الكرة الإيطالية أمام مفترق طرق كبير…

الخط

منتخب وأندية، هي أيام يقال فيها الكثير عن الكرة الإيطالية، بلد لطالما أثار نقاشاً كبيراً عن الكالتشو، قوته، ضعفه، تكتيكه وطريقة مقاربته. لا بد من العودة إلى بعض التاريخ كي نفهم أكثر الحاضر ونناقش المستقبل، إيطاليا البلد الرائع كان جنة كرة القدم في العالم بكل معنى الكلمة، كان حلم كل نجوم اللعبة، الوصول إليه هو الغاية مهما كان اسم النادي، ينافس على اللقب أو في وسط الترتيب أو حتى ينافس من أجل البقاء، المهم أن يكون نادياً في الدرجة الأولى، وأحياناً كان البعض يُقبل حتى لأندية الدرجة الثانية. الأمثلة هنا لا تنتهي، زيكو أحد أفضل لاعبي العالم وقتها جاء إلى أودينيزى، ديرسو الذي كان نجم المنتخب البرازيلي في مونديال 78 لعب في أفيلينو، سكراتس وباساريلا قائدا البرازيل والأرجنتين لعبا في فيورنتينا، دون ذكر طبعاً مارادونا في نابولي، وهذه كلها أندية لم تكن إطلاقاً من أندية القمة التي تنافس على اللقب وقتها..

 

عام 90 كان السنة التي وصل فيها الكالتشو إلى القمة، ثلاثة أندية تُوّجت بالألقاب الأوروبية، ميلان، سمبدوريا ويوفنتوس، والأخير فاز في النهائي الأوروبي على فيورنتينا أيضاً، كانت الكرة الايطالية تبتعد بفارق كبير جداً عن البقية في أوروبا، وفي ذلك العام استضافت المونديال، تلك الاستضافة التي يعتبرها بعض المتابعين أنها كانت نقطة بداية للتراجع في أوروبا والعالم بدل أن تكون نقطة استمرار التفوق الكبير. النقاش هنا يطول، الأكيد أن الهدر والبيروقراطية الإيطالية أضرّت كثيراً باللعبة وقتها، تم بناء ملاعب سيئة وليست مخصصة لكرة القدم فقط، بل مع مضمار على الطريقة القديمة، مشكلة استمرت ترخي بظلالها على الكالتشو حتى يومنا هذا.

 

البيروقراطية والعقلية القديمة بإدارة اللعبة دفع ثمنها الكالتشو مع مرور الوقت، شيئاً فشيئاً خسر لقب جنة كرة القدم، لم يقبل المسؤولون عنه بالقيام بتغييرات تتوافق مع تطورات الزمن، في كل مجالات اللعبة، كانوا يشاهدون الآخرين يتطورون، الإنكليز مثلاً غيّروا جذرياً من تفكيرهم وأسلوبهم، انتهى زمن أركل الكرة وأركض، كانوا مبدعين في طريقة تقديم الدوري عندهم، فاستحقوا عن جدارة أن يرثوا لقب جنة كرة القدم من إيطاليا. في إيطاليا استمرت الأخطاء، لم يقبل أحد بتغيير كبير، وحده مانشيني قرر ذلك مع المنتخب، دعمه الجميع لأن الغياب عن المونديال كان كارثياً، وبعقلية جديدة كلياً على الكرة الإيطالية لعب المنتخب في بطولة أمم أوروبا، الفوز بها كان جائزة هائلة للإيطاليين ولمانشيني خاصة مع فكره الجديد، لكن الأمور لم تستمر طويلاً. مع عودة الدوري عاد المدربون إلى أساليبهم القديمة، لا أحد يجرؤ على التغيير في الأندية الكبيرة، أيضاً هذا نقاش طويل، لكن النتيجة هي أسلوب بطيء بمعظمه، الهدف هو دائماً الفوز بسبب قوة الدفاع، من خلال تلقي أهداف أقل، حسناً هذا أمر مشروع طبعاً ومطلوب أيضاً في بعض الأحيان، لكن للأسف لا يمكنه أن يكون أسلوباً دائماً كما في السابق والنتيجة هي استحالة الفوز في أوروبا حالياً.

 

أوروبا التي تعني فيها تحديداً دوري الأبطال، عدم وجود أندية إيطالية في ربع النهائي دليل كبير، خروج أفضلها وأكثرها قدرة في السنوات العشر الأخيرة من الدور الثاني للمرة الثالثة توالياً وأمام منافسين أضعف منه على الورق تجبر الجميع على إعادة النظر بطريقة ممارسة اللعبة في إيطاليا. البعض من أمثال ساكي يرفع الصوت دائماً عن ضرورة اللعب بشكل مختلف في أوروبا، الانقسام والتعصب الموجود للثلاثي يوفى، ميلان وإنتر والذي ينسحب على أغلب مكونات المجتمع الإيطالي لا يساعد على تقبل فكرة الأخطاء الكبيرة والعمل على تغيير جذري، الأصوات التي ترتفع أحياناً تكون غالباً بسبب نتيجة سلبية آنية وليس عن دراسة معمقة، استمرار اللعب من أجل النتيجة مهما كان الأسلوب لا يمكن أن يجعل التغيير ممكناً، ناهيك عن إدارات تستمر بذات العقلية تقريباً منذ عشرات السنوات. مفترق طرق كبير تعيشه الكرة الإيطالية، المنتخب أمام خطر الغياب عن المونديال للمرة الثانية توالياً، لا أندية إيطالية بين كبار أوروبا، الأمر يحتاج فعلاً إلى إعادة نظر بكل منظومة الكالتشو، كي يعود لمعانه من جديد في كل أوروبا والعالم، كي يعود رائداً كما كان لسنوات طويلة..

للكاتب أيضاً