مونديال قطر.. سحر جديد يناديكم!

آخر ما أهدانا إياه كأس العالم من استحداثات في منظومات اللعب كانت "تيكي تاكا" المنتخب الإسباني في 2010

الخط

يأتي كأس العالم 2022 بقطر كما كنت أقول دائماً استثنائياً في زمانه ومكانه وغرسه الفني، بالتأكيد سيكون مونديالاً ملهباً للخيال، في تشكيل زوايا المتعة وفي تحديد ألوان الرسم، لتكون اللوحة في النهاية سوريالية وخارقة للعادة، لكن نسخة مونديال قطر، فوق هذا وذاك ستتفرد عما سبقها وعما يليها في تشكيلها التكتيكي، وليس مستبعداً أن تُغيّر كأس العالم المقبلة الشيء الكثير في مناهج اللعب وفي حركة الظواهر الاستراتيجية.


والراصد للتحولات الكبرى التي شهدتها كرة القدم عبر حقب زمنية طويلة، بخاصة على مستوى أساليب اللعب وتطور المبنى التكتيكي للمباريات، سيجد أن أكثر هذه الطفرات حدثت خلال كأس العالم.


ولعل أجمل ما رأيناه في شاكلة 4-2-4 ذات الانسيابية الهجومية، جسّده منتخب البرازيل في سنوات تتويجه بالثلاثية التاريخية مع أسطورته بيليه (مونديال 1958 بالسويد، ومونديال 1962 بالشيلي ومونديال 1970 بالمكسيك)، والانتقال الملحمي لشاكلة 4-3-3 جسده المنتخب الألماني بأسطورته القيصر فرانز بيكنباور عند تتويجه بمونديال 1974 الذي أقيم على أرضه، والكرة الشاملة القائمة على الضغط القاتل، أبدع فيها منتخب "الطواحين" الهولندية بأسطورته يوهان كرويف وهو يبلغ نهائي كأس العالم في مناسبتين، 1974 بألمانيا و1978 بالأرجنتين، ولم نتعرف على الوجه المخملي لشاكلة 4-4-2 إلا مع منتخب إيطاليا بنجومه دينو زوف وباولو روسي، وهو يدفن كرة البرازيل الرومانسية، ويتوج بكأس العالم لسنة 1982 بكرة قدم واقعية. وكان آخر ما أهدانا إياه كأس العالم من استحداثات في منظومات اللعب، تتويج منتخب "لاروخا" الإسباني لأول مرة في تاريخه بكأس العالم سنة 2010، بالـ"تيكي تاكا" التي استلهمها من نادي برشلونة وقد تسيد الكرة العالمية بهذه الكرة العاشقة للاستحواذ والضاغطة على المنافس بطريقة هندسية مبتكرة.


والمؤشرات الدالة على أن كأس العالم بقطر ستشكل انعطافة جديدة في سيرورة مناهج اللعب، توقيتها الذي سيكون واحداً من الاستثناءات الجميلة التي تحدثت عنها، بل وتحدث عنها في مقام أول مدربون وناخبون وخبراء ومتخصصون في رصد الظواهر الفنية والتكتيكية.


حتّم مناخ قطر الحار والرطب صيفاً، أن يتم نقل كأس العالم لفصل الشتاء، والذي يغطي في العادة آخر شهرين من السنة، ومع هذا الانتقال الحصري، حضر سؤال الجدوى والتبعات وحتى التداعيات، فإن كان بين المدربين من كشف عن تخوفه من أن يسلب هذا المتغيّر الزماني من كأس العالم جماليته، فإن طائفة أخرى ذهبت إلى توقع أن يكون الانتقال بكأس العالم من الصيف إلى الشتاء ذا منافع فنية كثيرة، صحيح أن الطقوس ستختلف، لكن الاختلاف سيفرز مشهداً فنياً جديداً، سيساعد على إبداع نمط متقدم لأساليب اللعب.


المؤكد أنه مع تحول المونديال من فصل الصيف إلى فصل الشتاء، سيكون على اللاعبين دخول العرس الكروي الكوني في منتصف موسمهم وليس في نهايته، وهذا الأمر سيُغيّر الكثير من المؤشرات والقواعد العلمية التي يرتكز عليها الإعداد البدني والفني وحتى الذهني للاعبين يقبلون على مباريات من المستوى العالي، بل إن توقيت المونديال سيدفع ناخبين وطنيين لمنتخبات متأهلة، إلى مطالبة اتحادات الكرة بتعديل روزنامة الموسم الكروي المقبل، بحيث يصل اللاعب لكأس العالم وهو في قمة طراوته البدنية.


ولا خلاف على أن التوزيع الجيد للجهد والتوفيق بين حاجة النوادي للاعبين في أتم جاهزية لإنجاز المهام في الثلث الأول من الموسم الكروي، وحاجة المنتخبات لأن يصل اللاعبون لشهر نوفمبر المقبل وهم بمعدل تنافسي يساعد على تحمل أعباء المستوى العالي، سيعطينا في النهاية صنفاً من اللاعبين غير منهكين بدنياً ولا مرهقين ذهنياً، لاعبون بطراوة بدنية تسمح مع المناخ البارد الذي يسود قطر في ذاك التوقيت والخالي من الرطوبة، لتقديم فواصل من الإثارة الكروية العالية تنعكس على المباريات بشكل إيجابي، فتحولها إلى نيازك تعبر بالسحر إلى كل الأمداء.


يقيناً إن كأس العالم بقطر سيمثل لكرة القدم العالمية حالة خاصة، انعطافة جديدة، جاذبية رائعة، وأكثر منه ستكون هذه الكأس وعاءً سحرياً منه سيخرج ضوء جديد يغير شكل ونمط الرؤية التكتيكية، ليدخلنا إلى عالم جديد، للمتعة يأخذنا ولرؤية الجمال ينادينا..
 

للكاتب أيضاً