31/05/2022 - بدر الدين الإدريسي
لو أخذنا بالمعايير المستحدثة لجائزة الكرة الذهبية لـ"فرانس فوتبول" سنجد أن الرائع بنزيما تفوّق على كل أقرانه
الخط
لئن كان حكم الفيديو قد ألغى له هدفاً، ربما كانت ستتغير معه تضاريس هذا النهائي الأوروبي الجميل بين ريال مدريد وليفربول، الذي استضافته قلعة "الديوك" بسان دوني بباريس، فإن ما مر علينا هذا الموسم، ما رصدناه بالعين المجردة وما وقفنا مشدوهين أمامه، لا يمكن أن يُبعد "الكرة الذهبية" عن نجم وغوليادور الملوك الفرنسي الذي تجري في عروقه دماء جزائرية كريم بنزيما، فلا حاجة للعودة لـ"الڤار" لضبط واقعة الاستحقاق.
لئن مرّت علينا سنوات كنا نعي خلالها ونتعب في تقليب الأرقام، لتغليب كفة لاعب على آخر، فلا أعتقد أن من ستوكل إليهم مهمة اختيار أفضل لاعب كرة القدم في الموسم الحالي، سيختلفون، سيحتارون أو سيجادلون بعضهم البعض في من يكون الأجدر بحمل اللقب الفخري، فكريم بنزيما أتانا في موسمه هذا بما لم يأت به غيره، شلال من المتعة ينهمر، أداء بالإعجاز يتدثر.
كان نهائي دوري الأبطال هو الفاصل في الجدل والحاسم في الاختيار، فما كان من فوارق بسيطة بين بنزيما ونجمنا العربي محمد صلاح وبين الإثنين وسيد "أسود" التيرانغا، ساديو مانيه، فرض انتظار ما سيؤول إليه النهائي التاريخي بين الأسطورتين، وعندما صعد الملوك كعادتهم لإيوانهم البلوري، والتقطوا من سماء أوروبا النجمة الرابعة عشرة، قالت الأرقام ما قالت الريح للنخيل، فلا نجم ولا أمير ولا قمر للسنة غير كريم بنزيما، أليس هو من تحصل مع ريال مدريد على السوبر الإسباني وبعده على لقب الليغا وبعدهما على كأس الأبطال؟ أليس هو من فاز بالحذاء الذهبي كأفضل هداف لليغا؟
أليس هو من نال لقب أفضل هداف وأفضل لاعب لدوري الأبطال هذا الموسم؟
ستقولون، ولماذا نضع كريم بنزيما على الهودج من الآن مرشحاً فوق العادة لنيل الكرة الذهبية وحيازة جائزة الأفضل "ذا بيست"، والعام سيشهد مع نهايته حدث كأس العالم الذي لطالما كان حاسماً في تسمية نجم نجوم السنة؟
السبب بسيط، وهو أن إدارة "فرانس فوتبول" المانحة للكرة الذهبية أقدم وأرفع وأصدق جوائز التميز الفخرية، قررت أن توقف زمن التباري على جائزتها الكونية خلال شهر أغسطس القادم، أي أنها لن تنتظر إلى حين انتهاء مونديال قطر شهر ديسمبر المقبل لكي تستفي الإعلاميين والعمداء حول العالم عن نجم السنة.
ولو أخذنا بالمعايير المستحدثة لجائزة الكرة الذهبية لـ"فرانس فوتبول"، أملاً في تجاوز عديد الانتقادات التي صاحبت منح ليونيل ميسي الكرة الذهبية السابعة في مساره الأسطوري، وفي مقدمتها معيار الأداء الفردي، متبوعاً بالإنجازات الجماعية، سنجد أن الرائع بنزيما تفوّق في المعيارين على كل أقرانه، من محمد صلاح، إلى ساديو مانيه، مروراً بتيبو كورتوا ولوكا مودريتش وليفاندوفسكي وكيليان مبابي، ورياض محرز وجواو كونسيلو.
ومن شأن هذا اللقب الفخري، الذي يستحقه بلا أدنى شك، قياساً على موسمه الخرافي، أن يكافئ كريم بنزيما اللاعب والإنسان، على صبره وجلده وشموخه وعنفوانه، وعلى الخصوص تواضعه، فما عاشه كريم على امتداد سنوات من معاناة تكسر الظهر، وهو مبعد عن منتخب فرنسا بقرار "سياسي" ظالم، حرمه من التتويج بكأس العالم مع "الزرق" سنة 2018 بروسيا، لم ينل لا من عزيمته ولا من إصراره، فقد كان الرجل يقابل الجفاء والغدر والمهانة بالإصرار على العمل المضني، إلى أن صدر له صك البراءة، فعاد مجدداً لحديقته ويا لروعة ما أنجزه برفقة مبابي وغريزمان.
وليست هذه إلا واحدة من سمات بنزيما الهلامي والشامخ، فما كان يدل على نبوغه وتواضعه، أنه ما سئم ولا ملّ ولا ضجر من العيش في جلباب الدون كريستيانو رونالدو، كان الكريم يبحث في البراري الموحشة عن الرحيق ليتضوّع منه رونالدو، كان يحترق في المباريات عشرات المرات ليضيء للداهية طريق المجد، فكل الجوائز الفردية التي تحصل عليها رونالدو وهو لاعب لريال مدريد كان صانعها الأول هو بنزيما الذي عبّر بشكل مثير للإعجاب عن نكران ذات قلّ نظيره بين نجوم الكرة، بدليل أن كريم ما ارتفع له صوت للاحتجاج ولا للشكوى وهو يقف في الصف الخلفي، بل لم يحدث ولا مرة أن أدخل ريال مدريد في خلاف جوهري حول عقده، فكان في ذلك معشوق فلورنتينو بيريز.
ويوم حزم الدون كريستيانو حقيبة السفر، وما عاد هناك من أمل لكي يطيل المقام ببيت الملوك، كان على كريم بنزيما أن يحمل على كتفيه الإرث الثقيل، أن يصبح هو مركز النور الملكي وقد كان لسنوات مجرد مولد للطاقة، ولا أخاله إلا كان أهلاً للمسؤولية، والدليل أنه أهدى ريال مدريد بعد رحيل الأسطورة كريستيانو، لقبي لدوري الأبطال الأوروبي، لقبين لليغا الإسبانية ولقبين للسوبر الإسباني.
فكيف بعد كل هذا لا يكون كريم بنزيما هو "الأفضل" عالمياً؟ كيف لا تأتيه طائعة "الكرة الذهبية"، وقد احتفى بها وتزين لها وأعدّ لها ما تشتهيه من إبداع؟
كيف لا يكون شهود الزمن الكروي الرائع، مجمعين على أن كريم بنزيما يستحق أن يكون رابع فرنسي يظفر بالكرة الذهبية بعد رايموند كوبا وميشال بلاتيني وجون بيير بابان وزين الدين زيدان؟