هل يعيد "أسود المغرب" بقطر ملحمة المكسيك؟
12/04/2022 - بدر الدين الإدريسي
الخط
بأي عين ينظر المغاربة، يا ترى إلى المجموعة المونديالية لـ"أسودهم"، وقد أوقعتهم مع "الشياطين الحمر" لبلجيكا والمنتخب الكرواتي "الشطرنجي" ومع المنتخب الكندي القوة الناشئة في أميركا الشمالية؟ هل ينظرون إليها بعين الرضا؟ أم ينظرون إليها بعين الخانع والمستسلم والفاقد للأمل في تخطي الدور الأول؟
لئن كانت كل المؤشرات قد قالت، حتى قبل أن تسحب قرعة نهائيات كأس العالم قطر 2022، أن توزيع المنتخبات الـ32 على الأوعية الأربعة، بالعودة لتصنيفها الدولي القائم على دعامات رقمية موضوعية، سيفرج عن مجموعات متوازنة، إلا أن تفادي منتخب المغرب، لفرنسا بطلة العالم وللبرازيل المرشحة من تلقاء ماضيها الخرافي الذي ينبئ في كل كأس عالمية بانبعاث رقصة السامبا، جعل المغاربة متفائلين بقدرة "أسودهم" على منافسة الحيتان الثلاثة على صدارة أو وصافة المجموعة، وكلاهما يقود بطبيعة الحال للدور ثمن النهائي.
والحقيقة، أن المعيار الذي طبقه "الفيفا" في تفييء المنتخبات المتأهلة، ومن ثم آلية سحب القرعة لتشكيل المجموعات الثمانية، ما كانا ليضعا المنتخب المغربي إلا في مجموعة سيكون هو ثالثها في تراتبية الحظوظ في التأهل للدور الثاني، ما يعني أن تواجد "الأسود" في الوعاء الثالث، يفرض فرض عين أن يصطدموا بمنتخبين يتفوقان عليهم في الإرث المونديالي وفي النسق التنافسي العالي، من دون أن يجردهم ذلك من القدرة على محاكاة كل هذه القوى الكروية والسعي للتفوق عليها، خضوعاً لأحكام منطق كرة القدم الذي يناقض في الشكل والعمق المنطق الوضعي القائم على القياس والمقارنة.
وإذا كان صحيحاً أن المنتخب المغربي، قد أوقعته القرعة في مجموعة صلبة، تضم منتخب بلجيكا، البطل غير المتوج، عطفاً على تصدره لسنوات التصنيف العالمي، من دون أن يحظى بأي إنجاز عالمي أو حتى قاري، ومنتخب كرواتيا وصيف بطل العالم والذي كان منذ ولادته حاملاً للجينات الكروية الخارقة للمدرسة اليوغسلافية، وتضم أخيراً منتخب كندا الذي ما استحق العودة للمسرح المونديالي في تجربة ثانية، أعقبت الأولى التي مرّ عليها حين من الدهر، إلا لأنه احتكم لجيل هلامي، إذا كان صحيحاً أن أضلاع المجموعة المونديالية لـ"أسود الأطلس" متينة ومقاومة للإعصار وحتى للتعرية، إلا أن ذلك لا يغلق للأمل باباً، ولا يوصد للطموح نوافذ، ولا يقص لطائر الحلم جناحاً، وما علينا إلا أن نرتد بالذاكرة لسنة 1986، للمونديال الثاني الذي استضافته المكسيك بعد الأول الذي نظمته سنة 1970، وكان أول عهد للمغرب بأجواء المونديال، لنعيد قراءة المشهد.
في نسخة 1986، والتي ستلقب حيناً بنسخة الأسطورة مارادونا، وحيناً آخر بالنسخة الرومانسية، لكثافة المشاهد الكروية الجميلة التي صدرتها للعالم، وضع منتخب المغرب في مجموعة لقبت وقتها بـ"مجموعة الموت"، كيف لا تكون كذلك، وقد ضمت منتخب بولندا ثالث مونديال 1982 بإسبانيا، منتخب إنكلترا وقد تشكل له على يد بوبي روبسون جيل خرافي، ومنتخب البرتغال الذي بلغ قبل سنتين نصف نهائي بطولة أوروبا للأمم، ولا أحد على الإطلاق راهن بفلس واحد على "الأسود".
ما سيحدث هناك بمونتيري المكسيكية، كان من هندسة الخيال، أو هو الفاكهة المجنونة التي تطرحها شجرة المونديال من حين لآخر، سينجح منتخب المغرب في إذابة الجليد البولندي وصهر الحديد الإنكليزي بالتعادل من دون أهداف أمام المنتخبين معاً، قبل أن ينهي الفاصل المبهر برقصة أطلسية ثلاثية الأبعاد أمام البرتغال، لينهي المنتخب الذي باع الكل جلده بأبخس الأثمان، الدور الأول للمجموعة في الصدارة، ويا لها من مفاجأة رائعة.
وإذا كان صحيحاً أن المنتخب المغربي، لم يعزف على ذات الوتر السحري في المونديالات الثلاثة التي أعقبت ملحمة مكسيكو، إلا أن العودة إلى تفاصيل كل مونديال من هذه المونديالات الثلاثة (1994 بأمريكا، 1998 بفرنسا و2018 بروسيا)، ستنبئنا بأن "الأسود" في كل مرة كانوا يخطئون التوقع، أو أنهم يسيئون التعامل مع جزئيات بسيطة، هي ما فصلتهم عن نهايات أفضل بكثير من تلك التي كانت عليها مشاركاتهم الثلاث الأخيرة.
ومن زاوية التاريخ، ومن مرآة الوقائع المحفوظة في الذاكرة، ومن وحي ما تخبرنا به كرة القدم الحديثة، فإن كأس العالم محجوزة بالضرورة للمجتهدين، والسفر فيها لأبعد النقاط محجوز أيضاً لمن يحسن التزود فنياً وتكتيكياً وذهنياً، وبخاصة من يجيد التعامل مع الجزئيات الصغيرة، وهذا بالذات ما يحتاج المنتخب المغربي لأن يتقنه خلال موندياله القادم بقطر، لكي يكسب جزاء ذلك ما كسبه قبل 36 عاماً بالمكسيك.