أسود الأطلس بناة المجد العربي

الخط

ما رأيت أبلغ من مطلع القصيدة الرائعة "مصر تتحدث عن نفسها"، لشاعر مصر والعرب حافظ إبراهيم، وهو يتغنى بأرض الكنانة، للتعبير عن روعة وهلامية المشهد الذي صممه منتخب المغرب لنا، للعرب وللعالم في المونديال، وهو يحقق معجزة الوصول للدور نصف النهائي ليكون ضلعا في مربع الأقوياء..


يقول شاعرنا البليغ..


وقف الخلق ينظرون جميعا 


كيف أبني قواعد المجد وحدي


وبناة الأهرام في سالف الدهر


كفوني الكلام عند التحدي


أنا تاج العلاء في مفرق الشرق


ودراته فرائد عقدي..


وهذا العالم، قد وقف مشدوها ومنبهرا بمولد أسطورة جديدة، بشمس طلعت من المحيط لتشرق على المونديال في دوحة الإبهار، فترسل ضوء جميلا اختبر الفرائس وملكات الشعر وجوامع الكلم من كل لغات العالم، لعلها تفلح في تصوير هذا الذي رمى به أسود الأطلس فيروزا على شطآن المونديال، هذا الذي نثره منتخب المغرب من نيازك تسطع بنور، يحدث الناس عن عبقرية العرب.


إن حَدَّثوك عن المونديال فقُل، أن المغرب له السحر والعنوان.. إن أخبروك بما جرى في قطر، فاعْرِف أن المغرب نثر في الأرجاء اللؤلؤ والمرجان.. إن سألوك عن أسود زأروا، فقل إنهم من المغرب جاؤوا يحملون شقائق النعمان..


وإن سارت بهذا المونديال الركبان، تسامى إسم المغرب في العنان، راية زاهية الألوان.. لله ذرك يا مغرب العروبة، أبهرت الناس، سَحَرت العالم وطَيّرت النوم من الأجفان..


أسودك طردوا الشياطين، روضوا الثيران وأغرقوا البحارة، فهل هم إلا فيروز ينام على الشطآن.. لا حلمنا العربي انتهى ولا رجاؤنا انقطع، فهذه الكأس تغازلنا في الدوحة بجميل البيان..


فامض بنا يا حلم، سافر بنا إلى مدن الجمال، فهذا المونديال هو للمغرب واقع في هيئة الخيال.. 


وأنا أتابع ما خلفه فوز المنتخب المغربي على نظيره البرتغالي بهدف المروحية يوسف النصيري، الذي بنى له برجا يقف شامخا إلى جانب أبراج الدوحة، ما شكله وصول المنتخب المغربي للدور نصف النهائي لكأس العالم من رجة عنيفة فتحت عيون الناس على حقيقة بدت ذات وقت على أنها مجرد أضغاث أحلام، وجدت كثيرا مما يقول بأسطورية هذا الذي يفعله أسود الأطلس في المونديال، وكأني بهم يكافئون الشقيقة قطر على تشريفها للعرب بتنظيم مونديال ولا في الأحلام، فإن خلدت هذه النسخة الأسطورية للمونديال في ذاكرة التاريخ، بالتنظيم الخرافي، بالحميمية الرائعة وبالأجواء الخيالية التي ما خطرت على بال القادمين لقطر من كل الأصقاع، فإنها ستخلد أيضا بهذا المسير الأنطولوجي لمنتخب المغرب، مسير لا أحد منا يريده أن يتوقف عند محطة النصف نهائي.


وقد وجدتني أسائل نفسي، وأنا أفيق من وقع الدهشة بما رأيت، هل ما زال للحلم بقية؟ أما بقي شوط آخر للأسطورة؟ ألا يمكن أن نطمع في وصول المغرب لنهائي كأس العالم؟


نعم، ما زال هناك مجال لنواصل الحلم مع منتخب الحالمين، فهؤلاء الأسود وعدونا من أول خطوهم في درب المونديال بأن يحققوا لنا الرجاء، وما نكثوا العهد وما تخلفوا عن كل موعد ضربوه مع التاريخ، ما خذلونا أبدا، ولا اذخروا جهدا لكي يسعدوننا، لذلك سيقبلون على مباراة فرنسا والطموح كبير لديهم ليواصلوا كتابة التاريخ، ليستمروا في بناء صرح الإعجاز، وليقدموا فاصلا جديدا من "معجزة" هذا الزمان، يتوكلون على خالقهم، يسيرون في دربهم المضاء بنور الأمل واليقين مطوقين برضا الوالدين، وملهمين بما أغدق عليهم المونديال من فواتح الخير.


يأتي المنتخب المغربي لمواجهة فرنسا بطل النسخة الأخيرة لبطل العالم، وقد حقق نقطة غالية أمام وصيف بطلها كراوتيا، وفاز بل وأقصى ثالث تلك النسخة باجيكا. ومع تقديرنا الكامل لصعوبة المهمة، إلا أن أسود الأطلس نجحوا في السيطرة على كثير من اللحظات الصعبة، فقد وضعوا تحت الإختبار، مرة ومرتين وثلاثا، وفي كل مرة قفزوا فوق الحواجز والموانع، ونالوا بكل استحقاق علامة التقدير الكاملة، وعندما يكون المنتخب المغربي واقفا بشموخ بين أفضل أربعة منتخبات في العالم بمنطق كأس العالم الذي لا يخطئ، عندما ينجح في تخطى منتخبات بقيمة بلجيكا، إسبانيا والبرتغال وجميعهم صنفوا كأقوى المرشحين للمنافسة على التاج العالمي، فإن ذلك ينطق بحقيقة مطلقة، هي أن لمنتخب المغرب منظومة لعب لم يفلح أحد في اختراقها، برغم ما توفر للمنافسين من خطوط هجوم نارية، منظومة لعب تقوم على أسلوب مستحدث في بناء الخرسانات الدفاعية التي تتكسر عليها أحلام الخصوم.


ولو أسعفت الظروف المنتخب المغربي ليستعيد كل لاعبيه، المصابين والمرهقين قبل مباراة الأربعاء باستاد البيت أمام منتخب فرنسا، فإنني موقن أنه سيعض على حلمه الكبير بالنواجد، وأبدا لن يفوت الفرصة ليفعل بالديكة ما فعله بالشياطين الحمر لبلجيكا وبالثيران الإسبانية وببحارة البرتغال..


نحن جميعا على موعد مع نزهة جديدة للأسود في حدائق المونديال، لعلهم يقطفون وردة سحرية ويلتقطون من السماء نجمة ذهبية تضيء طريقهم نحو النهائي التاريخي للمونديال، فتكون لنا أجمل هدية..
 

للكاتب أيضاً