وهل أنسى ما فعله "شياطين" بلجيكا بـ"أسود الأطلس"؟

انتهت مباراة بلجيكا والمغرب بفوز المنتخب الأوروبي بهدف دون رد

الخط

كرة القدم ليس لها قلب! قلتها مرات، وأبداً لم يتأكد لي في ما أراه متعاقباً عليّ من مشاهد هي بالمئات، أنني أخطأت أو حتى بالغت..
طبعا ستسألون، كيف لكرة القدم التي تنشر السعادة وتملك المهج وتنتشر بيننا كالهواء الذي إن لم نتفسه نختنق، بل ويوجد بيننا من تربط كرة القدم كالخيط الناظم، الكثير من الأزمنة والأحداث في معيشه، كيف لكرة القدم وهي بهذا الفيض الكبير من الأحاسيس المصدرة، أن تكون من دون قلب؟


لا أشك في أن مباريات كثيرة مرّت عليكم، كان فيها فريق يُبدع ويُمتع، في سماء المباراة أنجمه تلمع، ولقوّته الدقائق تصدع، يُسيطر بالطول والعرض، يخلق العشرات من الفرص، وفي النهاية يذبحه المنافس من الوريد إلى الوريد، من مرتدة واحدة يُسجّل، يكسب المباراة ويُحلّق بالنقاط الثلاث غير عابئ ولا آبه بأنه كان طوال المباراة تحت القصف والعصف، بينما يمضي الفريق الآخر مجروحاً وملتاعاً، يخرج من المباراة كما دخلها خاوي الوفاض، ويلعن في جهره قبل سره كرة القدم..


كثيرون يقولون، إنها كرة القدم التي لا تؤمن لا بالسيطرة ولا بالاستحواذ، وإنها الواقعية التي تتكسر على حائطها الرومانسية، وإنه المنطق الذي يُشرعِن كل الأساليب ما دام أنها تصل بالفريق لتحقيق الغايات. وأنا لا اعتراض لي على كل هذه التوصيفات، لكنني مُصرّ على ما اقتنعت به من المئات من التراجيديات الكروية التي كنت شاهداً عليها، على أن كرة القدم لا قلب لها.
مؤخراً أعادني شريطٌ وصلني من خلال منصات التواصل الاجتماعي، يعيدني لـ28 سنة خلت، لمباراة حضرتها بملعب سيتروس باول بمدينة أورلاندو الأمريكية، ذات أحد من شهر يونيو من عام 1994، مباراة نازل خلالها المنتخب المغربي نظيره البلجيكي، في أولى جولات الدور الأول لكأس العالم، الأولى من نوعها التي تُقام ببلاد العم سام، وهي من جنس المباريات التي تقنعني بأن كرة القدم متصلّبة وفجّة ولا قلب لها أحياناً..
كانت أولى الجرائم المرتكبة وقتها في ذاك المونديال أن الاتحاد الدولي لكرة القدم برمج مباراة "أسود" المغرب و"شياطين" بلجيكا الحمر الساعة 12 زوالاً، تحت شمس ملتهبة كانت تنزل عمودياً على رؤوس اللاعبين مثل حمم حارقة، أذكر أن المحرار يومها اقترب من الأربعين درجة مئوية، فقد شعرنا نحن من نجلس في منصة الصحافة بالاختناق، فما كان لنا إلا أن ندعو للاعبين بالسلامة.


وأذكر أيضاً أنني حملت هذه الجنحة الكروية لرئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم آنذاك، السيد جواو هافلانج، أرجو منه تفسيراً أو قصاصاً أو سماحة على الأقل، وذاك أضعف الإيمان، إلا أنه فاجأني بجواب يختزل صورة المال الذي ابتلع حتى القيم الإنسانية لكرة القدم، أجابني هافلانج على سؤالي بلا تردد ولا حتى وازع التأسي: "يا سيدي، لو طُلب منا أن نجري مباراة لكأس العالم في الثالثة صباحاً لفعلنا بلا تردد، مصالح النقل التلفزي أوامر لا تُردّ".
لم تكن مباراة المغرب وبلجيكا تلك، لتخرج من مخيلتي ومخيلة من جايلوني، صور بالعشرات دالة على أن كرة القدم لا قلب لها، بل لا تشفق على أي فريق قدّم لمباراة كل ما يملك لترضى عنه، فما رأى منها غير الجحود، وما جنى منها غير دموع الأسى وحرقة الألم..


قدّم المنتخب المغربي للأمانة مباراة هي، في اعتقادي، الأجمل بين المباريات الـ16 التي أجراها في مونديالاته الخمسة، مباراة متى عُدت شخصياً لمشاهدة مقاطع منها لعنت كرة القدم. نجح "الأسود" في توجيه المباراة بالشكل الذي يريدون، استحواذ أقرب إلى الاحتكار، تسيُّد للكثير من الفترات، اصطاد البلاجكة هدفاً بوسطة مهاجمهم ماك دي كريز، من خطأ في التوقع لحارس مرمى المغرب عزمي، تقدّموا في النتيجة ضد مجرى اللعب وضد منطق الأفضلية، ومع ذلك واصل المنتخب المغربي هيمنته على الفصول، كراتٌ تُسدّد من بعيد، منها ما يخطئ المرمى بسنتيمترات، ومنها ما يصده الحارس البلجيكي الرائع برودوم، وكان يومها يحمي عرين بايرن ميونخ الألماني، رفعات جانبية بالعشرات تنتحر كدموع العاشق في الأحداق، اختراقات تصل بالمهاجمين المغاربة إلى المرمى، لكن الجدار عال والحصن منيع والمشهد فظيع، وكأن الكرة في تلك المباراة أقسمت ألا تدخل المرمى البلجيكية، فما العمل؟


فعل "الأسود" ما استطاعوه، من خبث ومكر وحيلة للبطش بالـ"غزلان" البلجيكية، ولكنهم في كل مرّة كانوا يعودون من غاراتهم مكسوري الوجدان، لأن من سيفوز في تلك المباراة هو المنتخب البلجيكي، ولعل أبلغ وصف للمباراة، هو الذي قدّمه لي الإعلامي الكبير، رئيس تحرير مجلة "فرانس فوتبول" الفرنسية وقتها، جاك فيران، عندما سألته عن رأيه في المباراة، قال: "لو أنت أنجزت ملخص المباراة ونزعت منه هدف بلجيكا، وعرضته على شخص لم يشاهد المباراة وسألته أن يتنبأ بنتيجتها، لقال لك أن من فاز هو المنتخب المغربي وبثلاثية نظيفة". بينما قالت لنا المباراة بنهايتها أن نقاطها الثلاث ذهبت للمنتخب البلجيكي، ولا عزاء لمن تسيّد أو سيطر أو حتى أكل العشب..
واثق أنا مثلكم أن مثل هذه المباريات سنشهد لها مثيلاً بالمئات، لكن هناك شيئاً واحداً سيُخفّف عني وطأة هذا الوشم الذي رافقني طوال هذه السنوات، هو أن لا تأتي مباراة المغرب وبلجيكا في مونديال قطر شبيهة بمباراة مونديال أميركا.

للكاتب أيضاً