعقبها لعنات أمرّ من العلقم، سيأتي الملجاشي أحمد لرئاسة الاتحاد الإفريقي، وسيكون من مهام إدارته الجديدة، نصب المتاريس أمام الكاميرون في صورة تحذيرات بسبب عدم اكتمال الجاهزية، ليتم نقل البطولة سنة 2019 لمصر، وتلقاء ذلك ستحدث خلخلة على مستوى الإسنادات للدورات الثلاث التي بُرمجت على عهد الشيخ عيسى المعزول.
وبرغم الجهود المضنية والعملاقة التي بذلتها الكاميرون لتكون بكامل الجاهزية لتنظيم مونديال إفريقيا عام 2021، إلا أن ظروفاً اقتصادية وطبية تكالبت على الكاميرون، فأطبقت على بطولتها العديد من الاستفهامات المشككة. لم يقتصر الأمر على قوة جائحة كوفيد 19 وهي تؤجل النسخة 33 لسنة كاملة عن موعدها، بل انضاف لذلك كثرة الملاحظات البنيوية التي سجلتها بعثات التفتيش، وحتى مع حلول الميلياردير الجنوب إفريقي باتريس موتسيبي على رأس الاتحاد الأفريقي خلفاً لأحمد أحمد، فإن مداداً كثيراً أريق على الصفحات، يُنبئ بأن الكاميرون لا تمتثل بالكامل لكناش التحملات، بل ويروج لإمكانية ترحيل البطولة مجدداً عن بلاد "الأسود غير المروضة".
وقد كان لتنصيب الأسطورة صامويل إيتو رئيساً جديداً للاتحادية الكاميرونية لكرة القدم، غاية سعت إليها الكاميرون، إفشال كل محاولة لتغيير مكان وزمان النسخة 33، وهو ما أدخل إيتو معركة جديدة عليه، معركة تتطلب الكثير من الصلابة والصلافة وحتى الجسارة لإحباط ما كان يستهدف بالفعل هذه النسخة من مخططات للتأجيل تحت ذرائع كثيرة، فلم يكن مجلس إدارة الاتحاد الإفريقي وحده من يتوجّس من إقامة البطولة في ظل تفشّي متحور أوميكرون، بل إن "الفيفا" ستدخل بدورها على الخط، وسترمي في محيط القارة، بإيعاز من الأندية الأوروبية بالوناً اختبارياً يقترح تأجيل البطولة لصيف هذا العام.
ومثل دون كيشوت الذي يصارع طواحين الهواء، ارتدى صامويل إيتو رداء الفرسان، وشرع في إبادة كل قوى التأجيل والإرجاء، رفع الصوت عالياً للتنديد والتهديد والوعيد، فتردد صداه في القارة، حتى أذعن له الاتحاد الإفريقي ولاذت معه "الفيفا" بصمت مطبق.
وبرغم عشرات الملاحظات والتدقيقات والهفوات التنظيمية، فإن الكاميرون نجحت في إصرارها وأنجبت بطريقة قيصرية بطولة سعى الكثير إلى وأدها، وكأنها أنبتت شجرة على تل حجري. ومع الكاميرون نجح إيتو في أولى مهماته الوطنية والرياضية، بثوب المسؤول لا بثوب اللاعب، وهو في ذلك سيعيد بناء أسطورته لا محالة..