إن كانت البدايات رهبة وتوجّساً، بل وقلقاً لوجود رغبة جامحة في تحقيق النجاح، ولهفة وتعطّشاً لشلالات الفرجة والإثارة التي ستنهمر من جدول المونديال، فإن النهايات تكون على وقع الوجع وعلى إيقاع التأوّه والدموع تنهمر من العيون، فلا أحد بيننا يطيق لحظة الوداع ولا أحد بيننا يريد للأشياء الجميلة أن تنتهي، ولكن كما كانت للنسخة الإستثنائية لكأس العالم في قطر بداية، ستكون لها نهاية، وتلك الأيام نداولها بين الناس.
وهل يغيّر شيئاً في أسطورية الحضور المغربي بمونديال قطر، ما أفرزته مباراة الدور نصف النهائي أمام منتخب فرنسا بطل النسخة الماضية، و"أسود الأطلس" يُكرهون بالجزئيات القاتلة وبالإكراهات البشرية والبدنية على التوقّف عند حاجز الدور نصف النهائي؟
ما رأيت أبلغ من مطلع القصيدة الرائعة "مصر تتحدث عن نفسها"، لشاعر مصر والعرب حافظ إبراهيم، وهو يتغنى بأرض الكنانة، للتعبير عن روعة وهلامية المشهد الذي صممه منتخب المغرب لنا، للعرب وللعالم في المونديال، وهو يحقق معجزة الوصول للدور نصف النهائي ليكون ضلعا في مربع الأقوياء..
كل يوم مع الأسود هو لنا عيد...
يدرك المنتخب المغربي، وهو يتأهب لملاقاة المنتخب الإسباني في الدور ثمن النهائي للمونديال الإستثنائي، أن أبواب التاريخ قد فتحت أمامه على مصراعيها، وإن لم ينفذ عميقا إلى ذاكرة التاريخ ليدون مزيدا من صفحات المجد، إن لم يتمكن من إطالة زمن صناعة الإعجاز، فإنه قد يندم على ذلك، بخاصة إن دارت عقارب الزمن ولم يتكرر هذا المشهد الهلامي الذي نحن بصدده اليوم، في مونديال كل العرب.
ما أنا بقارئ للفناجين، ولا أنا من الذين يتقنون التوقّعات، ولكنني عندما دعوت "أسود الأطلس" من خلال هذه الزاوية ليطردوا من الثمامة "الشياطين الحمر" لبلجيكا، فلأنني كنت أدرك فيهم رغبة جامحة لكتابة التاريخ، ولأنني كما الكثيرين شعرت بأن هذه هي فرصتهم لينجزوا ثأرا قديماً عمره 28 عاماً، وليحققوا الفوز الذي يفتح لهم الطريق نحو دور الـ16.
أما يكفينا هذا الذي فعله منتخبنا السعودي بمنتخب التانغو المرشّح للمنافسة على لقب كأس العالم، لنثق أخيراً كعرب بقدراتنا ولنكفّ عن السباحة في لجج الفوارق، فنثبط عزائمنا؟
انتظرنا وانتظرت الجماهير المغربية على الخصوص، اللائحة المونديالية لـ"أسود الأطلس"، التي كنت أراها ويراها كثيرون غيري، أول اختبار حقيقي لنوايا وفلسفة وأيضاً قوة شخصية وليد الركراكي مدرب المنتخب المغربي، على غرار كل الناخبين الوطنيين الذين عاشوا مشقة تصميم لائحة، إن اقتنعوا بها كانت مصدر جدل قوي في منصات النقاش العمومي.
يأتي منتخب بلجيكا إلى كأس العالم قطر 2022، برهان تحقيق أفضل مما حققه خلال مونديال روسيا 2018، عندما حل ثالثاً، وهو في ذلك يعتمد في طموح التتويج لأول مرة باللقب العالمي، على جيل ذهبي يقوده الفنان المبدع كيفن دي بروين و"الحائط الواقي" تيبو كورتوا و"الدبابة" روميلو لوكاكو، ويعتمد أكثر على مدربه الكاتالوني روبيرتو مارتينيز الذي يقود "الشياطين الحمر" للسنة الثامنة توالياً.
إن جاز أن يمشي الخيال على صهوة النور، ليمتزج بالحقيقة، فأنا أظنه قد مشى فينا يقيناً وكأس العالم تُنظّم بدولة عربية شقيقة، مشى فينا يبهر العيون ويمشط الدروب من خبث الظنون، ويحقق ما حلمنا به عمراً حتى طالت بنا السنون..
في كل ظهور إعلامي، منذ أن عُيّن قبل ثلاثة أشهر مدرباً للمنتخب المغربي، وأُهْدِي شرف قيادة "الأسود" في مونديال قطر 2022، والتي تُقدّم "سوبر1" آخرها وأجدَّها، ووُجّه وليد الركراكي كحال سلفه البوسني وحيد خليلودزيتش، بسؤال الاستبعاد المُعلن لعبد الرزاق حمد الله الهداف التاريخي للدوري السعودي والمهاجم الحالي لنادي الاتحاد.
يأتي كأس العالم إلينا في نسخته الاستثنائية، منظماً ببلد عربي، ومواجهاً بنخوة وشموخ وأنفة العرب لكثير من التُرّهات الصادرة عمن في قلوبهم مرض أو زيغ، وما يهمنا في مقام أول بعد الفرجة التي ننشدها والتي ربطتنا شغفاً وولهاً بكرة القدم، أمرين اثنين.
يُسْأل محللون وخبراء وزملاء إعلاميون، عن المنتخب الأقدر بين المنتخبات العربية الأربعة الحاملة للواء الكرة العربية في المونديال على تخطي دور المجموعات، فلا يأتي في الغالب سوى جواب واحد، هو المنتخب المغربي، وبذلك يحمل "أسود الأطلس" أمانة ثقيلة ثقل الجبال، أمانة مقارعة كبار المنتخبات العالمية التي تأتي إلى قطر بِرِهان واحد ووحيد هو الوصول للقب المونديالي، فمِن أين يأتي كل هؤلاء الاقتناع بأن منتخب المغرب هو الأكثر قدرة وجرأة على محاكاة المستويات الفنية العالية التي بات يفرضها المونديال قاعدة للتباري للذهاب إلى ما هو أبعد من دور المجموعات؟
الأحد السادس عشر من أكتوبر، هو يوم كلاسيكو الأرض بين الريال "الملكي" وبرشلونة الكاتالوني، هو يوم تتوقف فيه الأرض عن الدوران، فلا مكان يجذب عيون الملايين من عشاق كرة القدم، غير مسرح سانتياغو برنابيو بالعاصمة الإسبانية مدريد، صرح كروي يباهي الزمان على غرار كل الملاعب الأسطورية، بما عاشه من لحظات لا يمكن أبداً أن تسقط من الذاكرة.
كرة القدم ليس لها قلب! قلتها مرات، وأبداً لم يتأكد لي في ما أراه متعاقباً عليّ من مشاهد هي بالمئات، أنني أخطأت أو حتى بالغت..
بدت الأسئلة، و"أسود الأطلس" يتوجهون لملاقاة منتخب "لاروخا" للتشيلي ودياً ببرشلونة، وكأنها مطارق تزلزل الرؤوس..
من أين يا ترى يأتينا الانطباع، أننا لسنا في بداية الموسم الكروي؟
لا أتصور أن نسخة لكأس العالم من النسخ الـ21 التي انصرمت، قد واجهت، كما نسخة قطر 2022، جبلاً من الأسئلة، قليلها استفهامي وكثيرها استنكاري، فمنذ أن كشف العجوز جوزيف بلاتر، المُبعد قسراً من رئاسة "الفيفا"، عام 2010 عن روسيا منظمة لكأس العالم 2018 وقطر منظمة لكأس العالم 2022، والناس لا يملّون من طرح الأسئلة، أسئلةٌ كانت من البداية كجبل الثلج الذي يذوب كلما انعكست عليه شمس الحقيقة، فإن وجد لها كثيرون أجوبة تشفي الغليل، غليلُ المعرفة طبعاً، انزوى آخرون في بؤرهم متوجعين، ليستنجدوا بخبثهم وليواصلوا نسج الأسئلة التي ترسل في المدى الوساوس والهواجس.
بعد أربع نسخ استضافتها قطر، بعلامة الاقتدار الكاملة في التنظيم الذي أمّن نسبة عالية من النجاح لكل هذه النسخ التي كانت أطرافها عربية، ولم يكن ذلك إلا ترسيخاً لهيمنة النوادي العربية على التيجان الكروية بالقارة السمراء، يأتي السوبر الإفريقي للمغرب، حيث سيكون مجمع الأمير مولاي عبد الله بالرباط عاصمة الأنوار، مسرحاً لإثارته ونديته يوم الجمعة العاشر من سبتمبر.
أفرجت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، عن القرار الذي انتظرته الجماهير طويلاً، فبعد أن سحبت هذه الجماهير نفساً عميقاً والجامعة تبلغ رسمياً بانفصالها عن البوسني وحيد خليلودزيتش، درءاً منها لمفاسد كثيرة اخترقت عرين "أسود الأطلس"، وحقناً للمشاعر التي تحترق جراء ما يخرج من رماد الفتنة، ها هي تطلق زفرة ساخنة والجامعة أبلغت بأن الأربعاء المقبل سيكون موعداً لتقديم الربان الفني الجديد للمنتخب المغربي، وطبعاً لن يكون هذا الربان سوى من تكهنت به شخصياً وحصل حوله الإجماع، وليد الركراكي الرجل الذي قاد في موسم شاق وصعب ورهيب نادي الوداد الرياضي للظفر باللقبين، لقب دوري أبطال أفريقيا ولقب البطولة الاحترافية المغربية.
حيال الموسم الصفري الذي أمضاه نادي برشلونة وقد كان ثقيلاً على جماهيره وجالباً للعار، وإزاء الانتكاسات المالية المتعاقبة نتيجة لتصدُّع أكثر من مشروع اقتصادي، ومع الحاجة الماسّة لدخول سوق الانتدابات بهدف تصحيح العديد من الاختلالات، كان لزاماً على الرئيس العائد خوان لابورتا، أن يُفتّش وسط قشة من الحلول المتاحة عن الحلّ الذي يعبُر به نهر التماسيح ويدرأ عنه خطر الانهيار، فما وجد غير اللجوء للرافعات الاقتصادية ليرهن كثيراً منها بهدف الحصول على سيولة كافية، للتغطية على جانب من الديون وللعودة مجدداً لسوق الانتدابات.
قديماً قالت العرب: "على نفسها جنت براقش"، ولتلك المقولة المأثورة حكاية طريفة وبليغة في مضمونها، لا يسمح المجال لسردها عليكم، ولكنني حرصت على استعاراتها، لتطابقها الكامل مع ما جرى للمدرب البوسني وحيد خليلودزيتش، وهو ينفصل عن منتخب المغرب، بموجب قرار صدر عن الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم قبل 100 يوم من انطلاق كأس العالم 2022 بقطر.
فاتني أن أشاهد الظهور الأول لباري سان جيرمان بطبعته الجديدة، خلال كأس الأبطال الفرنسي أمام نانت، وقد شهد فسحة باريسية في حدائق الكناري، لذلك حرصت أن أتابع الخرجة الأولى لأمراء الحديقة بملعب كليرمون فوت في أولى جولات الليغ 1، علّني أستكشف الملامح الأولى لمشروع اللعب الذي جاء به المدرب كريستوف غالتييه الذي يُصنّف اليوم في قائمة الجيل الجديد للمدربين الفرنسيين المبدعين، وقد صنع زمناً جميلاً لنادي ليل المُتوّج بطلاً لفرنسا قبل موسمين.
إن سألت الرومانسيين وحتى السورياليين، عن سبب اختفاء بعض من لمسات الجمال الفني والتعبيري بلغة التكتيك في مباريات كرة القدم، وعن سرّ تكلُّس المساحة الإستيتيقية في الأداء الجماعي لكرة القدم، لأجابوك بلا تردد، إنه المال، هو من أذهب بعضاً من السحر، وهو من جعل اللاعبين عبيداً للصفقات، فكثيرهم لا ينظر لأي تعاقد، إلا من زاوية ما سيذره عليه من أموال.
في ليلتين سكن البدر مكاناً واحداً، أرسل لضفاف نهر أبي رقراق بالرباط عاصمة الأنوار بالمغرب، ومضتين أجمل منهما لم تر العين..
ما اجتمعنا نحن العرب من الخليج إلى المحيط على عشق فريق غير منتخباتنا الوطنية الساكنة بلا مزايدة في سويداء القلوب، أكثر ما توافقنا على التعلُّق لحد الوله بالمنتخب البرازيلي، وقد بدا لنا كسنابل قمح ذهبية تؤتي المتعة والسحر في كل مرة نستمتع فيها بمشاهدته..
الذين لا يرون أبعد من أنوفهم، والذين تأخذهم نزوة التفتيش في الجحور عن النواقص وحتى عن المنغّصات، وحتى الذين يبرعون في بيع الوهم، يقولون إن ما صرفته قطر على تنظيمها لكأس العالم، وهي في ذلك صاحبة سبق تاريخي في محيطها الخليجي، فالشرق الأوسطي، فالعربي، وهو ببلايين الدولارات (230 مليار دولار، صُرف كثيره على البنى التحتية) لا يوازيه في الحجم ما ستجنيه قطر من عائدات، ويقولون إن هذه القاعدة المختلة، والتي تفضي باستمرار إلى عجز مالي مهول، لن تنفرد بها قطر وإنما تكرر في دول غيرها، بل هناك بين هذه الدول من لا تزال حتى الآن تجترّ خسائر مالية فادحة، تكبّدتها جرّاء تنظيمها لحدث رياضي كوني، أكان دورة أولمبية أم كأساً للعالم لكرة القدم.
لست أدري لماذا يُصرّ ساسة كرة القدم، وأُفضّل أن أسمّيهم هكذا، على أن ينطقوا أحياناً بكلمات يعرفون تلقائياً على أنها ستوجع، وأنها إن عبرت طبلة الأذن، أحدثت ضجيجاً لكن كان مآلها الحتمي مزبلة اللغو؟
أما آن الأوان لندخل لعبة الترشيحات، ونحدس بما تهيأ لنا من معطيات رقمية وسوابق تاريخية وتقاليد كروية راسخة، من سيكون بطلاً للعالم؟ من سيُتوّج بنسخة استثنائية في تاريخ كأس العالم؟ أو بالأحرى من سيخلف المنتخب الفرنسي في الجلوس على عرش كرة القدم العالمية للأربع سنوات القادمة؟
هل بقي شيء لم نقله عن الرياضة؟
هواجس كثيرة تطارد المغاربة في منامهم ويقظتهم تؤرقهم وتروعهم، فإزاء كل العتمات التي يرسلها في المدى منتخبهم الوطني، هم متّجسون وخائفون، بل منهم من كبر لديه اليقين، بأن لا أمل يرجى من "أسود الأطلس" في مونديال قطر، ومن يقف على العارضة الفنية هو المدرب البوسني وحيد خليلودزيتش.
لئن كان حكم الفيديو قد ألغى له هدفاً، ربما كانت ستتغير معه تضاريس هذا النهائي الأوروبي الجميل بين ريال مدريد وليفربول، الذي استضافته قلعة "الديوك" بسان دوني بباريس، فإن ما مر علينا هذا الموسم، ما رصدناه بالعين المجردة وما وقفنا مشدوهين أمامه، لا يمكن أن يُبعد "الكرة الذهبية" عن نجم وغوليادور الملوك الفرنسي الذي تجري في عروقه دماء جزائرية كريم بنزيما، فلا حاجة للعودة لـ"الڤار" لضبط واقعة الاستحقاق.
مؤكد أننا عندما سنأتي ليوم الإثنين 30 مايو، للحظة الصفر، لصافرة البداية التي سيطلقها الحكم الإفريقي الجنوبي فيكتور جوميز، إيذاناً ببداية مباراة الحقيقة، مباراة العمر، المباراة الفاصلة بين حلمين وبين زمنين وبين تاريخين، الواحد منهما يباهي الآخر بثرائه وخصوبته، ستتعطل لغة البلاغات وستتوقف كل ثرثرة على هوامش النهائي الكبير، وسنطلق العنان جميعاً لعيوننا، لتسافر مع الكبيرين والعملاقين الأهلي المصري والوداد الرياضي المغربي إلى مدن الجمال والافتتان والإثارة.
ليس فقط لأنها المنشأ أو الرحم الذي خرجت منه كرة القدم وقد غدت اليوم لغة كونية بل ومحدداً من المحددات الكبرى للزمن الإنساني، حتى تكون أوروبا هي مركز الجاذبية ومنطلق الثورات الكبرى التي تشهدها الرياضة الأكثر شعبية حول العالم، بل هناك ما هو أكبر من ذلك بكثير، فالقارة العجوز تسحب من خلفها كل القارات الأخرى، إن لم تأتمر بأوامرها وتنصاع لإرادتها أو تبغي ولاءها، فإنها لا تعدم وسيلة لتقتفي أثرها، لتتشبه بها أو لتنسج على منوالها، وليس في ذلك عيباً.
إلى نهائي عربي خالص يسير دوري أبطال إفريقيا في نسخته الحالية، والتي توشك على إنهاء دورها نصف النهائي، وليس في الأمر ما يفاجئ، فالأندية المنتمية لعرب إفريقيا تهيمن منذ وقت بعيد على لقب الأميرة الصغيرة، ولا تترك إلا هوامش ضيقة لأندية جنوب الصحراء لحياكة رداء الحلم الذي ما فتئ يضيق حتى لا يستطيع أن يصبح حقيقة.
يأتي كأس العالم 2022 بقطر كما كنت أقول دائماً استثنائياً في زمانه ومكانه وغرسه الفني، بالتأكيد سيكون مونديالاً ملهباً للخيال، في تشكيل زوايا المتعة وفي تحديد ألوان الرسم، لتكون اللوحة في النهاية سوريالية وخارقة للعادة، لكن نسخة مونديال قطر، فوق هذا وذاك ستتفرد عما سبقها وعما يليها في تشكيلها التكتيكي، وليس مستبعداً أن تُغيّر كأس العالم المقبلة الشيء الكثير في مناهج اللعب وفي حركة الظواهر الاستراتيجية.
يقيناً، لا أحد يعرف، ما إذا كان المقام سيطول بالبوسني وحيد خليلوزيتش داخل عرين "أسود الأطلس"، على الأقل لغاية الانتهاء من مونديال قطر الذي أودع "أسود" المغرب في مجموعة فولاذية مشكلة من "الشياطين الحمر" لبلجيكا ومن الفريق الكرواتي "الشطرنجي" وأيضاً من المنتخب الكندي المبهر، أم أنه سيرحل حتى قبل أن يبدأ المونديال؟
بأي عين ينظر المغاربة، يا ترى إلى المجموعة المونديالية لـ"أسودهم"، وقد أوقعتهم مع "الشياطين الحمر" لبلجيكا والمنتخب الكرواتي "الشطرنجي" ومع المنتخب الكندي القوة الناشئة في أميركا الشمالية؟ هل ينظرون إليها بعين الرضا؟ أم ينظرون إليها بعين الخانع والمستسلم والفاقد للأمل في تخطي الدور الأول؟
المنتخب المغربي هو الوحيد الذي تأهل من دور المجموعات محققاً العلامة الكاملة والوحيد الذي بلغ المونديال عن إفريقيا دون خسارة
على مسافات متفاوتة، تقف منتخباتنا العربية الأربعة من نهائيات كأس العالم الاستثنائية والمبهرة بمشيئة الله بقطر، بعد أن أنجزت بنجاح الفاصل الأول من مهمة الحضور النوعي والكمي بالحدث الكروي الكوني.
يأتي منتخب المغرب إلى الجسر الأخير الفاصل عن التأهل لكأس العالم، قطر 2022، والذي سينافس على عبوره "فهود" جمهورية الكونغو، وهو مصاب بنوبات كثيرة جراء الرياح الباردة التي هبت عليه في الآونة الأخيرة، وسيكون عليه أن يتعافى سريعاً منها حتى لا يفوت على المغاربة، وعلى كل العرب، فرصة أن يكون بين الفرسان الإثنين والثلاثين الذين سيؤثثون السباق المونديالي المثير والرهيب.
"مونديال قطر 2022، مستحيل أن يكون من دون جمهورية الكونغو"، ذاك هو الشعار الذي أضفته وزارة الرياضة والترفيه الكونغولية، على حملة إعلامية أطلقتها لحشد الدعم لـ"فهودها"، وقد أصبحوا على بعد خطوة من كأس العالم.
بالكاد كنت أتلمّس طريق العشق لكرة القدم، عندما حلت سنة 1970 وكأس العالم تأتي إلى المكسيك، في أول مرة يغادر فيها المونديال قارتي أوروبا وأمريكا الجنوبية، كانت اللحظة تاريخية بل وأنطولوجية. وعلى الرغم من فتوة ذاكرتي وقتذاك، إلا أنني أمسكت ببعض الخيوط التي انسدلت من تلك البطولة الخرافية، من كأس عالمية سُمّيت بمونديال الملك بيليه، والحقيقة أنها كانت أيضاً كأس عالم عربية وإفريقية.
سؤال ثلاثي الأبعاد، لم نكفّ عن طرحه منذ أن دخل مونديال 2022 عدّه التنازلي، وطبعاً لم تعجزنا الوقائع ولا المشاهدات عن تقديم أجوبة مجرّدة من كل عواطف الانتماء ومناصرة الشقيق، ولكن هناك حاجة للعودة مجدداً إلى هذا السؤال، لأن كأس العالم تستعد بالفعل لتعيش نسخة أنطولوجية، لا شكّ لدي في أنها ستصبح للأجيال القادمة أسطورة تحكيها الجدات للأحفاد..
كان لأسطورة الكاميرون، صامويل إيتو، كل الحق في أن يُفاخر بتنظيم بلاده للنسخة الثالثة والثلاثين لكأس أمم إفريقيا، التي جعلت من "أسود التيرانغا" أبطالاً لقارة العجائب لأول مرة في تاريخهم، فهذه البطولة عبرت بالفعل نهر التماسيح وقاومت كل عوامل التعرية والتفسّخ، بل إنها ناهضت قوى التأجيل وصارعت طواحين الهواء.
لماذا يمثل المونديال، الذي ستحتضنه الشقيقة قطر نهاية السنة الحالية، جيلاً جديداً، أو لنقل نسخة مستحدثة في تاريخ كأس العالم؟