قوموا لقطر وفوها تبجيلا .. مونديالها كان جميلا
18/12/2022 - بدر الدين الإدريسي
الخط
إن كانت البدايات رهبة وتوجّساً، بل وقلقاً لوجود رغبة جامحة في تحقيق النجاح، ولهفة وتعطّشاً لشلالات الفرجة والإثارة التي ستنهمر من جدول المونديال، فإن النهايات تكون على وقع الوجع وعلى إيقاع التأوّه والدموع تنهمر من العيون، فلا أحد بيننا يطيق لحظة الوداع ولا أحد بيننا يريد للأشياء الجميلة أن تنتهي، ولكن كما كانت للنسخة الإستثنائية لكأس العالم في قطر بداية، ستكون لها نهاية، وتلك الأيام نداولها بين الناس.
ترخي قطر اليوم الستارة على نسخة أسطورية لكأس العالم، بمباراة ختامية ستضع منتخب الأرجنتين ببرغوثه ليونيل ميسي في مواجهة منتخب فرنسا بمكوكه السريع كيليان مبابي، وسنشهد جميعاً سباقاً طاحناً بين سفير الكرة اللاتينية وعميد الكرة الأوروبية، نحو النجمة المونديالية الثالثة، ولا أخال أن الفاصل الختامي للمونديال الخرافي بزخمه العاطفي وأيضاً بالعبر الكثيرة والقيم الرفيعة، سيسحبني بعيداً لأتحدّث عن المكنونات الإبداعية التي ينطوي عليها اللقاء النهائي، فهناك ما هو أكبر وأثمن، حقائق أودعها هذا المونديال أمانة محفوظة لدى التاريخ.
استمعت لجياني إنفانتينو رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم في ندوته الصحافية، وهو يستعجل الأرقام القياسية والإحصاءات المدهشة ليسوّقها للناس دليلاً على المعجزات التي حققتها نسخة كأس العالم قطر 2022، ومع التحفّظ الكامل على مدلولات كلمة معجزة، فإن ما حققه مونديال قطر فاق للأمانة التوقعات كلها، رياضية كانت أم إقتصادية أو حتى إنسانية، وهذا يصِّدق، ما كان يكرره رئيس "فيفا" في ّطلاته الإعلامية كلها التي سبقت كأس العالم، وما كنا نحن العرب وشرفاء العالم نردده اقتناعاً لا نكاية ولا تحرّشاً ولا حتى مزايدة من أن نسخة قطر ستكون استثنائية بكل المقاييس، مختلفة عما سبقها وما سيليها.
كأس العالم التي توحّد العالم، انتصرت لكونيتها وأسمعت صوتها الذي ينطق من به صمم، كأس العالم قالت فينا كلمتها، أنها كلما حلّت بين ظهرانينا مرة كل أربع سنوات، إلا وأخرست صوت الرشاشات والمدافع، وزرعت البهجة في المدائن كلها، وكفكفت دموع البائسين، وجمعت البشرية جمعاء على طاولة واحدة، وكأس العالم في قطر فعلت كل هذا وزادت عليه، بأن هزمت شرّ هزيمة فلول الحاقدين والحاسدين، وبأن فضحت بالتنظيم المُبهر كل الذين نشروا بأنفس أمارة بالسوء، وشايات وأكاذيب وفتناً تبخرت في الهواء ووأدتها في التراب الوقائع الصارخة، فكأس العالم بقطر وقد كانت عنواناً للفخامة، حققت صافي ربح لـ"فيفا" زاد بمليار دولار عما تركه مونديال روسيا قبل أربعة أعوام، وحققت إيرادات كبيرة لقطر وسجلت نسباً مرتفعة للمشاهدة العينية والتلفزيونية، وأكثر من هذا وذاك من أسعدهم الحظ بالتواجد في قطر خلال أيام البطولة عاشوا تجربة فريدة من نوعها ستخلّد لا محالة في ذاكرتهم. ولعلّ الذين انطلت عليهم الأكاذيب التي إنتشرت قبل البطولة مثل الطفيليات ومثل زبد البحر الذي يذهب جفاء، وتوجّسوا من حضور المونديال عضّوا على الأيدي ندماً وهم يشاهدون مونديالاً بلا أدنى حادثة تثير الفزع والخوف، وقد كنا شهوداً على النسخ المونديالية السابقة كلها ولم تخلُ من توترات وحوادث عرضية.
وكم كان رائعاً بل وأسطورياً، أن نشهد نحن العرب فخر التنظيم المبهر الذي رفع الهامة وسط الأشهاد وكسر نمطية نظرة الآخرين إلينا، وهو يقترن بالمسار الخرافي لمنتخب المغرب، أول العرب والأفارقة وصولاً للدور نصف النهائي، دليلاً آخر على أننا نحن العرب، إن أردنا عملنا، وإن عملنا بصدق وباحترافية، نجحنا في كسر حاجز المستحيل الذي توقفه بعض العقليات أمام شبابنا في صورة متاريس.
كم هي جميلة ورائعة هذه القيم التي صدّرها مونديال قطر للإنسانية، قيم الحلم والعمل والإنتماء للوطن الواحد، وكم هو غني هذا الإرث اللامادي الذي يقدّمه مونديال قطر لشباب العرب، والأمل كل الأمل أن نجعل من هذا الإرث حافزاً للإبداع والإمتاع، وسلاحاً لقهر المستحيل ومادة خصبة لنصنع في المخيال العربي أحلاماً نثق بها ونعمل على أن نجعلها حقيقة.
وكل مونديال وأنتم بألف خير وسعادة، سعادة كالتي أهدتنا إياها قطر، قمر في الدنيا عبر، ومونديال للعيون سحر.