موتوا بغيظكم!

الفرنسيون، مثل غيرهم، لم ولن يهضموا كيف أن بلداً عربياً إسلامياً سيُنظّم الحدث الكبير

الخط

قالها أمير قطر، سمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، بالحرف الواحد خلال الجلسة الافتتاحية لمنتدى الاقتصاد العالمي، بمدينة دافوس، في مايو الماضي، وهو يخاطب الحضور: "يعاني الشرق الأوسط من التمييز منذ عقود عدة، وأرى أن مثل هذا التمييز ينطلق إلى حد كبير من أشخاص لا يعرفوننا، وفي بعض الحالات يرفضون التعرُّف علينا. حتى اليوم لا يزال هناك أناس ليس بوسعهم قبول فكرة استضافة دولة عربية إسلامية بطولة مثل كأس العالم. قطر، شأنها شأن كل بلد من بلدانكم، ليست مثالية. إنها تحاول باستمرار إدخال تحسينات، وهي تزخر بالأمل في مستقبل أكثر إشراقاً. نحن في غاية الفخر بسبب التطور والإصلاح والتقدم الذي أحرزناه، وأنا ممتن للأضواء التي سلطتها كأس العالم والتي ألهمتنا القيام بهذه التغييرات بسرعة البرق".


كلام سمو الشيخ تميم أشار إلى موقف كثيرين ممن فوجئوا بتفوُّق قطر على الولايات المتحدة، وكذلك اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا، خلال تصويت اللجنة التنفيذية للـ"فيفا" على هوية الدولة التي ستُنظّم مونديال 2022، وذلك بتاريخ 2 ديسمبر 2010 في زيوريخ. وعلى مدى سنوات طويلة، حارب القطريون على أكثر من جبهة، أهمها جبهة إنشاء بنية تحتية مذهلة تُستثمر بعض قطاعاتها لتنظيم كأس العالم 2022، وجبهة الرد على الافتراءات والتهم التي وُجهت إليها - وما أكثرها -والتي كانت تهدف في الماضي إلى نقل مقر المسابقة من قطر إلى الولايات المتحدة.


اعتقدنا أن مثل هذه المحاولات، التي تهدف أيضاً إلى تشويه السمعة، قد لفظت أنفاسها، طالما أننا بتنا على بُعد خطوتين من المباراة الافتتاحية في 20 نوفمبر بين منتخبي قطر والإكوادور، ولكننا كنا على خطأ. فجأة، دخل بعض السياسيين الفرنسيين على الخط في الأيام الأخيرة، ومن دون مقدمات، فقرر أصحاب القرار في أكثر من مدينة، على غرار باريس ومرسيليا وليون وليل وتولوز وستراسبور، عدم نصب شاشات عملاقة في أكثر من شارع حتى يتابع المواطنون مباريات كأس العالم! نفهم أن الطقس بارد جداً هناك خلال نوفمبر وديسمبر، ومن الأفضل أن يتابع كل محب للعبة وقائع المسابقة وهو داخل منزله، ولكن لا نفهم كيف يقول هذا المسؤول أو ذاك أن القرار يعود إلى:


أولاً: عدم احترام حقوق العمال في قطر، وإذا ما كانت هناك إصلاحات فقد جاءت متأخرة، ثانياً: الخوف من كارثة بيئية، باعتبار أن فاتورة الكربون عالية جداً، لأن تشغيل المكيفات ضروري في الاستادات، ولأن مطار الدوحة سيشهد 1600 رحلة يومياً، بمعدل رحلة واحدة كل 50 ثانية، علماً بأن العالم يحارب بقوة ضد الاحتباس الحراري، وثالثاً: مشكلة تتعلق بحقوق المثليين، أي المتحولين جنسياً، وبتناول الكحول، ورابعاً: لم يكن نزيهاً فوز قطر بشرف التنظيم.

 

اقرأ أيضاً: ضربة قاسية لمنتخب الأرجنتين.. هل يغيب ديبالا عن المونديال؟


هناك مثل شعبي لبناني يقول: "يطعمكم الحجة والناس راجعة".
بالنسبة إلى الملف القطري، فقد ثبُت للجهات المسؤولة في "الفيفا"، مثل غرفة الحكم، أن الملف نظيف، وثبّتت بالتالي، في 13 أكتوبر 2014، إقامة مونديال 2022 في قطر، بعدما راجعت الغرفة تقرير القاضي الأميركي مايكل غارسيا. وبعد مضي 8 سنوات، ها هم بعض الفرنسيين يثيرون موضوعاً أكل عليه الدهر وشرب.


وبالنسبة إلى حقوق العمال، فهو موضوع قديم أيضاً. أقدم القطريون على إصلاحات جذرية، كإلغاء نظام الكفالة وتحسين ظروف العمل في ورش البناء، وقد تابع سمو الشيخ تميم هذا الموضوع مع رئيس "الفيفا"، جوزف بلاتر، خلال اجتماعاتهم في 9 نوفمبر 2013، و18 سبتمبر 2014، و15 مارس 2015، في الدوحة وزيوريخ والدوحة.


وعلى صعيد التكييف والتبريد، فإن الموضوع نوقش منذ سنوات طويلة أيضاً، وطويت صفحته، مع التأكيد على أن التقنيات المُستخدمة تراعي متطلبات البيئة.


ويبقى الموضوع الرابع، وهو جديد: حقوق المثليين وتناول الكحول. ويقول أحد مسؤولي الأمن في كأس العالم 2022: "أذا أراد أي كان عرض وجهة نظره بخصوص هذا الموضوع، فعليه أن يفعل ذلك في مجتمع آخر يوافق على هذا العرض. إذا اشتريت تذكرة فمن أجل حضور مباراة كرة قدم وليس من أجل توضيح موقف. عموماً، لا يمكن تغيير نصوص الدين من أجل 28 يوماً تستغرقها مسابقة كأس العالم". ويقول آخر: "على الآخرين أن يحترموا قيمنا، وأن يتوقفوا عن تسييس كل شيء".


الفرنسيون، مثل غيرهم، لم ولن يهضموا كيف أن بلداً عربياً إسلامياً سيُنظّم الحدث الكبير، وكيف أن القطريين جدّدوا بلدهم في غضون عقدين، في حين تطلب الأمر قرنين عند الغربيين. مواقف غريبة تصل إلى حد "القرف" عند بعض السياسيين. مثلاً، الرئيس الفرنسي السابق، فرنسوا هولاند، نوّه بمصداقية قطر عام 2015 عندما اشترت 24 طائرة حربية، أما اليوم فقد ذكر أنه لو كان في موقع الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون، "لما حضر حفل الافتتاح في 20 نوفمبر"! والله عيب.
 

للكاتب أيضاً