كرة القدم في أوروبا إلى مزيد من التعصب؟
15/03/2022 - حسين ياسين
الخط
قد يبدو سؤالاً مبالغاً به، لكنه يتوافق مع الكثير من الأمور المبالغ بها التي نعيشها في العالم.
الحرب التي نشبت بين روسيا وأوكرانيا مع كل ما تمثلانه في العالم، دون الدخول في تفاصيله، تركت آثاراً كبيرة على كل شي ومنها عالم كرة القدم.
تاريخياً، لطالما شكّلت أوروبا المثال الأرقى لعالم كرة القدم بجميع جوانبه، شكّلت هدفاً وحلماً لكبار المستثمرين في العالم. معاناة أنديتها الاقتصادية في السنوات العشرين الاخيرة، ساعدت على دخول استثمارات خارجية، عمدت لضخ الكثير من الأموال، لتُشكّل خريطة جديدة على مستوى الكبار في القارة العجوز.
الأمثلة هنا كثيرة، لكننا سنتوقف عند ما يحصل مع اثنين منها، تشيلسي وباري سان جيرمان.
قبل رومان أبراموفيتش لم يكن تشلسي فريقاً يحسب له حساب في أوروبا والعالم، في إنكلترا لم يكن يشكل ثقلاً بين الفرق الكبيرة لأنه ببساطة لم يكن كبيراً، أموال أبراموفيتش غيّرت كل شيء، خلال سنوات أصبح تشيلسي من أقوى فرق العالم، تُوّج بكل الألقاب الممكنة، أموال أبراموفيتش كانت منعشة جداً للنادي وللدوري الانكليزي بشكل عام، مصدرها كان دائماً واضحاً جداً للمعنيين، ثم فجأة بعد بداية الحرب تم إدخالها بموضوع تشيلسي رغم كل محاولات أبراموفيتش واتُخذ القرار بمعاقبته دون الاهتمام بما سيلحق بالفريق الذي ما يزال يضع على قميصه شعار بطل أوروبا والعالم، والآن وإن لم يجد النادي متمولاً كبيراً آخر، فسيبدأ التراجع دون أدنى شك، وبطبيعة الحال لا أحد يرغب لا من جمهور تشيلسي ولا من محبي كرة القدم بشكل عام بمشاهدة النادي يعود كما كان قبل وصول مالكه الروسي.
في المقابل، ما يحصل مع باري سان جيرمان يبدو مختلفاً، لكنه في الأساس ناتج أيضاً عن حالة التعصب التي ارتفع منسوبها كثيراً في أوروبا في الأسابيع والأيام الأخيرة.
المواجهة مع ريال مدريد في دوري الأبطال كشفت عن ذلك إعلامياً وبشكل كبير، ليس فقط في إسبانيا بل في إيطاليا أيضاً، وعلى الأرجح في دول أوروبية أخرى. فبعيداً عن موضوع السوبر ليغ وما يمكن أن يكون قد شكله في العلاقة بين النادي الفرنسي والنادي الإسباني، كان ملفتاً هذا الهجوم الإعلامي المركّز على موضوع دفع الأموال للاعبين من قبل إدارة النادي الفرنسي، لدرجة يُخيّل فيها للمتابع الجديد للعبة أنه قبل هذا النادي كان المركاتو في أوروبا يقوم على طريقة الأولين من أجدادنا بمبادلة اللاعبين بين الأندية بطريقة حبية وما دُفع أموال قليلة، دون التوقف عند حقائق حكمت كل ما وصلت إليه الأندية الكبيرة والعريقة في أوروبا والعالم.
ففي كل الدول الاوروبية الكبيرة، سيطرت بعض الأندية دون غيرها ببساطة لأنها كانت الأغنى مالياً، أكثر من ذلك، بعضها عندما لم يعد يملك المال اختفى عن خارطة الاقوياء، لم تشفع له عندها لا عراقته ولا تاريخه ولا أي من كلام الإنشاء الذي نسمعه كثيراً.
يوماً ما عندما سألوا مينو رايولا كم سعر بول بوغبا وهو كان ما يزال لاعباً في يوفنتوس، أجابهم دون تردد 120 مليون يورو، الإجابة كانت صدمة كبيرة للجميع، لكنه أتبعها بجملة حكمت عملياً كل المركاتو منذ ذلك التاريخ بجميع لاعبيه، "إن كان سعر بايل مئة مليوناً فسعر بوغبا مئة وعشرين مليوناً".
النجم الويلزي أحدث ثورة في عالم الأسعار عند اللاعبين، ثورة يمكن بكل بساطة العودة إلى التاريخ والتأكد منها.
طبعاً من حق الجميع في الفريق الإسباني ومن يسير على خطاه إعلامياً في إسبانيا وأوروبا أن يقول إن هؤلاء اللاعبين أعطوا نتيجة فنية كبيرة، البعض منهم أعطى نتيجة أقل، لكن هذا نقاش آخر مختلف تماماً، الحديث ليس عن قدرة اللاعبين بعد انتدابهم، الحديث هو عن أسعارهم قبل ذلك وكيف تغيرت ومتى.
الحديث عن أن المال لطالما صنع مجد الأندية العريقة في أوروبا، ميلان وإنتر مثلاً في إيطاليا عانيا كثيراً بعد أن تركهما سيلفيو برلوسكوني وماسيمو موراتي، غابا عن دوري الأبطال لسنوات، المعاناة كانت لتستمر لولا وجود مستثمرين جدد، الصينيون في إنتر مثلاً بدأ البعض يتحدث عن أموالهم وارتباطهم بروسيا، الكلام الدائم عن أموال باري سان جيرمان دون ذكر الآخرين هو كلام فيه الكثير من التجنّي عندما يخرج عن إطاره الفني، بالتأكيد يمكن الحديث هنا عن نجاح صفقات فنياً وعدم نجاح بعضها فنياً أيضاً، كما يحصل مع كل أندية أوروبا الكبيرة، لكن الكلام الإعلامي الدائم ليس كذلك عندما يتعلق الأمر بهذا النادي، شراء لاعبين بمئة وأربعين مليوناً هو ضرب كبير في المركاتو عندما يتعلق الأمر بالنوادي الشهيرة التي يملكها أوروبيون أو من يرضى الإعلام عنهم في هذه الفترة، لكنه يصبح أمراً آخر إن حصل في باري سان جيرمان مثلاً أو بعض الأندية الأخرى.
ما حصل في الأسابيع الأخيرة في أوروبا أكّد أن الحرية المطلقة التي اعتقدها البعض هي مجرد أوهام. إن التعصب وتداخل السياسة بعالم الكرة أصبح واضحاً، إن الأمور تغيّرت كثيراً، تغيّرت لدرجة أن هناك جمهور فريق يلعب معه ليونيل ميسّي كان يُصفّر عليه، هذا ما يبدو خيالياً بكل معنى الكلمة، يؤكد أننا وصلنا فعلاً إلى مكان لم يكن يتوقعه أحد.