كأس العالم – البرازيل 1950 وصرخ ماراكانا: "وا برازيلاه" (الجزء الأول)
26/04/2022 - محمد حمادة
منتخب البرازيل على أرض ماراكانا
الخط
حضرت كرة القدم إلى البرازيل في حقائب البحارة الإنكليز، وإذ نظمت ساو باولو المباريات الرسمية الأولى عام 1894، فإن ريو دي جانيرو شهدت تأسيس أول نادٍ برازيلي وهو فلوميننسي فوتبول كلوب عام 1902، ثم كرّت السبحة.
في هذا المجتمع الهجين والفئوي، صارت الأندية لسان حال هذه الطبقة، أو تلك الطائفة. في الريو، فلامينغو نادي العمال والفئات الشعبية، في مواجهة فلوميننسي نادي الأثرياء، حيث اللاعبون السمر ممنوعين من الدفاع عن ألوانه إلى الثلاثينيات. وفي ساو باولو، بالميراس نادي المغتربين الإيطاليين، في مواجهة كورينثيانس نادي المغتربين الإسبان. انتشرت اللعبة بسرعة صاروخية، ومنحت فرصة الترقية الاجتماعية لكل من يبرز من اللاعبين ويصبح من فئة النجوم، الأمر الذي عزز شعبيتها أكثر وأكثر.
كل هذا الواقع ظهر جلياً على الصعيد الدولي، ويكفي أن البرازيل هي الوحيدة من كل دول العالم التي شاركت في كل نسخ كأس العالم. وبعدما خاضت ثلاث مشاركات عجاف، جاءت الفرصة لتفوز باللقب عندما نظمت كأس العالم الرابعة في 1950. الحلم بات يلامس الحقيقة ولكن، الحقيقة فرضت حداداً لا عرساً!
بعد الحرب العالمية الثانية، لم يكن أحد متحمساً لاستضافة مونديال 1950، وموارد الدول القادرة على تنظيمها، ولاسيّما الأوروبية منها، كانت ضئيلة وإنفاقها على التظاهرات الرياضية لم يكن وارداً، إلى أن شذت البرازيل عن القاعدة وتم تكليفها في كونغرس "الفيفا"، بتاريخ 22 يوليو 1946، وخلاله عادت دول بريطانيا الأربع إلى أسرة "الفيفا"، بعدما ابتعدت عنها 17 عاماً، كما تم خلاله تسمية كأس العالم باسم جول ريميه، بمناسبة مرور 25 عاماً على ترؤسه "الفيفا". وأقيمت المسابقة من 24 يونيو إلى 16 يوليو 1950.
 (299) 1.jpg)
التصفيات مخاض عسير
في التصفيات، لم توجه الدعوة إلى ألمانيا واليابان اللتين كانتا محتلتين (الأولى تحديداً باتت مقسمة إلى غربية وشرقية وقد عاد القسم الغربي إلى أسرة "الفيفا" في سبتمبر 1950، وتم قبول القسم الشرقي في هذه الأسرة عام 1952 ثم صارتا دولة واحدة في 3 أكتوبر 1990). في المقابل، وجهت الدعوة إلى إيطاليا بعدما انحازت الحكومة الجديدة إلى جانب الحلفاء. كذلك تخلف الاتحاد السوفييتي وتشيكوسلوفاكيا والمجر ولم تخض التجربة من دول أوروبا الشرقية إلا يوغوسلافيا.
بعد سحب القرعة، انسحبت الأرجنتين والإكوادور وبيرو، فتأهلت الأوروغواي وتشيلي وبوليفيا بالتزكية.
وقبل التصفيات، انسحبت النمسا أمام تركيا، التي فازت بعد ذلك على سوريا 7-0، وفضّل السوريون عدم خوض مباراة الإياب. لكن، ورغم تأهلها للنهائيات، انسحبت تركيا. وفازت بلجيكا على لوكسمبورغ ثم انسحبت أمام سويسرا. كذلك دُعيت فرنسا للسفر إلى البرازيل، مع أنها أخفقت في التصفيات أمام يوغوسلافيا، ولكنها لم تلب الدعوة بعد قرعة النهائيات.
ومن آسيا، تأهلت الهند للمرة الأولى بالتزكية. وبعد سحب القرعة، غيّرت رأيها بسبب تكاليف السفر (مع أن "الفيفا" كان قد وافق مسبقاً على تحمل الجزء الأكبر من هذه التكاليف حتى لا تشارك قارتان اثنتان فقط في الدورة)، والخلافات على اختيار عناصر المنتخب. وهناك من ذكر سبباً آخر، وهو أن "الفيفا" قرر بعد أولمبياد لندن 1948 عدم إشراك اللاعب في المباراة إذا كان حافي القدمين، وهذا ما لم يوافق عليه الهنود، علماً بأنهم خاضوا مباراتهم في الدور الأول من أولمبياد لندن ضد فرنسا ومعظمهم حفاة وقلة منهم وضعت الجوارب في قدميها بدلاً من الأحذية (خسرت الهند 1-2). وهذا السبب نفاه قائد المنتخب سالين مانّا: "السبب الرئيسي هو أنه لم تكن لدينا أي فكرة عن كأس العالم وأن الألعاب الأولمبية هي كل شيء".
وتأهلت إنكلترا واسكتلندا بعدما حلتا عام 1949 أولى وثانية في بطولة الدول البريطانية التي تضم أيضاً ويلز وإيرلندا، بيد أن اسكتلندا انسحبت بعد ذلك، أما السبب فهو أن رئيس اتحادها جورج غراهام أكد منذ البداية أن الاشتراك في المونديال مشروط بالفوز بالمسابقة البريطانية، وهذا ما لم يحصل.
في النهاية، شاركت 13 دولة، بعد مخاض عسير فعلاً (5 من أوروبا، فضلاً عن إيطاليا حاملة اللقب، و6 من القارات الأميركية فضلاً عن البرازيل)، وإيطاليا بالذات ترددت كثيراً قبل أن توافق على الاشتراك، لأن لاعبين كثر من تشكيلتها الأساسية لقيوا مصرعهم بتاريخ 4 مايو 1949، حيث كانت تقلّ طائرة الخطوط الجوية الإيطالية لاعبي فريق تورينو، العائد من لشبونة بعدما واجه فريق بنفيكا، ارتطمت بجدار كنيسة سوبرغا، في مدينة تورينو، بفعل عاصفة رعدية، فقُتل ركابها الـ31 ومن بينهم 18 لاعباً، وبين هؤلاء 8 دوليين.
سحبت قرعة النهائيات في 22 مايو، في ريو دي جانيرو، أي قبل المباراة الافتتاحية بشهر ويومين. وضعت البرازيل وإنكلترا وإيطاليا والأوروغواي على رأس المجموعات الأربع، ثم انسحب أكثر من منتخب بعد السحب، ولم يكن الوقت يسمح باستدعاء منتخبات بديلة، وهكذا ضمت كل من المجموعتين الأولى والثانية 4 دول، والثالثة 3 دول (انسحبت الهند)، والرابعة دولتان فقط (انسحبت اسكتلندا وفرنسا وتركيا). ووضع نظام فريد للمسابقة، وقد عُمل به للمرة الأولى والأخيرة، لأن أبطال المجموعات الأربعة صعدوا إلى الدور النهائي ولعبوا دوري من مرة واحدة (خاض كل منتخب 3 مباريات) مع احتساب نقطتين للفوز وواحدة للتعادل.
خطأ مطبعي.. 1-0 أم 10-0؟
بعد ظهر 24 يونيو 1950، افتتح استاد ماراكانا الجديد في الريو، والذي لم يكن قد اكتمل بناؤه، بمباراة بين البرازيل والمكسيك، ضمن المجموعة الأولى، في حضور 81 ألفاً و649 متفرجاً. سعة الاستاد 200 ألف متفرج وتكلف بناؤه ما يساوي نحو 275 مليون دولار. أطلقت الأسهم النارية وطارت أسراب الحمام، ثم أنهت البرازيل اللقاء بالفوز 4-0 سجلها أديمير (30 و79) وجايير (65) وبالتازار (71). وبعد هدف أديمير الأول، نزل العشرات من الصحافيين والإذاعيين إلى أرضية الملعب حتى يصف لهم اللاعب شعوره، قبل أن يبعدهم الحكم الإنكليزي جورج ريدر. والهدف الرابع كان الأجمل لأنه جاء بعدما غربل أديمير أكثر من منافس.
وعلى استاد انديبندنثا (بيلوهوريزونتي)، فازت يوغوسلافيا على سويسرا 3-0 سجلها ماتيتش (59) وتوماشيفيتش (70) وأوغنيانوف (84). والتقى المنتخبان قبل ذلك بأسبوعين ففازت يوغوسلافيا 4-0.
وعلى استاد باكايمبو (ساو باولو)، سقطت البرازيل في فخ التعادل أمام سويسرا 2-2. وزج مدرب البرازيل فلافيو كوستا بلاعبين كثر من أندية ساو باولو لإرضاء جمهور المدينة فكانت النتيجة الهزيلة. سجل ألفريدو (3) وبالتازار (32) للبرازيل، وفاتون (17) و(88) لسويسرا.
وتخطت يوغوسلافيا المكسيك 4-1، على استاد دوس أوكاليبتوس (بورتو أليغري). سجلت يوغوسلافيا أهدافها الأربعة عبر بوبيك (20) وزيليكو تشاكوفسكي (23) (بتمريرة من شقيقه زلاتكو) و(51) وتوماشيفيتش (81)، قبل أن تسجل المكسيك هدف الشرف من ركلة جزاء نفذها أورتيز (89).
وضمن الجولة الثالثة والأخيرة، كان يكفي يوغوسلافيا أن تتعادل مع البرازيل كي تصعد إلى مجموعة الدور النهائي، ولكن أصحاب الأرض كانت لهم الكلمة الأولى وحققوا الفوز الذي أنقذ المسابقة من الفشل. ولأن يوغوسلافيا بدأت المباراة بـ10 لاعبين في غياب ميتيش الذي كان يعالج من إصابة في رأسه، ضرب أديمير بسرعة وسجل هدفاً للمضيفين بعد 4 دقائق فقط، وعندما شارك ميتيش سدد زميله توماشيفيتش فوق العارضة ورد الحارس البرازيلي باربوسا تسديدة ميتيش، وارتاحت أعصاب الجمهور الكبير مع الهدف الثاني لزيزينيو في الدقيقة 69.
وفي مباراة هامشية، على استاد دوس إيكاليبتوس، فازت سويسرا على المكسيك بهدفين لبادر (10) وأنتينن (44) مقابل هدف واحد لكاسارين (89).
وحلت البرازيل أولى (5 نقاط) أمام يوغوسلافيا (4) وسويسرا (3) والمكسيك (صفر).
في المجموعة الثانية، فإن إنكلترا المرشحة بقوة للمنافسة على اللقب، استهلت إطلالتها في المسابقة بعد طول انتظار بالفوز على تشيلي بهدفين لمورتنسن (39) ومانيون (51) في 25 يونيو، وقبل الهدف الأول تكفلت الخشبات الإنكليزية برد تسديدتي روبليدو وكارفايّو. ومن لاعبي المنتخب الإنكليزي الظهير الأيمن آلف رامزي (مدرب بطل كأس العالم 1966).
كذلك فازت إسبانيا على الولايات المتحدة 3-،1 على استاد دوريفال دير بريتو، بمدينة كوريتيبا، مع أن الطرف الخاسر تقدم في الدقيقة 17 بواسطة بارياني. وفي الشوط الثاني ترجمت اسبانيا سيطرتها بتسجيلها 3 أهداف في أواخر اللقاء عبر إيغوا (81) وباسورا (83) وزارّا (89).
وعلى استاد انديبندنثا، فجرت الولايات المتحدة مع لاعبين نصف محترفين، مفاجأة من العيار الثقيل بتغلبها على إنكلترا 1-0. قبل الدورة بأيام قليلة، تغلب الإنكليز على إيطاليا 4-0 وعلى البرتغال 10-0، ودياً وكانوا مرشحين للفوز بكأس العالم بنسبة 3-1 وللفوز على الأميركيين بنسبة 500-1. ولأنهم مرشحين لتخطي الأميركيين، فإن نجمهم الكبير ستانلي ماتيوز جلس على مقاعد الاحتياطيين للاستفادة منه في المباريات الأهم! جاء الهدف اليتيم في الدقيقة 38 من رأسية لرأس الحربة جو غايتينز، المولود في هايتي، والذي سبق أن دافع عن ألوان هذه الأخيرة في مباراتين وديتين ضد كوراثاو وفنزويلا في 2 و5 أبريل 1944. لم يكن غايتينز يملك الجنسية الأميركية، و"الفيفا" لم يتحرك، لأن لوائحه لم تكن تتضمن أي نص يعالج هذا الموضوع، ولذا لم يحتج الإنكليز على النتيجة. لم يحصل على الجنسية بعد ذلك، ولذا دافع عن ألوان هايتي مجدداً في 27 ديسمبر 1953 ضد المكسيك، تحديدأً ضمن تصفيات مونديال 1954. وقد اختار مدرب المنتخب الفائز بيل ديفري لاعب الوسط إد ماكيلفيني ليكون "الكابتن"، لأنه اسكتلندي الأصل وسيكون متحمساً عند مواجهة الإنكليز، وكان هناك اللاعب البلجيكي جو ماكا الذي لم يحصل على الجنسية الأميركية إلا عام 1957. قبل المباراة، كتبت صحيفة "دايلي إكسبريس" اللندنية: "سيكون من العدل أن نعطي الولايات المتحدة ثلاثة أهداف في البداية". والطريف أنه عندما نشرت صحف إنكلترا النتيجة وهي 1-0، اعتقد كثيرون أن هناك خطأ في الطباعة، وأن النتيجة الحقيقية هي فوز إنكلترا 10-0 أو 10-1.
في الجولة الثانية أيضاً، فازت إسبانيا على تشيلي 2-0 سجلهما باسورا (17) وزارّا (30) على استاد ماراكانا.