نابولي.. هل من مارادونا جديد؟
25/08/2022 - محمد خليل
في موسم 1986-1987، عاشت مدينة نابولي حالة من الجنون بعد قيادة مارادونا الفريق للتربّع على عرش الكالتشو
الخط
قبل انطلاق موسم كرة القدم الإيطالية، انقسمت الآراء حول هوية من سيُحرز لقب دوري الدرجة الأولى، وكانت معظم الترشيحات تصبّ في خانة يوفنتوس وإنتر وميلان، وبدرجة أقلّ روما، مع استبعاد تام لنابولي، لاسيّما بعد خسارته أكثر من ركيزة من ركائز تشكيلته الأساسية في المركاتو الصيفي. انتهت مباريات الأسبوع الأول دون تغيُّر الحال، لكن الأمور تبدّلت خلال فترة وجيزة، ليتحوّل مُمثّل الجنوب، بعد نهاية الأسبوع الثاني، من مجرّد فريق بالكاد كان يُقحم اسمه بين المنافسين على احتلال مركز مؤهل إلى دوري أبطال أوروبا، إلى فريق يُتداول اسمه بين المرشحين لإحراز اللقب. استعراض القوّة في مباراتيه الأوليين أمام فيرونا ومونزا، إضافة إلى التعاقدات المُبرمة قبل مواجهة الأخير، ساهما في ذلك، لينقلب معه مزاج معظم مشجعيه من شعور بالتملمُل، إلى حماسٍ بإمكانية تحقيق ما كان يُعتبر مستحيلاً حتى وقت قريب. حماسٌ يبقى حذراً بطبيعة الحال، لأنهم يعلمون جيّداً أن البدايات لا يُعوّل عليها، وأن التتويج بالسكوديتو دونه الكثير من العقبات، لكنهم يأملون بتكرار معجزة سبق أن اختبروا شعور تحقّقها في مناسبتين: 1987 و1990. وقتذاك، لم يكن بطل المعجزة سوى لاعب أشعث الشعر، يحمل الرقم 10، يُدعى دييغو وكنيته مارادونا، فهل من مارادونا جديد يُفرح شعب نابولي؟
ثورة في المركاتو
يُمكن اعتبار ما قام به نابولي في المركاتو الصيفي ثورة بكل ما للكلمة من معنى. البداية لم تكن مبشّرة على الإطلاق، إذ كان معلوماً أن قائده، ابن المدينة، لورينزو إينسينيي، لن يُجدّد عقده وسيُغادر، قبل وقوع خبر مغادرة متوسط الدفاع، كاليدو كوليبالي، كالصاعقة على المشجعين، ليتبعه عدم تجديد عقد هدّافه التاريخي، دريس مرتينز، ومغادرته هو أيضاً، إضافة إلى رحيل الثنائي، حارس المرمى، دايفيد أوسبينا، وغيرهم.
حتى ما قبل بداية الدوري، لم يكن نابولي قد عوّض رحيل هؤلاء سوى بالتعاقد مع الجناح خفيتشا كفاراتسخيليا، ومتوسطي الدفاع كيم مين جاي وليو أوستيغارد، والظهير الأيسر ماتياس أوليفيرا، إضافة إلى حارس المرمى الإيطالي المُخضرم، سالفاتوري سيريغو.
بدأ الدوري، فاز في مباراته الأولى على فيرونا 5-2، حيث شارك كفاراتسخيليا وكيم وقدّما أداءً جيّداً جداً. بعد ذلك، أعلن عن تعاقده مع المهاجم الأرجنتيني جيوفاني سيميوني، ثم متوسط الميدان الفرنسي تونغي ندومبيليه، فالمهاجم الإيطالي الشاب جاكومو رسبادوري. ثلاثة تعاقدات تُضاف إلى خمسة سبقتها، من شأنها تحسين جودة الزاد البشري وزيادته عُمقاً، إضافة إلى منح المدرب لوتشانو سباليتي مرونة تكتيكية في ظل توفّر عناصر متنوّعة الخصائص.
بالعناصر الموجودة منذ الموسم الماضي، ومعها العناصر الجديدة، مع إمكانية التعاقد مع حارس المرمى الكوستاريكي كايلور نافاس في الأيام القليلة المقبلة، بات نابولي يملك، على الورق، زاداً بشرياً لا يقلّ اكتمالاً عن المرشحين المفترضين لإحراز لقب الدوري. هذا أمر مفروغ منه، لكن ذلك لا يعني بالضرورة تحقيق المُراد في نهاية المطاف، فالأمر يتطلب أكثر من مجرّد مركاتو مميّز وزاد بشري جيّد.
المحافظة على العمود الفقري
تكمن أهمية العمل الذي قام به رئيس النادي، أوريليو دي لاورنتيس، بالمحافظة على العمود الفقري للتشكيلة الأساسية التي ستخوض غمار منافسات هذا الموسم.
باستثناء كوليبالي، حافظ نابولي على متوسط الدفاع الآخر أمير رحماني، ومعه لاعب الارتكاز ستانيسلاف لوبوتكا، وزميليه في خط الوسط زامبو أنغيسا وبيوتر زيلنسكي، والمهاجم النيجيري فيكتور أوسيمين، ومن خلفهم حارس المرمى أليكس ميريت، الذي كان يُزاحم أوسبينا على مركز في التشكيلة الأساسية.
خسارة كوليبالي هي الأثقل للعديد من الاعتبارات، فقد كان من قيادات الفريق داخل الملعب وخارجه، لدرجة أن سباليتي قال مؤخراً إن الأمر بالنسبة إليه أشبه بخسارة مساعد له. ومن الناحية الفنية، كان الرقم 26 حجر الأساس في منظومة الفريق، في الشقّين الدفاعي والهجومي، إضافة إلى أن إمكاناته، كواحد من أفضل لاعبي العالم في مركزه، المركز المهم ومن الأكثر حساسية في أي منظومة، يصعب تعويضها. لكن هل التعويض ممكن؟
بالطبع. حتى لو فرضنا أنه ليس ممكناً بالجودة عينها، فنابولي، في أسوأ الأحوال، لديه كل ما يلزم للحدّ من التأثير السلبي لرحيله. في الموسم الماضي على سبيل المثال، غاب عن 11 مباراة، خرج نابولي في 5 منها بشباك نظيفة، بوجود رحماني وجوان جيسوس. على الورق، كان الأخير هو بديله، ورغم فارق الإمكانات المهول بينهما، خرج الفريق بشباك نظيفة في نصف عدد المباريات تقريباً. في هذا الموسم، سيكون بديل كوليبالي لاعباً لديه إمكانات أفضل من جيسوس، هو الكوري الجنوبي كيم، الذي أعطى مؤشرات إيجابية. الأهم من كل هذا، أن العمل الدفاعي سيكون جماعياً أصلاً، يبدأ من رأس الحربة أوسيمين، مروراً بخط الوسط، بقيادة المتألق، درع الخط الخلفي الحامي، لوبوتكا، وصولاً إلى المدافعين وحارس المرمى، وبالنظر إلى منظومة نابولي الحالية، بإمكانه المُضي قدماً دون متوسط دفاعه السنغالي السابق.
مؤشرات إيجابية ولكن..
بعد مرور جولتين من الدوري، تألّق نابولي، وتصدّر الترتيب بالعلامة الكاملة. ساهم 10 من لاعبيه بتسجيل وصناعة أهدافه التسعة. كان ثالث أكثر الفرق حصولاً على ركلات ركنية (18)، وكان أكثر الفرق تسديداً على المرمى (47)، والأقل تعرّضاً للتسديد على مرماه، بمعدل 5 تسديدات في المباراة الواحدة. لكن هل هذا كافٍ؟ قطعاً لا، هي مؤشرات إيجابية بالتأكيد، لكن الموسم طويل جداً، والتتويج بالسكوديتو دونه الكثير من العقبات.
أهم هذه العقبات تكمن في شخصية الفريق وصلابته الذهنية، وهي عقبة كانت من بين العوامل التي حالت دون تتويجه بلقب دوري في المواسم القليلة الماضية. الاختبار الحقيقي الأول لها سيكون أمام فيورنتينا خارج أرضه، الأحد المقبل، في مواجهة تُشكّل فرصة أولى للخروج باستنتاجات أولية حول ذلك. وعلى ذكر الاختبارات الحقيقية، شاءت القرعة أن يُواجه فيورنتينا ولاتسيو وميلان وروما وأتالنتا وإنتر خارج أرضه ذهاباً، وحدها مواجهة يوفنتوس في الأسبوع الـ18 ستكون على أرضه. اختبارات من شأنها قول الكثير حول قدرته الفعلية على المنافسة، لأنه إذا نجح باجتياز معظمها بنجاح، أو لنقل بأقل الأضرار، ودخل مرحلة الإياب قريباً من الصدارة، ستتعزّز ثقته بنفسه، وسيكون متسلّحاً بصخب وحماس جمهوره الشغوف في مواجهة منافسيه المباشرين إياباً. لكن مواجهتهم على ملعب دييغو أرماندو مارادونا، قد لا تكون عاملاً مساعداً بالضرورة، ففي الموسم الماضي، جمع أمام الفرق السبعة المذكورة أعلاه 8 نقاط فقط من أصل 21 على أرضه، مقابل 14 خارج أرضه.
في هذا الإطار، يأتي دور المدرّب، فهل سيُحسن سباليتي التعامل مع الضغوط التي سيرزح تحتها فريقه إذا كان منافساً على الدوري؟ تجاربه السابقة ليست مُبشّرة، والأهم أنه يفتقد للاعبين من النوعية التي تُحسن التعامل مع ضغوط من هذا النوع. لكن رغم ذلك، يبقى الأمل موجوداً، لاسيّما أن المنافسين المفترضين يعانون أصلاً على صعيد الثبات والاستمرارية، وهذا تفصيل مؤثر، ساهم في تحقيق اليوفي وإنتر وميلان اللقب في المواسم الثلاثة الأخيرة على التوالي.
"لو تعلمون ما فاتكم"..
في موسم 1986-1987، عاشت مدينة نابولي حالة من الجنون بعد قيادة مارادونا الفريق للتربّع على عرش الكالتشو، لدرجة كُتب على مدخل إحدى مقابرها "لو تعلمون ما فاتكم". في موسم 1989-1990، أعاد الكرّة، مانحاً الفرح لشعب نابولي مرة ثانية وأخيرة. مذّاك، ينتظرون مارادونا جديد يقودهم للمجد. هم يعلمون في قرارة أنفسهم أن الرقم 10 لم ولن يتكرّر، وأن زمن المعجزات قد ولّى، لكنهم يؤمنون أيضاً بأن القبض على السكوديتو ليس مستحيلاً، فمع بعض الحظ والتوفيق، ومع تطوّر شخصية الفريق وصلابته الذهنية تدريجياً، قد يبتسم لهم القدر أخيراً، ويترجمون فرحهم جداريّات تزيّن شوارع مدينتهم، كتلك التي تروي حكاية "الفتى الذهبي" القائل يوماً: "يقولون بأنه لا يمكن لمس السماء بالإصبع. أنا فعلت ذلك في نابولي".

