كأس العالم - الأوروغواي 1930 شعب يتحدث.. بقدميه (1)

الخط

حدد الاتحاد الدولي لكرة القدم يوم 28 فبراير 1930 موعداً نهائياً للاتحادات المنضمة إلى أسرته حتى تبلغّه ما إذا كانت راغبة في خوض كأس العالم الأولى، التي ستنظمها الأوروغواي من 13 إلى 30 يوليو من العام عينه.. كذلك وجّه الدعوة إلى الدول البريطانية الأربع، إنكلترا واسكتلندا وويلز وإيرلندا الشمالية، هي التي كانت في تلك الحقبة قد سحبت عضويتها من "الفيفا".. ومع ذلك لم تلبّ الدعوة.

 

معظم الدول الأوروبية الأخرى أبدت موافقة مبدئية، ثم غضت النظر، على غرار ألمانيا وايطاليا وإسبانيا وتشيكوسلوفاكيا والنمسا والمجر.. وقبل شهرين من بداية الدورة، لم تصل أية موافقة رسمية من القارة العجوز، ولذا بذل رئيس "الفيفا" جول ريميه كل جهده ليُغيّر الموقف، فأقنع فرنسا وبلجيكا ويوغوسلافيا ورومانيا.. بالنسبة إلى هذه الأخيرة تحديداً، فإن جميع لاعبيها كانوا من العمال، وقد هددتهم شركاتهم بعدم دفع مرتباتهم وبالاستغناء عنهم لأنهم سيتغيبون أسابيع عدة، لكن الملك كارول الثاني تدخل شخصياً وحل المشكلة بعد مفاوضات ناجحة مع هذه الشركات، ويُقال أنه اختار لاعبي المنتخب بنفسه، وأنه هو الذي اتصل باليوغوسلافيين لحثّهم على المشاركة.

 

عموماً، لم يتحمس الأوروبيون لخوض التجربة الجديدة لسببين: المسافة الطويلة التي تفصل بين أوروبا وأميركا الجنوبية، باعتبار أن السفر لم يكن ممكناً إلا على متن البواخر، إضافة إلى الأزمة الاقتصادية الحادة التي كانت تعيشها قارتهم بحيث تعجز اتحادات اللعبة عن دفع رواتب اللاعبين المحترفين، لأن أندية هؤلاء ستحرمهم منها خلال غيابهم الطويل.. أما الهواة فخافوا على تعويضاتهم ووظائفهم.

 

ومع الدول الأوروبية الأربع كانت هناك الولايات المتحدة والمكسيك و7 دول أميركية جنوبية (رقم قياسي لم يتحطم حتى اليوم) هي الأوروغواي والبارغواي والأرجنتين والبرازيل وبيرو وتشيلي وبوليفيا.. عموماً، فإنها النسخة الوحيدة التي لم تشهد تصفيات لاختيار 16 منتخباً.. وذكر مدرب المنتخب الأميركي جيمس دوغلاس: "غياب المنتخبات الأوروبية بكثافة لن يضر بالدورة، لأن الألعاب الأولمبية أثبتت أن أفضل كرة قدم هي التي تلعبها المنتخبات الواقعة على ضفتي ريفر بلايت أي الأوروغواي والأرجنتين".

 

كيف تحافظ على لياقتك؟

في 20 يونيو 1930، غادرت السفينة "أس أس كونتي فيردي" مدينة جنوى الإيطالية وعلى متنها منتخبي بلجيكا ورومانيا، متوجهة إلى مدينة فيل فرانش سور مير حيث أقلّت منتخب فرنسا.. مرّت بلشبونة وماديرا وجزر الكناري، ثم عبرت المحيط الأطلسي، لتتوقف في ريو دي جانيرو حيث أقلّت أيضاً منتخب البرازيل، إلى أن بلغت مونتفيديو عاصمة الأوروغواي في 4 يوليو، وكان في استقبالها أكثر من 10 آلاف شخص.. والمسافة بين فيل فرانش سور مير ومونتفيديو هي 10 آلاف و852 كيلومتراً.. ومن بين ركاب السفينة كان هناك 3 حكام (البلجيكيان جان لانجينوس وهنري كريستوف والفرنسي توماس بالفاي)، ورئيس "الفيفا" جول ريميه وكأس تزن 3.8 كيلوغراماً (1.8 من الفضة و2 من الذهب الخالص)، وارتفاعها 30 سنتمتراً، وهي من صياغة الفرنسي أبيل لافلور الذي تخرّج من "مدرسة كارتييه".. سُميت بداية باسم "كأس الاتحاد الدولي"، ثم باسم "كأس جول ريميه" عام 1946، في مناسبة مرور 25 عاماً على ترؤسه "الفيفا".. وعام 1930 تحديداً، تمنّى ريميه أن تحتفظ بالكأس الدولة التي تُحرز اللقب ثلاث مرات، وهذا ما فعلته البرازيل في 1958 و1962 و1970.. والمرأة التي تبدو على ظهر الكأس هي آلهة الانتصار.

 

أيام طويلة أمضاها اللاعبون في البحر، فكيف حافظوا على لياقتهم؟ أجاب الفرنسي لوسيان لوران وهو أول من سجل هدفاً في تاريخ المسابقة: "كنا نجتمع كل صباح في غرفة خصصت للتدريبات البدنية وتقوية عضلات الذراعين، وبعد الظهر كنا نمشي ونجري على سطح السفينة، ونمضي بعض الوقت في الوثب من فوق الكراسي حتى نحافظ على لياقتنا، كما كنا نصعد وننزل السلالم لتقوية عضلات الفخذين والساقين، أما تكتيكياً فلم نكن نتحدث عن شىء من هذا القبيل".. ويُقال أن الفرنسيين أحضروا معهم عدداً من الكرات، لكنها سقطت كلها في البحر عندما كانوا يتبادلون تمريرها على السطح.. ولا شك أن المنتخبات الأوروبية تأثرت بعض الشيء، طالما أن الكرة كانت غائبة، ولكنهم تدربوا في حضورها 9 أيام من 4 يوليو إلى يوم الافتتاح في 13 منه.

 

ولأنه لم يعد هناك أماكن كافية في الباخرة "كونتي فيردي"، فإن منتخب يوغوسلافيا غادر بلاده إلى مدينة مرسيليا بعدما أمضى 3 ساعات في القطارات، وتوجه إلى الأوروغواي على متن السفينة "أس أس فلوريدا"، علماً أنه كان من المقرر أن ينضم إليه في المدينة الفرنسية منتخب مصر.. ويُقال أن الأخير تخلّف إما بسبب عاصفة أخرت وصوله في الموعد المحدد، أو بسبب تراجع مسؤوليه عن خوض المسابقة.. كذلك توجّه منتخب المكسيك من فيراكروز إلى هافانا، ثم نيوجيرزي، لينضم إليه نظيره الأميركي، وانتقلا بعدها إلى مونتفيديو على متن السفينة "مونارغو".. وفي المنتخب الأميركي 16 لاعباً، منهم 11 خاضوا 3 مباريات من دون أي تغيير في التشكيلة الأساسية، وفيه أيضاً 5 لاعبين اسكتلنديين، فضلاً عن إنكليزي واحد، وُلدوا جميعهم في الولايات المتحدة، أو هاجروا إليها في سن المراهقة.. كذلك اجتمع منتخبا البيرو وتشيلي في سانتياغو، وسافرا معاً إلى بوينس آيرس حيث انضم إليهما نظيرهما الأرجنتيني، ثم إلى مونتفيديو.

 

في أياديهم كرة وفي أفواههم صفارة

الأوروغواي دولة صغيرة بتعدادها السكاني.. كان عدد سكانها 75 ألف نسمة فقط عندما استقلت عن إسبانيا في 25 أغسطس 1830، وبعد حروب طويلة مع الإسبان والبرتغاليين والبريطانيين، ثم ارتفع العدد عام 1879 إلى نحو 440 ألفاً.. وبعد قرن واحد، عندما احتضنت المونديال الأول عام 1930، كان يسكنها مليونان وربع مليون نسمة، مقابل نحو 3 ملايين و800 ألف نسمة حالياً.. معظم الوافدين الجدد من أوروبا، وخصوصاً من إسبانيا والبرتغال وإيطاليا وإنكلترا، ونسبتهم 88% من مجموع عدد السكان.. في المقابل تتمتع بمساحة واسعة جداً مقارنة بعدد سكانها (176 ألف كيلومتراً مربعاً).

 

وهناك صراع كروي قديم ومستمر بين الأوروغواي مع الدولتين الجارتين البرازيل والأرجنتين، وتكبرها الأولى من حيث المساحة 45 مرة مع 212 مليون نسمة حالياً، والثانية 19 مرة مع 46 مليون نسمة.. المسافة بين مونتفيديو وبوينوس آيرس بالذات هي 242 كيلومتراً براً و213 كيلومتراً جواً، ويفصل بينهما نهر ريو دي لا بلاتا.

 

دخلت كرة القدم إلى مونتفيديو في سبعينيات القرن الثامن عشر عندما أسس المهاجرون الإنكليز نادي مونتفيديو كريكيت كلوب، ثم أُسس اتحاد اللعبة في مارس 1900.. في مباراتها الدولية الأولى خسرت الأوروغواي أمام ضيفتها الأرجنتين 0-6 في 20 يوليو 1902، ولكن في 13 سبتمبر 1903 ثأرت الأوروغواي وفازت 3-2 في بوينس آيرس بالذات.. وبين 1902 و1915 التقى المنتخبان الجاران 34 مرة.. وفي 1916 ظهر اتحاد أميركا الجنوبية، وأحرزت الأوروغواي بطولة دول أميركا الجنوبية (اعتباراً من 1975 صار اسم المسابقة كوبا أميركا) بعدما هزمت تشيلي 4-0 والبرازيل 2-1 وتعادلت مع الأرجنتين سلباً في بوينوس آيرس، ثم كررت هذا الإنجاز في 1917 في مونتفيديو.

 

هذا التفوق المبكر، برغم صغر القاعدة السكانية وقاعدة اللاعبين، تُرجم في أوروبا لاحقاً عندما فازت الأوروغواي بذهبيتي أولمبيادي باريس 1924 وأمستردام 1928.. فأين يكمن السر الدفين؟ يجيب أهل البلاد: "ليس في الأمر سراً، قد يكون لدى البرازيل والأرجنتين عمالقة في الأدب والهندسة، أما نحن فإن الكرة هي واجهتنا، وأطفالنا يولدون وفي أياديهم كرة وفي أفواههم صفارة".. وكتب الصحافي الفرنسي هنري دو مونتيرلان عندما سحقت الأوروغواي سويسرا 3-0 في نهائي أولمبياد باريس: "شاهدنا اليوم كرة القدم الحقيقية.. وبالمقارنة معها، فإن الكرة التي نلعبها نحن أقرب إلى تلك التي يلعبها طلاب المدارس الابتدائية".

 

توقعات في محلها

سُحبت قرعة الدور الأول في 7 يوليو، أي قبل 6 أيام من الافتتاح، ووُضعت الأرجنتين والبرازيل والأوروغواي والولايات المتحدة على رأس المجموعات الأربع التي ضم كل منها منتخباً واحداً من أوروبا.

 

المجموعة الأولى: ضمت الأرجنتين وفرنسا والمكسيك وتشيلي.

لعبت مباراة فرنسا والمكسيك في 13 يوليو على استاد بوسيتوس، الخاص بنادي بينارول، وليس على استاد سانتيناريو الجديد الذي بني خصيصاً للمسابقة ويتسع لـ90 ألف متفرج، لأن العمل به انتهى بعد 5 أيام من بداية المنافسات التي قادها 11 حكماً من 7 دول.. ويعود التأخير إلى سوء الأحوال الجوية.

 

فرنسا × المكسيك 4-1 (لوران 19 ولانجييه 40 وماشينو 43 و87 لفرنسا، وكارينيو 70 للمكسيك).

الأرجنتين × فرنسا 1-0 (مونتي 81).

 تشيلي × المكسيك 3-0 (فيدال 3 و64 وروساس بالخطأ في مرمى فريقه).

تشيلي × فرنسا 1-0 (سوبيابري 64).

الأرجنتين × المكسيك 6-3 (ستابيلي 8 و17 و80 وزوميلزو 10 و55 وفارايّو 53 للأرجنتين، وروساس 37 من ركلة جزاء و72 وغايون 78 للمكسيك).

الأرجنتين × تشيلي 3-1 (ستابيلي 12 و14 وإيفاريستو 51 للأرجنتين، وأريّانو 15 لتشيلي).

الترتيب: 1- الأرجنتين 6 نقاط، 2- تشيلي 4 نقاط، 3- فرنسا نقطتان، 4- المكسيك صفر.

المجموعة الثانية: ضمت البرازيل ويوغوسلافيا وبوليفيا.

 

يوغوسلافيا × البرازيل 2-1 (تيرنانيتش 21 وبيك 30 ليوغسلافيا، وبريغينيو 62 للبرازيل).

يوغوسلافيا × بوليفيا 4-0 (بيك 60 و67 وماريانوفيتش 65 وفويادينوفيتش 85).

البرازيل × بوليفيا 4-0 (موديراتو 37 و73 وبريغينيو 57 و83).

الترتيب: 1- يوغوسلافيا 4 نقاط، 2- البرازيل نقطتان، 3- بوليفيا صفر.

 

المجموعة الثالثة: ضمت الأوروغواي ورومانيا وبيرو.

رومانيا × بيرو 3-1 (ديشو 1 وستانتشيو 79 وكوفاتش 89 لرومانيا، وسوزا فيريرا 75 لبيرو).

الأوروغواي × بيرو 1-0 (كاسترو 60).

الأوروغواي × رومانيا 4-0 (دورادو 7 وسكاروني 26 وأنسيلمو 31 وتشيا 35).

الترتيب: 1- الأوروغواي 4 نقاط، 2- رومانيا نقطتان، 3- بيرو صفر.

 

المجموعة الرابعة: ضمت الولايات المتحدة وبلجيكا والبارغواي.

الولايات المتحدة × بلجيكا 3-0 (ماكغي 23 وفلوري 45 وباتيناود 69).

الولايات المتحدة × البارغواي 3-0 (باتيناود 10 و15 و50).

البارغواي × بلجيكا 1-0 (فارغاس بينيا 40).

الترتيب: 1- الولايات المتحدة 4 نقاط، 2- البارغواي نقطتان، 3- بلجيكا صفر.

نصف النهائي:

الأرجنتين × الولايات المتحدة 6-1 (مونتي 20 وسكوبيللي 56 وستابيلي 69 و87 وبوسيللي 80 و85 للأرجنتين، وبراون 89 للولايات المتحدة).

الأوروغواي × يوغوسلافيا 6-1 (تشيا 19 و67 و72 وأنسيلمو 20 و31 وإريارتي 61 لأوروغواي، وفويادينوفيتش 4 ليوغوسلافيا).

للكاتب أيضاً