هل نتخيل مونديالاً من دون أوروبا؟
18/05/2022 - بدر الدين الإدريسي
انهار مشروع إقامة كأس عالم كل سنتين لأن "اليويفا" تحديداً قاد حملة اعتراض شرسة ضده
الخط
ليس فقط لأنها المنشأ أو الرحم الذي خرجت منه كرة القدم وقد غدت اليوم لغة كونية بل ومحدداً من المحددات الكبرى للزمن الإنساني، حتى تكون أوروبا هي مركز الجاذبية ومنطلق الثورات الكبرى التي تشهدها الرياضة الأكثر شعبية حول العالم، بل هناك ما هو أكبر من ذلك بكثير، فالقارة العجوز تسحب من خلفها كل القارات الأخرى، إن لم تأتمر بأوامرها وتنصاع لإرادتها أو تبغي ولاءها، فإنها لا تعدم وسيلة لتقتفي أثرها، لتتشبه بها أو لتنسج على منوالها، وليس في ذلك عيباً.
هذه القارة العجوز لا يضيع شيء من نظارتها ولا يضعف لها رصيد، ومهما فعلت القارات الأخرى، مهما اجتهدت وأبدعت اتحاداتها الوصية على كرة القدم في مسابقة الزمن لتحيين النظم والقواعد والأساسات لتحقيق أكبر قدر من الجاذبية، فإنها لا تردم هوة الفارق الذي بينها وبين كرة القدم الأوروبية، بسبب العراقة أولاً وبسبب العمق التاريخي ثانياً وبسبب التأنق المستمر ثالثاً، فالحداثة هناك بأوروبا قطار سريع لا يتوقف وشخصية لا تهتز وصوت لا يعلى عليه.
لأوروبا نفوذ قوي في صناعة القرارات الكبرى لكرة القدم العالمية، وهذا النفوذ بقدر ما هو إرث تاريخي، بقدر ما هو إقرار بثقل استراتيجي في ميزان العمل الرياضي، ولا خلاف على أن هذه المرجعية الكبيرة للقارة العجوز هي ما يجعلها قوة مؤثرة بل وسلطة حاكمة داخل "الفيفا"، بل إن تاريخ كرة القدم العالمية في بعض تفصيلاته، هو تاريخ لتصادم مرئي حيناً ومتستر حيناً آخر بين "الفيفا" وبين الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، لو قالت "الفيفا" بوصايتها كاملة على كرة القدم، ما نفت في الوقت ذاته أن تكون هذه الوصاية مشروطة بل ومتحفظ عليها داخل الاتحاد الأوروبي، وكان آخر ما جاءنا دليلاً على ذلك أمران اثنان..
أول الأمرين أن جياني إنفانتينو رئيس "الفيفا" ما رأى مشروع إقامة كأس للعالم مرة كل سنتين بدل مرة كل أربع سنوات، سعياً لجاذبية أكبر ولعائدات تسويقية أضخم، ينهار أمام عينيه، وما شهده جنيناً يموت في رحمه، إلا لأن "اليويفا" تحديداً قاد حملة اعتراض شرسة ضده، واستنجد في ذلك بشركائه في الكوميبول وبكثير من المؤسسات المتفرعة من عالم كرة القدم، لوأد هذا المشروع.
وطبعاً ما انتفض الاتحاد الأوروبي لكرة القدم من خلال رئيسه السلوفيني، ألكسندر تشيفيرين، فأشهر الفيتو في وجه إنفانتينو، إلا لأن مونديالاً كل سنتين سيضيق الخناق على مسابقتيه الأرفع والأضخم والأكثر جلباً للاستثمارات، مسابقة بطولة أوروبا للأمم ومسابقة دوري الأبطال، بل إنه سيضعف بشكل مهول كما دلت على ذلك الدراسات والتوقعات، الشريان الذي تتغذى منه كرة القدم الأوروبية.
ولا خلاف على أن جبهة الرفض المستعر والقاطع، وإن تخفت خلف أقنعة جمالية واستيتيقية وأحياناً إنسانية، رأفة بلاعبين حولهم الجشع خلف المال إلى "روبوتات"، إلا أن الدال على هذه الممانعة التي لا تقبل بأي تنازلات، هو أن كأس العالم كل سنتين سيتسبب للكرة الأوروبية في أضرار لا يمكن جبرها..
أما ثاني الأمرين الدال على هذا التغلغل الأوروبي في غرف القرار داخل "الفيفا"، فهو موقف جياني إنفانتينو من السوبر ليغ الأوروبي الذي أشهرته الأندية الكبرى بالقارة العجوز، موقف الرافض والمعارض إذعاناً لرغبة "اليويفا" في الإجهاز على ما كان سيجني على دوريها للأبطال، ومحاباة له، برغم أن السيد إنفانتينو هو من حرض الإتحاد الإفريقي لكرة القدم على إطلاق مسابقة من نفس الجنس ولو بصيغة معدلة، فما الذي يجعل هذا السوبر ليغ مرحباً به في إفريقيا ومضطهداً بل ومرفوضاً في أوروبا؟
بالقطع، سيكون من الجنون فعلاً، أن نعقد مقارنة من حيث النفوذ والتأثير والثقل في ميزان القرارات داخل "الفيفا"، بين اتحاد إفريقي خاضع ومطيع بل وتابع بسبب عديد الإكراهات، وبين اتحاد أوروبي مالك لناصية قراراته ومتمسك بمصالحه ومدافع عن كينونته، فالفرق كبير بين مؤسسة إفريقية واقعة تحت حماية "الفيفا" بسبب قلة اليد والحيلة وضعف الحكامة، وبين مؤسسة أوروبية لا تفصل أياً من القرارات الكبرى عن مصالحها.
إفريقيا وافقت على مونديال كل عامين لأنها بحاجة إلى مال لا يأتيها بنفس الوفرة من بطولات قارية عرجاء وغير مسوقة بشكل جيد، وأوروبا رفضت الأمر لأنها تعض بالنواجذ على مسابقاتها، وهي في ذلك مستغنية عن أموال "الفيفا"، إلى الحدّ الذي جعل رئيسها ألكسندر تشيفيرين، يجيب بلا أدنى تردد، عندما سئل عن القرار الذي سيتخذه "اليويفا"، في حال أقرت "الفيفا" كأس العالم كل سنتين، أجاب بلا أدنى تردد: "بكل بساطة لن نلعبها..".
فهل نتصور مونديالاً من دون منتخبات أوروبية؟