جادلتنا يا ألكسندر تشيفيرين وأسأت الجدال!

عارض تشيفيرين السوبر ليغ وتنظيم كأس العالم كل سنتين عوضاً عن أربع سنوات حتى لا يتم ذبح اللاعبين

الخط

لست أدري لماذا يُصرّ ساسة كرة القدم، وأُفضّل أن أسمّيهم هكذا، على أن ينطقوا أحياناً بكلمات يعرفون تلقائياً على أنها ستوجع، وأنها إن عبرت طبلة الأذن، أحدثت ضجيجاً لكن كان مآلها الحتمي مزبلة اللغو؟


عندما سئل رئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، ألكسندر تشيفيرين، وقد كان مستضافاً من صحيفة "لاجازيتا ديللو سبورت" الإيطالية الشهيرة، عن الأجندة المضغوطة بالالتزامات والمباريات، إلى الحد الذي ينسف إنسانية اللاعبين، أجاب:
"من السهل جدا انتقاد اليويفا والفيفا. الأمر بسيط للغاية، إذا لعبنا مباريات أقل، الأجور ستنخفض".


جميعنا استمع للمرة المائة إلى صدى الأنين المنبعث من صدور اللاعبين المظلمة، بخاصة أولئك الذين دعوا من قبل منتخباتهم الوطنية ليلعبوا أربع مباريات، في الأسبوعين الأولين لشهر يونيو الحالي، عن أربع جولات مزحومة زمنياً للدوري الأوروبي للأمم، وبالكاد انتهى موسم ماراطوني ومضغوط استنزف طاقة اللاعبين الذهنية قبل البدنية.


جميعنا استشعر بالفعل هذا الاختناق النفسي للاعبين لا يستطيعون إدارة ظهورهم لمنتخباتهم الوطنية، إلا السيد تشيفيرين الذي يملك في جرابه الأجوبة الجاهزة والمستفزة للمشاعر، يقول تشيفيرين: "من يجب فعلاً أن يشتكي هم عمال المصانع الذين يربحون 1000 يورو في الشهر".


طبعاً المقارنة ظالمة لوجود فوارق يستحيل معها القياس، ومن دون حاجة لبسط جبال الفوارق لأنها شاهقة ومرهقة، فإن كرة القدم وكل الرياضات التي رفعت إيراداتها لمستويات قياسية، حتى غدت موصوفة في التعريفات الاقتصادية بالفلكية، ما كان لها أن تجني كل تلك الثروات إلا بفضل لاعبين مهاريين يجلبون الملايين من الجماهير لكل ملاعب العالم، ومعهم الآلاف من الشركات والمؤسسات الاقتصادية التي تُسوّق لصورتها من خلال كرة القدم.


والحقيقة أننا نشهد منذ قرابة ثلاثة عقود، تجاذباً قوياً بين لاعبي كرة القدم وبين القيّمين على الاتحاد الأوروبي لكرة القدم على وجه الخصوص، بسبب الأفران التي يدخل إليها لاعبو الكرة عنوة وأحياناً من دون الأخذ برأيهم، إذ أن الزيادة في عدد المباريات، إن على مستوى الأندية أو على مستوى المنتخبات، بهدف تحصيل نسبة أكبر من العائدات المالية، جعلت اللاعبين يطلقون الكثير من صرخات الاستغاثة، قبل أن تحمل همومهم ومضاجعهم وشكواهم، النقابة الدولية للاعبي كرة القدم المحترفين، والمعروفة تداولاً بـ"فيفبرو"، التي لا تُفوّت مناسبة إلا وتدعو إلى معاملة اللاعبين كبشر وليس كآلات.


ولأن منسوب الرفض لكل ما بات الاتحاد الأوروبي لكرة القدم يلزم به النوادي والمنتخبات الأوروبية من منافسات منقحة وأخرى مستحدثة، بهدف الرفع من الإيرادات المالية لتحمل الأعباء التي تتضاعف، لأن منسوب الرفض علا وارتفع، فإن ألكسندر تشيفيرين تجاوز حدود اللباقة في الرد على هواجس مشروعة، بخاصة وأن "اليويفا" بات يبرع في "ازدواجية الخطاب" و"تناقض المواقف"، فهو من جهة يرفع لاءات غليظة في وجه مشاريع تأتي بها مؤسسات كروية لتحيين المنافسات، في حين أنه من جهة ثانية لا يتورّع في تضخيم الأجندة الدولية، سواء بإحداثه للدوري الأوروبي للأمم، أو بتحيينه لدوري الأبطال.


وتذكرون معي أن ألكسندر تشيفيرين فقد صوابه وكاد يجن جنونه عندما علم بأن ما سمي بالأندية 20، خططت لسحب البساط من تحت دوري الأبطال، عندما فكّرت في إحداث سوبر ليغ أوروبي يعيد بناء سقفها المالي المنهار بفعل جائحة كوفيد 19، وقد فعل تشيفيرين، ما يستطيعه ليخنق شريان المولود وهو ما زال مضغة، وتذكرون أيضاً أنه هو من انتصب معارضاً بقوة لمشروع "الفيفا"، القاضي بتنظيم كأس العالم كل سنتين عوضاً عن أربع سنوات، ونجح في أن يضم لرفضه المطلق والقاطع اتحاد الكونميبول، بل إنه جهر بالقول: "لو حظي المشروع بتصويت الجمعية العمومية للفيفا، فإن منتخبات أوروبا وأمريكا الجنوبية لن تلعب المونديال، وعليكم أن تقدروا كيف سيكون هذا المونديال من دون منتخبات أوروبية".


عارض تشيفيرين إقامة سوبر ليغ أوروبي لأنه إعلان عن انقلاب رياضي، ثم عارض إقامة المونديال مرة كل سنتين حتى لا يتم ذبح اللاعبين، وفي مقابل ذلك يمطط الأجندة ويزيد في عدد المباريات، متحججاً بأن من لا يريد أن يلعب كثيراً، عليه أن يربح قليلاً، إنه منطق تشيفيرين، منطق ما يجوز لك ولا يجوز لغيرك!


 

للكاتب أيضاً