بوديوم الشرف في انتظار الأسود الحالمين
16/12/2022 - بدر الدين الإدريسي
الخط
وهل يغيّر شيئاً في أسطورية الحضور المغربي بمونديال قطر، ما أفرزته مباراة الدور نصف النهائي أمام منتخب فرنسا بطل النسخة الماضية، و"أسود الأطلس" يُكرهون بالجزئيات القاتلة وبالإكراهات البشرية والبدنية على التوقّف عند حاجز الدور نصف النهائي؟
بالقطع لا، فما كان أمام منتخب الديكة، حدسنا بعضه الأول ولم يفاجئنا بعضه الثاني، حدسنا أن يكون ديدييه ديشان قد فطن إلى المزالق التكتيكية التي سقط فيها مدرّب بلجيكا روبيرتو مارتنيز، ومدرّب إسبانيا لويس إنريكي ومدرّب البرتغال فرناندو سانتوس، وبالتالي فإنه لن يفرط في شدّ الوثاق الهجومي، وإن اقتضى الأمر أن يصطاد أسود الأطلس بطعم الإستحواذ فسيفعل.
وحدسنا أن يكون أسود الأطلس قد أُنهكوا ذهنياً وبدنياً، جراء المعارك الكروية الخمس التي خاضوها قبل مباراة فرنسا وأتت على الكثير الكثير من المنسوب البدني، وجراء الموجات العاطفية التي رمت بكثير من الرذاذ الإنفعالي، فلا الأسود ولا نحن ولا العرب جميعهم توقّعوا أن ينجح المغرب في الوصول إلى مربّع الأقوياء، لذلك توقّعنا أن يكون العياء والإرهاق الذهني قبل البدني من مسبّبات الهبوط الحاد في المؤدّى الجماعي، وقد انضاف لكل ذلك أن المدرّب وليد الركراكي اصطدم بحقيقة أن الرافعات الدفاعية أصيبت بعطل عضلي مانع لحضور وازن في عملية بناء العمق الدفاعي الذي يُعتبر صمّام الأمان للمنظومة الدفاعية برمّتها.
أما ما لم يكن مصدر مفاجأة لنا في المشاهد التكتيكية مجتمعة، فهو أن يستحضر المنتخب الفرنسي الدهاء التكتيكي كله الذي يملكه لتوجيه المباراة بالطريقة التي تتناسب مع أسلوبه في ترويض المنافسين، وقد سارع من البداية إلى حفر خنادق بين الخطوط لنشر قوات الردع.
ولأن مباراة بحجم نصف نهائي كأس العالم، بصرف النظر إن كان منتخب المغرب الذي يأتي إليها كزائر غير متوقّع، تُلعب في العادة على جزئيات صغيرة وعلى تهوّر قد يحدث من قبل هذا المدرّب أو ذاك، فإن وليد الركراكي سينشغل على غير العادة بالمنافس الفرنسي، وسيأتي بمقاربات بشرية وتكتيكية لتدبير المباراة، ستثبت على الفور عدم نجاعتها.
لم يكن وليد في أي من مبارياته الخمس، ليغيّر من شاكلة اللعب حتى لو تغيّرت نسبياً تشكيلته، إلا أنه في مباراة فرنسا، سيقرّر اللعب بشاكلة 3-5-2 على أمل أن يحكم الرقابة على مبابي وديمبيلي في أروقة النار، والأكثر منه سيدفع بعميده رومان سايس وهو غير معافى من إصابته العضلية، التعافي الذي تفرضه مباراة من حجم نصف نهائي كأس العالم، لتكون المحصلة السيّئة، أن المنتخب المغربي ضحّى بلاعب وسط ميدان ليفرم الثالوث الإعتيادي، ولم تمضِ 18 دقيقة حتى كان سايس قد أشار على مدرّبه وليد بإجراء التغيير، ليخسر لاعباً من وعاء التبديلات، وليستقبل هدفاً فرنسياً من خطأ كبير في المراقبة، وتكون الحاجة للعودة إلى النهج التقليدي.
ما حدث بعد ذلك، أن المنتخب الفرنسي وهو يتصيّد الهدف في وقت مبكر وتأتي المباراة بما كان يشتهيه ديشان، سيعتمد الإستراتيجية التي خطط لها، ترويض الأسود بشلّ حركية زياش، حكيمي وأوناحي والبحث عن الكرات في ظهر المدافعين المغاربة والتغلغل بين الخطوط.
وفي تصوّري، لو كان منتخب المغرب في وضعية بدنية أحسن وفي جهوزية أفضل، خصوصاً على مستوى صمّامَي الأمان في متوسّط الدفاع، لشاهدنا منتخباً مغربياً ببريق يضيء الطريق وبمناورات تشعل الحريق في الدفاعات الفرنسية، لكن ما هو مثبت اليوم في سجلات التاريخ، أن المنتخب الفرنسي تحيّن كما يجب الظروف والملابسات وحتى الإكراهات التي صادفت منتخب المغرب، وحقق التأهل الثاني توالياً لنهائي كأس العالم، لعلّه يكون أول منتخب بعد البرازيل (1958 - 1962) يفوز بلقب نسختين متتاليتين لكأس العالم.
وما هو مصدر فخر في مونديال قطر، أن المغرب نجح في الوصول للدور نصف النهائي، معبّداً الطريق للحالمين، صحيح أن حلم أسود الأطلس الأكبر، كان هو الوصول لنهائي كأس العالم، لكن ما كل ما يحلم به أسود الأطلس يمكن أن يتحقّق، ولو أن حكاية التمنّي لم تنتهِبعد، فأمام أسود المغرب والعرب فرصة لكتابة آخر فصل في ملحمة المونديال، فغداً السبت سيكون هناك موعد آخر مع التاريخ من خلال مباراة الترتيب، فأسود الأطلس الذين صعدوا للقمم، يستحقون أن يكونوا في "بوديوم" الشرف، مكلّلين بالميداليات البرونزية.