الخيال يطيح برينارد والواقع ينصفه
14/06/2022 - سلطان المهوّس
تعرّض رينارد لانتقادات لاذعة بعد خسارة المنتخب السعودي أمام كولومبيا وفنزويلا توالياً
الخط
لم يقبل "غالبية" الإعلام الرياضي السعودي، وحتى الجماهيري، خسارة "الأخضر" السعودي (تصنيف 49) مباراتين ودييتن متتاليتين أمام كولومبيا (تصنيف 17) وفنزويلا (تصنيف 58)، وكلا المباراتين انتهت بنتيجة الخسارة بهدف دون ردّ، في معسكر "الصقور" الخضر بمدينة أليكانتي الإسبانية، استعدادا لمونديال كأس العالم قطر 2022.
ارتفع منسوب العاطفة الإعلامية والجماهيرية "ولا لوم إلا على من يدّعي أنه يفهم كرة القدم"، وطغى النقد القاسي بسبب الخسارتين "أمر منطقي لا أحد يحب الخسارة"، ليصل إلى رأس الهرم الفني المدرب هيرفي رينارد، صاحب السجل التاريخي للـ"أخضر" السعودي في التصفيات الآسيوية المؤهلة لكأس العالم.
"ماشي بالبركة.. ما يفهم.. انكشف على حقيقته.. لا يعرف كيف يختار التشكيل.. متخبّط"، جزء بسيط من مقذوفات إعلامية وجماهيرية تم رميها على أحد أفضل المدربين بتاريخ "الأخضر" السعودي، لتنطلق شرارة "اللااتزان" لصورة المدرب الفرنسي العبقري.
ولأن نفسية الجماهير وغالبية الإعلام، قائمة على "رد الفعل السريع"، فستكون العلاقة الثنائية بعد أشهر من العسل مع "رينارد" أشبه بسباق تحدي القناعات، بعد أن أطلق الطرف الأول قناعاته ومن الصعوبة أن يتحلّى بشجاعة العودة عنها، وهو ما يخلق أقسى مراحل الخطورة النفسية الجماهيرية والإعلامية، وأعني انتظار سقوط للـ"أخضر" لتكريس أن القناعة صائبة، دون النظر لأي اعتبارات رقمية أو فنية أو العودة للتجارب أو حتى فهم طبيعة كرة القدم.
بالعودة سريعاً، نرى أن "رينارد" أصيب بعارض صحي لم يُمكّنه من قيادة المنتخب في مباراة كولمبيا وهو أمر في غاية الأهمية، إضافة إلى أن لاعبيه منهكون من مشاركات داخلية وخارجية لم تنته حتى اللحظة "آخر الموسم"، ولا ننسى أنهم يلعبون دون أي حضور جماهيري أمام منتخبات قوية ليست سهلة، وبغض النظر عن المردود الفني، فإن المباريات الودية، خاصة الأولى، في أي مرحلة إعداد، تكون لعمل التجارب، حيث يتصاعد الانضباط الخططي حتى يبلغ ذروته في آخر مباراتين استعداديتين للمونديال، وهما البروفة الحقيقية للأداء وليس النتيجة، فكرة القدم لا تعتمد فقط على الأداء، بل عوامل عدة لتحقيق النتيجة أبسطها "الحظ".
لم يرسم "الأخضر" قناعة فنية في المباراتين، وهو أمر طبيعي لمن يفهم كرة القدم ولمن لعبها ومارسها، ويدرك "نفسية" اللاعبين في مثل تلك الأوقات التي يصل فيها الاستنزاف اللياقي والنفسي لأقصى درجاته.
نعم هناك أخطاء في الدفاع وفقدان للمنهجية الهجومية، وهذا الأمر هو هدف المباريات الودية، ولذلك فقدان الثقة في أول منعطف لا ينمّ عن حالة صحية جيدة للمزاج والرأي الإعلامي والجماهيري، بقدر التأكيد على أن هناك خيالاً واسعاً تم رسمه للـ"أخضر" في المونديال، دون اعتبار الفارق الكبير بين "التصفيات الآسيوية" و"مونديال العالم".
أعلن اتحاد الكرة السعودي التمديد للفرنسي هيرفي رينارد حتى 2027، كمشروع واضح بعد أن تم دراسة إيجابية الخطوة والتوقف عن سلسلة "اللي بعده"، والتي كلفت "الأخضر" السعودي أكثر من "50" مدرباً من "20" جنسية مختلفة" من 1957 حتى 2019، الأمر الذي يُحتّم علينا النظر للأهداف المرسومة بواقعها دون الخيال المؤدي لقتل المسيرة بسبب مباراة ودية.
الأمر ليس تحدّياً للقناعات وهذا هو المهم، لأن "الأخضر" هو ملك جميع السعوديين، ومقولة "سبق وحذرناكم" و"قلناها من قبل"، لا تتماشى مع مسيرة مدرب أثبت كفاءة فنية ومعنوية وأصبح رقماً صعباً في القارة، ومن يرغب في البحث عن مدرب لا يخسر أو لا يتعثر، عليه مغادرة كرة القدم، فالمطلوب ليس في عالمها.
لا أقف بصف رينارد وكأنه منزّه عن الأخطاء والقراءة الفنية، لكني أنظر لعالم الكرة وواقعه، وأنظر أيضاً لمسوؤلية اللاعبين الاحترافية في تجهيز أنفسهم واستعدادهم وعطائهم، فالفرنسي الذي رفعنا، بعد الله، مع "الصقور" إلى صدارة التصفيات بوجود اليابان وأستراليا في مجموعة الموت، ليس من المنطقي أن نحاسبه على وديتين لهما ظروفهما.
كثيرٌ من المنطق وقليلاً من الخيال ومواجهة مع الواقعية، ستجعلنا في أمان نفسي ومعنوي قبل المونديال، ففي نهاية المطاف، الجميع سيندب حظه ما عدا فائز واحد، ولنا في ما حصل لفرنسا وإسبانيا والبرازيل وألمانيا عبرة ودروس، رغم أنهم أعلى وأقوى من كل منتخباتنا العربية في كل الجوانب لكنها كرة القدم.
كرة القدم ليست مدرب فقط!!