مونديال الشهد والدموع.. ملكه غير مُتوّج!
19/07/2022 - بدر الدين الإدريسي
جاء منتخب البرازيل إلى كأس العالم 1982 بجيل خرافي اعتُبر أفضل منتخبٍ غير مُتوّج في تاريخ البطولة
الخط
ما اجتمعنا نحن العرب من الخليج إلى المحيط على عشق فريق غير منتخباتنا الوطنية الساكنة بلا مزايدة في سويداء القلوب، أكثر ما توافقنا على التعلُّق لحد الوله بالمنتخب البرازيلي، وقد بدا لنا كسنابل قمح ذهبية تؤتي المتعة والسحر في كل مرة نستمتع فيها بمشاهدته..
عشقنا منتخب البرازيل لرقصته الكروية الفريدة من نوعها، لسحره اللاتيني المتدفق كشلال العطر، وأيضاً لِكمّ الدهشة التي يصدرها في كل مبارياته.
علّمنا "الملك" والأسطورة و"الجوهرة السوداء" ناسيمينتو بيليه أن نتنفس الأريج والعطر الفواح كلما أقبلنا على حديقة "راقصي السامبا"، كان الأسمر الخارق في سن السابعة عشرة، عندما قاد منتخب البرازيل للفوز بكأسه العالمية الأولى سنة 1958، صحيح أن بيليه كان وقتها محاطاً بكتيبة رهيبة من أساتذة الفن الراقي، من جيلمار إلى زاجالو، مروراً بسانتوس، وڤاڤا وديدي، إلا أن ما صنعه بيليه في ذاك المونديال السويدي كان ضرباً من ضروب الإعجاز.
وما أخلف منتخب البرازيل موعده مع عشاق الكرة الجميلة وهو ينتصر في ثلاثة مونديالات (1962 بتشيلي، و1966 بإنكلترا و1970 بالمكسيك)، لجمالية الأداء الفردي الذي يبرق كالومضات في سماء المباريات، فيعطي ضوءاً جماعياً مبهراً، ستحاول وقتها المدارس الأوروبية، الألمانية بواقعيتها والإيطالية بخبثها التكتيكي والإنكليزية بكرتها المباشرة والسويسرية بمزلاجها ودفاعها الخرساني، إما أن تتشبه به فلا تستطيع، لقوة الموهبة العصية على كل استنساخ، وإما أن تزرع له في الممشى كمائن وألغاماً تكتيكية، وأحياناً بالعنف المبرح والذي ستُجبر الكثير من أشكاله الفاضحة على تغيير مواد التحكيم، بعد أن آذت الفنان بيليه (مونديال 1966).
عشقنا كعرب البرازيل، ليس فقط هروباً من ضحالة وهشاشة مشهدنا الكروي العربي الذي لم يكن يفرز إلا في النادر أحلاماً نتعلق بها، ولكن لأن مع "راقصي السامبا"، الفرجة مضمونة والمتعة مقيدة في كل سفر كروي، كان فرحنا مع البرازيل كبيراً كبر البحر، ولكن في كأس العالم 1982 بإسبانيا كان بكاؤنا على البرازيل بكاء المفجوع، ولا أخال أن من شاهدوا مثلي ذاك المونديال لم يتغلغل الحزن في غورهم حتى غدا وشماً في الذاكرة.
إلى كأس العالم 1982 ببلاد الماتادور، النسخة التي يراها المؤرخون والباحثون الأجمل بين كل النسخ، جاء منتخب البرازيل بجيل خرافي وهو عاقد العزم على استعادة التاج العالمي الهارب، كان مونديال 1974 ألمانياً بواقعية الأداء وتأثير المكان، ودخلت كأس العالم الأرجنتين سنة 1978 وما خرجت منه بأمر الديكتاتور وبإصرار كوماندو أسسه الفيلسوف لويس سيزار مينوتي، والبرازيل في كل هذا غيمة جميلة لا تمطر، شمعة تنير من حولها ولا تبصر.
بجوقة ساحرة تتألف من الدكتور سقراطيس ومن زيكو (بيليه الأبيض) ومن المدفعجي إيدير ومن العازف جونيور ومن الجسر العائم فالكاو، جاءت البرازيل إلى المونديال الإيبيري، فكان دورها الأول عزفاً كروياً ولا أجمل، إذ اكتسحت منتخبات مجموعتها رقماً وأداءً، وكانت مع إنكلترا المنتخبان الوحيدان اللذان عبرا للدور الثاني متصدرين مجموعتيهما بالعلامة الكاملة، مع فيض تهديفي للبرازيل، ما جعل الكل يتنبأ بعودة سنابل المتعة لسكة التتويج.
ما سيحدث في الدور الثاني، وقد لعب في تلك النسخة بنظام المجموعات، أن البرازيل سيتواجد في مجموعة واحدة مع منتخبي الأرجنتين وإيطاليا، وخُيّل لنا وقتها أن "راقصي السامبا" سيعبرون بلا معاناة للدور نصف النهائي، فلم يكن منتخب الأرجنتين بالقوة التي ترهب الجارة البرازيل، وكانت إيطاليا من المنتخبات التي وصلت منهكة وبلا إقناع للدور الثاني، وقد تأهلت بثلاث نقاط من ثلاثة تعادلات وبفارق الأهداف عن الكاميرون.
وبعد أن نجح الإيطاليون والبرازيليون في ترويض منتخب "السيليستي" بطل نسخة 1978، جاءت مباراتهم المفصلية لتكون بالفعل واحدة من أجمل وأغرب وأكثر المباريات متعة وفرحاً وألماً وإثارة في تاريخ كأس العالم، نزال أشبه ما يكون باصطدام المتناقضات، كرة جميلة ورومانسية وغارقة في الشاعرية يقدمها منتخب البرازيل وكرة واقعية، حادة كالسيف، ماكرة مكر الذئاب يقدمها المنتخب الإيطالي مع داهيته المدرب إنزو بيرزوت، ومع هدافه الخارج لتوه من السجن باولو روسي..
مباراة سيخسرها منتخب البرازيل بثلاثة أهداف لهدفين، وسيتحوّل مسرحها بمدينة برشلونة، إلى شلالات فرح ودموع، إيطاليون سعدوا بدخولهم المنعرج الحاسم الذي أوصلهم للقب عالمي كانوا أبعد المنتخبات عنه والأقل ترشيحاً لنيله، وبرازيليون يذرفون، ومعهم كل الذين تعلقوا بكرتهم الجميلة، الدموع على خسارة ظالمة، فقد كانت هذه واحدة من المرات التي يُقدّم فيها كأس العالم لكل الناس منتخباً غير مُتوّج، ملكاً يجلس على عرش القلوب ولكنه لا يملك تاجاً ولا نياشين.