مونديال المكسيك.. زئير الأسود وعبقرية الملك
1/03/2022 - بدر الدين الإدريسي
الخط
بالكاد كنت أتلمّس طريق العشق لكرة القدم، عندما حلت سنة 1970 وكأس العالم تأتي إلى المكسيك، في أول مرة يغادر فيها المونديال قارتي أوروبا وأمريكا الجنوبية، كانت اللحظة تاريخية بل وأنطولوجية. وعلى الرغم من فتوة ذاكرتي وقتذاك، إلا أنني أمسكت ببعض الخيوط التي انسدلت من تلك البطولة الخرافية، من كأس عالمية سُمّيت بمونديال الملك بيليه، والحقيقة أنها كانت أيضاً كأس عالم عربية وإفريقية.
خلافاً لمنتخب مصر الذي حضر سفيراً للكرتين العربية والإفريقية، في ثاني نسخة للمونديال سنة 1934، فإن منتخب المغرب هو من تخطّى كل موانع التصفيات الإفريقية، ليحظى بشرف التواجد في مونديال المكسيك سنة 1970، متحصّلاً على البطاقة الوحيدة الممنوحة لقارة إفريقيا، والتي ما نالتها القارة السمراء إلا بعد أن قاطعت مونديال 1966 بإنجلترا، احتجاجاً على أنها لا تمنح سوى نصف بطاقة، ما يفرض على مترشحها أن يخوض مباراة سد أمام منتخب أوروبي.
لا تحتفظ ذاكرتي، وقد كانت وليدة، بالكاد تستجمع فصول الروايات، إلا بالقليل مما مثّلته للمغاربة والعرب تلك المشاركة الأولى من نوعها لمنتخب المغرب في حدث كروي بكونية كأس العالم، فقد كانت حداثة "أسود الأطلس" بالمونديال والطابع الهاوي الغالب على ثقافتهم التكتيكية، تلتمس كل العذر لهم، إن هم تجرّعوا مرارة الهزائم الثقيلة، بسبب هول الفوارق، وكيف للمغاربة أن يفرطوا في التفاؤل، ومنتخبهم القومي يحشر في مجموعة بها منتخب ألمانيا، وصيف بطل العالم سنة 1966، ومنتخب بيرو، أحد أسياد الكرة اللاتينية بنجمه الخرافي كوبياس، ومنتخب بلغاريا، الذي كان وقتذاك من بين أفضل ستة منتخبات أوروبية.
معتمداً في قاعدته البشرية على عدد كبير من لاعبي الجيش الملكي، الذي كان أيقونة ذاك الزمن الكروي، ومتأسساً على منظومة لعب سلسة، فيها بعض من السحر اللاتيني، ومؤمناً بقوّة طموحه في معاكسة كل التوقعات، دخل منتخب المغرب موندياله الأول هناك بالمكسيك، وكان من حظه أن يُلاقي من البداية "الماكينات" الألمانية، بحارسها الخرافي مايير وبقيصرها بيكنباور وهدافها المرعب جيرد مولر، وبينما ظنّ البعض أن "الأسود" سيُمّزقون إرباً إرباً، إذا بهم يُصيبون العالم كله بالدهشة وهم ينهون الجولة الأولى متفوّقين بهدف مهاجمهم حمان.
تقدّمٌ لم يتمكّن المغرب من الحفاظ عليه لانهيار مخزونه البدني في الجولة الثانية، إذ سيتمكن الألمان من تعديل الكفّة بل والتقدّم في النتيجة، وكم تهكّمت صحافة العالم على خيلاء الألمان وأنانيتهم، وهي تذكّرهم بأنهم لشوط كامل كانوا بين مخالب "الأسود"، مثل الغزالة المرتجفة.
سيخسر "الأسود" مباراتهم الثانية أمام بيرو بثلاثية، وسيُحقّقون أول نقطة لهم بتعادلهم أمام منتخب بلغاريا بهدف لهدف، لينتهي مونديالهم الأول بوشاحات إعجاب وتنويه وضعتها على صدورهم صحافة العالم، ولتقول لهم إفريقيا، شكراً لكم، نِعم السفراء كنتم..
ذاك المونديال الذي رشف من رحيق حضارة الأزتيك، كان مونديال الملك أديسون أرانتيس دو ناسيمينتو، الملقب ببيليه، فقد كان الجوهرة السوداء في عامه الثلاثين عندما اصطحب إلى المكسيك، جوقة من العازفين البرازيليين المهرة، الذين سيُبدعون أجمل السيمفونيات الكروية التي ما زال صداها يملأ ردهات التاريخ.
كان ذاك هو المونديال الرابع لبيليه، الذي كان قد مسح دموع البرازيليين وهو بعد في سن السابعة عشرة، عندما أهداهم كأس العالم سنة 1958 بالسويد، وما جاءالأسطورة بيليه لمونديال 1970، مع جارينشا، وكارلوس ألبيرتو، وجيلمار، وجيرسون، وريفيلينو وتوستاو، إلا ليرفع منتخب السحرة إلى مرتبة الخلود.
ولا يُمكن لذاكرة كرة القدم العالمية، ولمونديال المكسيك 1970 أن ينسى السحر الذي نثرته البرازيل في كل مبارياتها، ولا الإبهار الذي كان عليه أداء بيليه، بخاصة في المباراة النهائية أمام إيطاليا، عندما افتتح رباعية "السامبا" بهدف من رأسية جميلة، وعندما صنع هدفي كارلوس ألبيرتو وجارزينيو، وقاد البرازيل للقبها العالمي الثالث.
وما كان مخطئاً مدافع منتخب إيطاليا بورغانتيش في النهائي الذي كسبته البرازيل برباعية لهدف، عندما قال عن الأسطورة الخالدة بيليه: "كنت أقول لنفسي قبل المباراة إنه مثل كل الناس مصنوع من لحم وعظم، لكنني كنت مخطئاً".